تأثير رفع الحظر الجزئي عن الملاعب العراقية , اقتصاديا

محمد رضا عباس
في سبعينيات القرن الماضي كانت المباريات الكروية تشكل حدثا مهما في العاصمة العراقية خاصة وان اغلب المباريات الكروية الدولية كانت تجري في بغداد , وبالذات , في ملعب الشعب الدولي. أتذكر جيدا كيف كانت المقاهي تتحضر لمباراة كرة القدم المهمة منها , وذلك بترتيب الكراس بشكل يسمح ان تأخذ مساحة المقهى اكبر عدد ممكن من المشاهدين الذين لا يملكون جهاز التلفاز في بيوتهم . اما من كان يملك جهاز التلفاز , فكانت المبارأة مناسبة لتجمع الاهل والأصدقاء والجيران , ومناسبة لتقديم افضل الموجود في الأسواق والبيت العراقي من اكل وشرب و مكسرات ولفات كباب وتكة التي عادة ما كانت تشترى من المطاعم القريبة من البيوت . كان ذلك في السبعينيات من القرن الماضي , اما الان فان تأثير المباريات  الكروية على الاقتصاد المحلي والبلد لا يمكن تجاهله .
ابتداء، فان رفع الحظر الجزئي عن الملاعب الرياضية في كربلاء والبصرة و أربيل يعني ان هذه الملاعب في هذه المحافظات ستكون في حاجة الى إدارة مستمرة , وهذا يعني توفير فرص عمل الى ما لا يقل عن 50 فرادا كموظفين , عمال , وحرس . الملاعب الرياضية الحديثة تحتاج الى عمال تنظيف , صيانة , فلاحين , منظفين , موظفين لترتيب المباريات , موظفين علاقات عامة , موظفين تسويق , وحرس لضمان امن الملعب من العابثين طيلة أيام السنة .
الحاجة الى الايدي العاملة تزداد بشكل كبير مع كل مباريات مهمة , حيث ان الإعلان عن مباراة مهمة تقام في محافظة كربلاء على سبيل المثال , يشجع أبناء المحافظات القريبة من كربلاء , مثل بابل , القادسية , النجف , وحتى بغداد لحضور هذه المباراة  . هذه الالاف من محبين مباريات كرة القدم سيضمن مبيعات إضافية لمحلات بيع المشروبات الغازية , محطات بيع البازين , المطاعم , نقل الركاب , والفنادق في كربلاء , خاصة في المناطق المحيطة بالملعب. يضاف الى ذلك , فان اجراء مباريات مهمة يفرض على إدارة الملعب بتعيين اعداد كبيرة من العمال المؤقتين من اجل تامين سلامة المتفرجين , عمال تنظيف الملعب , عمال تنظيم ساحات وقوف السيارات , توفير مضمدين للحالات الطارئة , وعمال إضافيين لبيع التذاكر.
لا توجد احصائيات مالية عن الألعاب الرياضية في العراق , وبذلك سوف نضطر بالاستعانة ببعض الاحصائيات لبعض الملاعب في الولايات المتحدة الامريكية , حتى يكون المواطن على علم بأهمية الملاعب الرياضية للاقتصاد المحلي. حسب الاحصائيات , فان كل مباراة لكرة القدم الامريكية (ركبي) تقام في مدينة كليفلاندا من ولاية أوهايو الامريكية , تجني المدينة دخل ما قيمته 7.9 مليون دولار او مبلغ 63 مليون دولار سنويا , بسبب زيادة مبيعات المطاعم , البارات , الفنادق , ومحطات البازين . بالحقيقة ان أصحاب المصالح في هذه المدينة ينتظرون موسم كرة القدم بفارغ الصبر (خريفا و جزء من الشتاء) , لان مبيعاتهم خلال موسم كرة القدم يعوض عن انخفاض مبيعاتهم في المواسم الأخرى , وهكذا فان أصحاب المصالح يتحضرون للموسم على كافة الأصعدة , توفير عدد كافي من العمال , خزين كافي من التجهيزات , وتوفير أماكن إضافية . العائلة الامريكية تصرف على المعدل بين 50 و80 دولارا لكل لعبة كرة قدم.
المباريات الرياضية تشكل مصدر دخل إضافي الى العمال , خاصة عمال الخدمات . بعض عمال المطاعم في مدن الملاعب تصل اجورهم اليومية (بين الرابعة مساءا و الثانية عشر) مع الإكراميات (البخشيش) الى 350 دولارا , وربما اكثر. احدى الدراسات وجدت ان الموسم الرياضي الواحد لعشرة مدن , يوفر  ما يقارب 30,000 فرصة عمل , تشمل عمال النظافة ,  عمال مطاعم , فنادق , محلات بيع الهدايا , تكسي , ورجال امن .
نقل المباريات عبر محطات التلفزيون يعتبر مصدر مالي مهم اخر للمدن الرياضية , حيث ان عقد نقل المباراة مع وسائل الاعلام يجلب أموال إضافية الى إدارة الملعب والى المدينة , ومن الممكن استخدام هذه الأموال من اجل التوسع في مرافق رياضية أخرى . وهكذا يصبح وجود ملعب رياضي في المدينة ليس فقط من يوفر فرص عمل مباشرة لسكان المدينة , وانما يوفر فرص عمل غير مباشرة الى المهندسين وعمال البناء , و مجهزي مواد البناء .
الأهم من ذلك هو ان وجود ملعب رئيسي في المدينة يجعل من المدينة قبلة للزائرين والسواح وسوف لن أكون مبالغا ان تكون الملاعب الحديثة ملتقى لملايين من الزائرين , هذا ما نلاحظه من عدد الزائرين للملاعب الرياضية في بكين , مونتريال , كاليفورنيا , و بونيس إيرس .هذا يعني ان أسعار الأراضي في المدن الرياضية تكون اعلى من المدن الأخرى . أسعار الدور السكنية القريبة من الملاعب الرياضية في المدن الامريكية اعلى بكثير من البيوت السكنية البعيدة منها. في مدينة بوسطن تستخدم اسطح الدور السكنية أماكن لمشاهدة المباريات و بأجور مرتفعة , اضطرت إدارة الملعب بشراء جميع الدور المجاورة حتى لا يكون أحدا منافسا لها. الملاعب الحديثة أصبحت تكلف المئات من الملايين وتحتوي على شقق انيقة مطلة على ساحة الملعب ويتوفر فيها كل وسائل الراحة وبأجور سنوية بملايين الدولارات. الملاعب الحديثة أصبحت محل جذب المشاهير من الفنانين والعلماء وأصحاب المال , و أصبحت أسماء المدن المالكة لهذه الملاعب على  الصفحات الأولى  للصحف والمجلات الرئيسية وعلى الفضائيات , و أصبحت محل جذب لشركات الاعمال , الاعمال الصغيرة , و بيئة جاذبة للطلاب من المدن البعيدة. اصبحت الجامعات الامريكية تتنافس على جذب الطلاب لها ليس على أساس رصانة برامجها التعليمية , وانما من خلال برامجها الرياضية وسمعتها الرياضية .
المواطن العراقي له تاريخ طويل في حبه لكافة أنواع الألعاب الرياضية , وهذا هو السبب الذي أدى الى انتشار كل أنواعها حتى في اقسى الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد . ان رعاية هذا القطاع المهم والحيوي سوف يوفر خدمات كبيرة لشريحة الشباب في قضاء وقت ممتع ومنتج سواء كانوا مشاركين او مراقبين , كما وان مردود هذا القطاع سيكون مردودا كبيرا ومهم يعم خيره على جميع محافظات البلد.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close