الرحابنة يبكون كل صباح

نعيم عبد مهلهل

في الشرق العربي أيام كان هناك والٍ بعمامة ونعل من صندل وحاجب ينبغي أن يكون اصلعاً وسميناً و ويملأ  وجهه شارب غليظ ، كانت المدن لاتتفائل بصمت قصر الوالي الذي لا يُسمع منه سوى شخيره المقدس ، وتثائب الجواري اللائي سهرن الليل من اجل أن يفرغ كامل قارورته من خمرة عنب أتوا بها من بساتين بعقوبة بقافلة راجلةٍ أول أمس.

في هذا الشرق ، كان الناس يتركون لديكة السطوح أن تقول لهم ان الشمس طلعت اليكم فهيا الى دكاكينكم واشغالكم ، لكن بعض المدن طورت يقظة صباحاتها عندما صار الدراويش ومتصوفة تكيات جوامعها أول من يستيقظون ليبدوأ اناشيد مديح لمن اخرج الشمس من جبها ومنها في الشبه النور الاتي من وجه يوسف يوم انتصب بخجله الذكوري امام امرأة العزيز وهاج فيها ما هاج بتاثير هذا النور ، وتلك المدائح التي تحولت الى صدى لاول ساعات النهار تظل طوال اليوم عبارة عن لحظات شدو  في ترقب من تلك الكائنات التي ارتدت العمائم والعباءات الصوفية الخشبة ،وتعرقت وجاعت ولكنها لم تتوقف عن تلك الاناشيد العالية الصوت والتي كانت تتدلى على شكل ادعية او قصائد ومرات حين تشتد شمس الظهيرة ويهرب الناس الى الظل وعرائش البساتين ، تيتحول تلك المجابهة بين وجه المتصوف وقوة ضوء الشمس الى ما يشبه الهذيان ،والتي حين يتفقدها الناس ، بعضهم يحن اليها والاخر يقول استرحنا ،ومن يتفائل بتضحيتهم بنعم الحياة الى العشق الخشن ، تسكنه دمعة شوق فيبكي.

اتذكر هذا وانا استعيد تأثير الرحابنة في حياتنا ، والذين صنعوا لنا بلحنهم الصباحي حنجرة فيروز ، هم أثنان ( عاصي ومنصور ) رحلا عن عالمنا الآن وابقوا لنا الياس وزياد ، وفيروز التي هي واحدة من ظواهر  الشرق الحضارية التي تقترب في تأثير صوتها الصباحي الى ما يشابه ذلك التاثير التي كانت فيه ديكة الشرق ومتصوفته ترسم الخطوات الاولى لنهار رزقهم وحروبهم واحلامهم.

عرفت فيروز حين كبرت ، والغريب أن الاطفال في صغرهم لايأنسون اليها بالرغم انها تصادفهم كل صباح في مذياع الاب او المقهى حين يمرون ، ولكن مع اول لحظات ذكورة الشباب ونشوء خواطر الغرام والرسائل تراهم يذهبون اليها من دون وعي ويصبحون عشاقا لها بالفطرة…

سواق حافلات الحرب يعرفونها ايضا ، وكانون يتندرون على اغانيها التي تبث بشكل ممنهج في كل صباح من قبل اذاعة بغداد ، وكانوا يتندرون على صوتها يوم يعلس شريط الكاسيت الذي في غالبه كانت تسكنه اصوات المنكوب وجعفوري وحسين سعيدة وصباح الخياط بقولهم :الشريط علس ،اخوان تريدون تسمعون ( بهروز ) حيث يحولون قصدا وتندرا الفاء والياء الى باء وهاء  .

ثلاثة ارباع الجنود ممن اتت بهم معاشات عرفاء التطوع ومواليد الاحتياط والخوف من اشتعال الجبهات حيث يتوجهون  هم من يقولون لسائق الحافلة بصوتٍ احتاجي ،:لانريد بهروز .ابحث عن كاسيت اخر .

المثقفون عشاق صوتها هم من يتمنون اغانيها المصنوعة ببكاء تلك اللحظة الروحية التي عرف الرحابنة كيفية تحوليها الى نوته وحس شعبي لبساطة الحياة وغرامياتها وسرياليتها حين تصبح اغنية مثل (حنه السكران ) دافعا للشعراء ليبدأوا بكتابة تهدجات ارواحهم كما كان يفعل متصوفة تكيات ايامهم القديمة .لكنهم لايستطيعون المجاهرة بالطلب من سائق الحافلة ابقاء اغانيها ، وصمتهم هذا في برلمانات حافلات الريم والسكاينا يمثل قبولا مع رأي الاغلبية التي تعتقد ان هجع عبد الصاحب شراد يتفوق على نسيم الهوى من مفرق الوادي ورومانسية مشاعر آخر ايام الصيفية ،ما دامت نسائمهم تحولت الى رائحة لبارود المدافع والخنادق الشقية ونعوش من خشب ثقيل اما ان يسكنوا في داخلها او يحملونها على ظهورهم كمعتمدين لايصالها الى اهلها في قرية نائية من قرى المشخاب او الرفاعي او ينكجه وهي قرية تركمانية من قرى طوز خروماتو كل سكناها من البيات.

كنا نحتاج الى بكاء الرحابنه لشعورنا انهم من خلال صوت فيروز يوصولون الينا عشرات الرسائل التي تستطيع فيها ارواحنا لتصمد امام مجهول الحرب ، او تعيننا في استيعاب المنهج الممل في كتاب تاريخ السادس ادبي .وبعضهم جعل من هذا البكاء ايقونات فرح تساعده في ايصال هواجسه لمن يعشقها .

الآن فيروز وحدها ، والرحابنه وحدهم مع هياكلهم العظيمة . نحن ايضا وحدنا مع هذه الغربة الرهيبة من العولمة والاتصالات التي فتحت على الجميع هوة من مجهول لايعرف كيف تحولت كل تلك المسافات التي طواها ابن بطوطة بسنوات عديدة وبناقته الى قرية صغيرة تستطيع فيها أن ينالك النعاس في أسطنبول لتفتح عينيك في مطار النجف .

وحتما مع العولمة ومطالبة امي عبر الواتس آب أن اشتري لها واتر بم جديد لمبردتها وارسالها لها ببريد ( الدي اج ال ) من مدينة فوبرتال الالمانية الى الناصرية السومرية ، حتما ستفقد تلك البكاءات الاسطورية الكثير من لذتها الروحية والطقوسية ، وما عليك سوى ان تنتصر على مزاج ما يفرضه عليك البزاز في نشرته الاخبارية وعباس البياتي في تصريفاته اللغوية الغربية ، وما يجبرك عليه مراسل البي بي سي في ادلب من أن الشام لم يعد لها رقصا مغريا لطير الحمام .

تنتصر على كل هؤلاء ، وتدفن رأسك تحت اللحاف ،وتتخيل انك في حافلة الريم القديمة ، وتجادل ركابها  من الجنود لتقنعهم بضروة ابقاء اغاني فيروز القادمة من المذياع ،فهي اسلم لقلوبنا من صوت عبد الصاحب شراد وحسين سعيدة  .

لكنك في حافلة ثلاث ارباعها ينتظرون ( خيط الاستبسال والترفيع ) لن تسطيع ابدا كما يقول صعايدة مصر أن تبدل عتريس بباريس.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close