اقليم كوردستان ، استخدام القوة الناعمة نحو تقرير المصير

جواد كاظم ملكشاهي

عرف المفكر الامريكي جوزيف ناي في كتابه (القوة الناعمة ، وسيلة النجاح في السياسة الدولية ) على انها وسيلة لتحقيق الاهداف الستراتيجية من دون اللجوء للقوة العسكرية التقليدية ، بل بوساطة الادوات الثقافية والسياسية والقدرة على الاستقطاب والاقناع وهي عكس القوة الخشنة التي تعتمد على الاجبار والاكراه.

كما يقول ناي لقد أضحى من الصعب، في العالم المعاصر، استخدام العصا، إذ القوة العسكرية أصبحت على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراهصعبة جدا، وأصبحت الحرب أمرا جد مكلف من الناحية المادية، وأن أوزان الدول وأثقالها الاستراتيجية لم تعد تحسب بموارد القوة العسكرية بل بقوتها الناعمة.

لو تمعنا بمشروع الاستفتاء المزمع اجراؤه العام الجاري في اقليم كوردستان وتمحصنا ودققنا الخطوات الذكية التي تتبعها القيادة الكوردية لانجاز هذا المشروع القومي الاستراتيجي الذي يعد طموحاً لاكثر من 40 مليون انسان تقسمت ارضه بين دول المنطقة من دون ارادته ، نصل الى المحصلة التالية ان الكورد يستخدمون القوة الناعمة للوصول الى الهدف المنشود من دون اراقة دماء بل بشكل طلاق مخملي يضمن مصالح الكورد وجميع شعوب ودول المنطقة.

في خضم استمرار المشاكل والخلافات بين اربيل و بغداد وقطع موازنة الاقليم وتحجيم الدور الكوردي بشكل عام في بغداد بوساطة الاستجوابات والاستغناء عن الخدمات والعمل بنظام الاغلبية كما حدث في تمرير قانون الموازنة وغيرها من الامور التي ادت الى انهاء الشراكة بين الاقليم والمركز ، اطلق رئيس اقليم كوردستان السيد مسعود بارزاني قضية اجراء الاستفتاء مع التأكيد على ان كل خطوة يخطوها الكورد من اجل تقرير المصير و الاستقلال ينبغي ان يكون عبر الحوار مع بغداد ، والدول المحيطة والقوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الاوروبي بشكل عام ومن دون اللجوء الى العنف ايمانا من القيادة الكوردية بان مشكلتهم السياسية لاتحل عبر العنف ، وتجارب الماضي اثبتت ان الحوار هو اختصار المسافة للوصول الى الهدف المنشود من دون اراقة دماء وتبديد الطاقات البشرية والامكانيات الاقتصادية للشعبين الكوردي والعربي.

وكانت لمساعي حكومة الاقليم بأقناع الدول في فتح ممثليات ومكاتب في اربيل والانفتاح الاقتصادي على الدولتين الجارتين وبناء شراكة اقتصادية معها ، والعمل على الوقوف بوجه اية محاولة للاخلال بالامن الداخلي لطهران واستنبول او التعرض لامنها القومي ، وكذلك بناء مشاركة مع العالم في الحرب الدائرة ضد الارهاب والتصدي للارهابيين في الخنادق الامامية وتقديم تضحيات جسام من ابناء كوردستان حفاظا على الامن الاقليمي والدولي ، كل هذا اعطى انطباعا بان الكورد عامل استقرار وتوازن القوى في المنطقة وليس عاملا للفوضى والاخلال بالامن الاقليمي والدولي.

لذلك يسعى الكورد اولا لتنظيم وترتيب البيت الكوردي على المستوى المحلي ليتخذ موقفا موحدا ومشتركا من مشروع الاستفتاء وتقرير المصير، والتحرك على بغداد لمناقشة الامر مع الحكومة والقوى السياسية المشاركة في العملية السياسية بغية اقناعها ان المشروع الكوردي لايضر بمصالح الشعب العراقي بل على العكس ، الكورد بصدد وضع حل لمشكلة مزمنة كبيرة كلفت العراق بجميع مكوناته مئات الالاف من الضحايا وتدمير البنية التحتية وتدمير الاقتصاد العراقي ، ولذلك البقاء ضمن خارطة الجغرافية سوف تعقد المشاكل والخلافات وربما لاسمح الله اعادة الاقتتال والتي لاجدوى من استمرارها بحكم تجارب الماضي المريرة.

ومن جانب اخر يسعى الكورد الى اقناع الدولتين الكبيرتين ايران وتركيا المعنيتين اكثر من غيرهما بالشأن الكوردي ان حل المشكلة الكوردية في العراق عبر الطرق السلمية والسبل القانونية والدستورية واتخاذ خطوات نحو تقرير المصير سيكون عاملا مهما لامن واستقرار المنطقة وضمان مصالح شعوبها و وضع حد للعنف المستمر منذ عقود والذي كلف شعوب المنطقة ثمنا باهظا بالارواح والامكانيات الاقتصادية والمادية ، فضلا على التاكيد على ان الكيان الكوردي المستقل سيكون عاملا مهما ايضا لحل المشكلة الكوردية في المنطقة بشكل سلمي يضمن مصالح الجميع.

اما على الصعيد الدولي فقد سعت حكومة اقليم كوردستان لمناقشة الامر مع اصحاب القرار الدوليين مثل الولايات المتحدة وروسيا ودول الاتحاد الاوربي فضلا على الصين وجميع القوى المؤثرة في قضايا المنطقة ولذلك اجتمع السيد رئيس اقليم كوردستان اخيرا بجميع قناصل وممثلي الدول في اربيل والبالغ عددهم مايقرب 35 دولة لغرض اطلاعهم على الاهداف المتوخاة من اجراء عملية الاستفتاء وحق تقرير المصير للشعب والتعرف على مواقف دولهم من المشروع ، كي يكون الحل مقبولا محليا واقليميا ودوليا ومشاركة الجميع في الدفع بالمشروع لاحلال السلام والوئام في المنطقة.

بتمحيص وتدقيق لمفهوم وتعريف القوى الناعمة في كتاب المفكر الامريكي جوزيف ناي ، يظهر جليا ان القادة الكورد اختاروا استخدام تلك القوة المؤثرة والسبيل السلمي والحضاري لحل قضيتهم في الشرق الاوسط وبناء كيانهم المستقل من دون اراقة الدماء واللجوء للعنف ، لان المفهوم العام لحل المشاكل والخلافات بين الشعوب والدول قد تغير ولم تعد القوى العسكرية التقليدية خيارا لفضها وحسمها.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close