زبيدة ثروة من العمارة الى الثورة

زبيدة ثروة من العمارة الى الثورة
نعيم عبد مهلهل

زبيدة ثروة ميخائيل ، ابنة رجل مسيحي ولد في مدينة العمارة عام 1938 بعدما اتى والده مهاجرا من تلكيف احدى قرى نينوى قبل ان تتحول الى ناحية ثم قضاء ليضمن نادي الموظفين في مدينة العمارة والذي كان قبل ذلك هو نادي استراحة مختلط لموظفي الادارة البريطانية أيام الانتداب ومن ثم صار يجلس فيه ضباط الارتباط الانكليز وضباط حامية المدينة الذي كان عددهم 28 ضباطا ثمان ضباط منهم من العراقيين ولكن اغلبهم من اهالي الموصل وبغداد ، هم ملاك فوج العمارة الاول الذي اوكلت اليه مهمة مسك الحدود البرية والطويلة مع ايران من الشيب وحتى منطقة الطيب وجلات والى ناحية الشهابي.
فيما بقيت الحدود الاخرى من المشرح الى القرنة بدون حراسه كونها مناطق اهوار ومفتوحة على بعضها منذ الازل.
احب ميخائيل مدينة العمارة واهلها وهو من اقنع الحاكم البريطاني في المدينة قبل أن تبدا الادارة المدينة العراقية في لواء العمارة أن يؤثث الكنيسية الكاثوليكية في المدينة ويعين لها حارسا وقسا من قساوسة الجيش البريطاني ، وحين اشتروا مصاطب الصلوات وكرسي الاعتراف والسجاديد التي كلفوا بها نساء ريفيات من اهل قرى قلعة صالح بنسجها على شكل بسط ملونة تحمل ايقونات .ارتعبت النساء النساجات في البداية ،ولكن ميخائيل اقنع ازواجهن ان هذه ليس سوى رسوماً جميلة ومن بعض صورها مذكورة في سورة مريم في القرآن الكريم ، ولأنهن ريفيات ولم يسمعن بسورة مريم ، تم الاتيان بقاريء جامع قلعة صالح وقرا لهن الصورة وفسر اياتها لهن فقتنعن ان الصورة الكنائسية مذكورة في الايات والكتاب فرضين نقشها على البسط الذي يسمى بلهجة الجنوب ( الايزار ) اضافة الى ذلك الكنيسة تبرعت ايضا بشراء 10 بسط لجامع المدينة منسوجا عليها صورا لمكة وصورا لقباب اائمة النجف وكربلاء وقبة ضريح النبي العزيز الذي لايبعد عن بيوتهن سوى سوى عشرين ميلا.، وبهذا قبلت النساء انجاز ما كلفن به مقابل 8 ليرات هندية لكل بساط تدفع من قبل خزينة وزارة المستعمرات الهندية وقد همش السير برسي كوكس على الطلب والموافقة بنفسه.
في 1/ 7 / 1957 .سمعت جميع بيوت مدينة العمارة قرع اجراس الكنيسة ، وفي غير مواعيد القداس ، فتبين لأهل مدينة العمارة أن حنا قد وافاه الاجل .
الذين كانوا يترنحون مع شذى الكؤوس التي كان يقدمها لهم واغلبهم من المعلمين والموظفين والمثقفين هبوا الى حضور قداس جنازته ، فيما همهم المصلون مع انفسهم قولهم : ليسامحه الله ..
فأجابتهم لافتة النعي الصغيرة التي علقت على بوابة الكنيسة بتلك العبارة التي تبرع بخطها احد معلمي اللغة العربية في ثانوية العمارة والتي تقول : طوبى للرحماء فأنهم يرحمون ..وهي اول عبارة انجيلية تكتب على جدران مدينة جنوبية.
بعد اربعة اعوام من موت ميخائيل قرر ولده الوحيد ثروة الهجرة من العمارة الى بغداد ، وقد تقاسم مطعما ومشربا على ضفاف دجلة من جهة الكرخ مع أيزيدي من ابناء سنجار ، وقد تمنى عليه زملائه من المسيحيين السكن في كمب سارة او البتاوين حيث جاء ليسكن بغداد منذ شهرين ، لكنه قال :جيراننا بيت ابو عواد من اهالي العمارة ،اعطاهم الزعيم ارضا في الثورة وسيبنوها ، وبنتي زبيدة امس هي من قدمت الورود للزعيم في توزيع سندات الطابو . واليكم سبب اني سأسكن من الغد في مدينة الثورة الى جانب جارنا العمارتلي
الزعيم تعجب وسألها : انت بغدادية لو عمارتلية .؟
رد زبيدة : من العمارة .
تسائل الزعيم وبتعجب :ولكن عيونك خضر.؟
قالت :ابوي مسيحي ،ولكن مولود بالعمارة .
تذكر الزعيم جيدا انه في احدى فرضيات التدريب للواء الرابع عشر في العمارة حيث كان حاضرا بصفة مفتش قطعات ، كان امر حامية العمارة قد دعاه الى ليلة عشاء في نادي الموظفين ،ومن قدم لهم الطعام والشراب هو ثروت ميخائيل .ووقتها اعطاه الزعيم ربع دينار كبقشيش ،وهو ما لم يعطه بقدره أي زبون من زبائن النادي .
فسألها الرزعيم :وهل يعلم والدكِ انك من سيقدم للزعيم باقة الورد
قالت نعم ، وقال لي ليت الزعيم يعرف ان الربع دينار الذي اهداه لي ذات ليلة لم يزل معي ولم اصرفه .
ضحك الزعيم :وبعد ؟
قال لي لو اقتربت من الزعيم قولي لي ان ابي يريد بيتا مع اهل العمارة ليسكن قرب بيت جاره ابي عواد.
التفت الزعيم الى مرافقه وقال : امنحوا والد هذه الطفلة الجميلة بيتا في مدينة الثورة.
لهذا ( قال ثروت لرفاقه في النادي ) :ساعيش وعائلتي في مدينة الثورة .
عاشت زبيدة كواحدة من اجمل تلميذات مدرسة الثورة الابتدائية ،والغريب ان وجهها المدور بالرغم من طفوليته كان كثير الشبه بوجه الممثلة المصرية زبيدة ثروة التي كانت ايضا بعيون واسعة وخضر ، ولهذا كان المعلمون يتفائلون بوجه التلميذة زبيدة خصوصا أؤلئك المغرمين بالافلام الرومانسية المصرية ، و كان عليها ان تخرج كل يوم في الاصطفاف الصباحي لتقرا النشيد .
يوم كبرت زبيدة ثروت ميخائيل احست بذلك الشبه الذي بينها وبين الممثلة المصرية لهذا ادمنت على مشاهدة افلامها وخصوصا تلك التي مثلتها مع المطرب عبد الحليم حافظ حتى انها تمنت ان تتزوج شابا اسمه عبد الحليم وبمواصفاته حتى لو كان مسلما ..
الاب احس برغبة ابنته الجنونية فابرق الى ابن عمه توما الذي يعيش في تلكيف ،بأن زبيدة كبرت واصبحت في سن الزواج ولم يجد من يليق بها وتمنى عليه ان يخطبها لابنه ولكن بشرط ان يغير اسمه من نوح الى عبد الحليم مادامت زبيدة لاتعرفأ لها ابن عم اسمه نوح.
نجحت الخطة ، واتى نوح باسمه الجديد وتزوج زبيدة وسكن معهما في مدينة الثورة…ومثل عمه ثروة ميخائيل اصبح عبد الحليم ( نوح )سابقا .محبوبا من قبل اهالي المدينة وكانوا يسمونه زوج ابنة الزعيم حيث اقترن هذا اللقب بزبيدة منذ ان قدمت الورد للزعيم واهداها بيتا في مدينة الثورة.
عام 1972 تمت دعوة عبد الحليم الى الخدمة العسكرية ، ونسب طباخا لامر الفوج الاول للواء 19 في قاطع خليفان والذي كان الزعيم عبد الكريم امرا له .
وذات يوم اشتهى امر الفوج من طباخه ان يطبخ له ورق الخباز الطبيعي الذي كان ينموا في محيط ساتر مقر الفوج ، فذهب نوح ليجمع اوراقه فترصده قناصٌ من البيشمركة ووضع الرصاصة في راسه..
في ذلك اليوم شيعت مدينة الثورة جنديها المسيحي القتيل في حرب برزان .ومعهم مشت زبيدة تذرف دموعها الخضراء بنحيب لايشبه عويل وبكاء نساء الجيران اللائي كن يرددن جملتهن الشهيرة خلف نعش عبد الحليم :طركاعه الفت برزان بيس بأهل العمارة .
وحين وصولوا الى مقبرة المسيح في جانب الرصافة .واثناء الدفن تفاجئت زبيدة بأن شاهدة قبر زوجها مكتوب عليها .هنا يرقد الجندي الشهيد نوح توما اليسوعي .
في البيت سألت ابيها عن سبب تغيير اسم زوجها وتسميته بنوح على شاهدة القبر.
روى الاب القصة لابنته ، وبالرغم من انها شعرت أن ابيها خدعها لكنها قالت مع نفسها كان زوجا رائعا…
بعد عام من موت نوح ( عبد الحليم ) رفضت زبيدة ثروة كل طلبات الزواج التي تقدمت اليها من اقاربها وابناء اصدقاء ابيها ، وقالت انها تخاف أن تخدع بعبد الحليم اخر ،فظلت مع ابنتها وردة مدمنة على مشاهدة افلام الممثلة المصرية زبيدة ثروة.
في يوم 13 / 12 / 2016 كانت وردة ابنة زبيدة قد خرجت للتو من دائرة تسجيل طابو مدينة الثورة حيث تعمل موظفة وركب سيارة الكيا عائدة الى بيتها ، وحين فتح السائق جهاز الراديو في سيارته ،نقلت احدى الاذاعات خبر وفاة الممثلة المصرية زبيدة ثروة عن 67 عام .
هرعت البنت حزينة لتخبر امها ، دخلت غرفتها لتنبؤها بموت قرينتها ، ولكنها صرخت مرعوبة حين تفاجئت وهي ترى والدتها جثة هامدة على السرير.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close