العراق: الصراع التاريخي بين الشيوعيين والإسلاميين يتكرر من جديد

مصطفى حبيب

الأسبوع الماضي اختطفت جماعة مسلحة مجهولة سبعة ناشطين مدنيين شباب من مكان سكنهم في شقة صغيرة داخل منطقة السعدون في قلب العاصمة بغداد، وبعد ثلاثة أيام اعلنت وزارة الداخلية الإفراج عنهم بجهود من قبل وزيرها قاسم الاعرجي، ولكن المفارقة انها لم تعلن عن الجهة التي نفذت الاختطاف، وهو ما وجه أصابع الاتهام الى فصائل شيعية، كما قال الناشطون بعد اطلاق سراحهم أنهم تعرضوا للتعذيب.

ينتمي بعض هؤلاء الشباب المخطوفين الى الحزب الشيوعي العراقي الذي يتبنى التظاهرات المطالبة بتحقيق الإصلاحات السياسية في البلاد، ويقود الحزب الشيوعي تحالفا من منظمات وشخصيات غير حكومية تحت اسم “التيار المدني” ويطالب التحالف بالدولة المدنية.

وفي الشهر الماضي هاجم مسلحون مجهولون مقر الحزب الشيوعي في محافظة الديوانية جنوب البلاد بواسطة قنبلتين بعد ساعات من قيام عدد من طلبة الجامعة في المدينة بترديد شعارات مناهضة لزيارة زعيم حركة “عصائب اهل الحق” قيس الخزعلي الى الجامعة في احتفال لدعم قوات “الحشد الشعبي”.

الحزب الشيوعي اتهم ميليشيات لم يحدد اسمها بالوقوف وراء الحادثة، وبرغم ان “عصائب اهل الحق” نفت مسؤوليتها عن الحادثة، الا ان توقيتها ووقوعها في محافظة شيعية يؤكد بما لا يقبل الشك ان الحادثة ذات طابع سياسي، خصوصا ان احد الطلبة الذين رددوا الشعارات المناهضة للخزعلي قريب من الحزب الشيوعي.

ومنذ أيام تجري حرب كلامية على مواقع التواصل الاجتماعي بين فريقين من العراقيين، الاول ينتقد الاحزاب الاسلامية الحاكمة ويحمّلها مسؤولية دمار البلاد والحالة المعيشية السيئة، بينما يقوم الفريق الاخر باتهام الخصم بأنهم ضد الدين والإسلام ويريدون نشر الإلحاد والفجور داخل المجتمع العراقي.

أدوات هذه الحرب الالكترونية في مقاطع فيديو ومقالات ومنشورات لا تخلو من خطاب كراهية من الجانبين، فمثلا ظهرت مقاطع فيديو لرجال دين يتكلمون بخطاب متشدد ويهاجمون ما يسمونه “تصرفات غير أخلاقية” من قبل بعض الشباب، وكذلك انتشرت عشرات المقالات التي تهاجم التيار المدني في البلاد والحزب الشيوعي خصوصا، والشيء نفسه يقوم به الفريق الاخر.

نصير كاظم احد الناشطين المدنيين يواظب منذ عامين على المشاركة في التظاهرات الشعبية المطالبة بالإصلاحات السياسية، يقول لـ “نقاش” ان “بعض الأحزاب الإسلامية تحاول اتهامنا بالكفر والالحاد وعدم الايمان بالدين لتشويه سمعتنا أمام الرأي العام العراقي”.

ويضيف “صحيح ان شخصيات بارزة في الحزب الشيوعي هي التي تقود التظاهرات ولكن ليس فقط الشيوعيون هم من يتظاهر، فهناك عشرات الشخصيات ومنظمات المجتمع المدني التي تشارك في التظاهرة وبينهم حتى رجال دين مستقلون، ولكن هناك خطة للقضاء على التظاهرات عبر تهديد المتظاهرين، الجميع يعلم من خطف الناشطين الشباب السبعة وقبلهم الصحفية أفراح شوقي، ولكن لا احد يجرؤ على توجيه الاتهام لهم”.

صراع تاريخي

تروي الذاكرة العراقية الصراع الاول بين الشيوعيين والاسلاميين في منتصف القرن الماضي بعد تغيير نظام الحكم في العراق من النظام الملكي الى الجمهوري عام 1958 الذي قاده ضباط في الجيش بزعامة عبد الكريم قاسم وبدعم كبير من الحزب الشيوعي الذي كان الحزب الأقوى والأكثر انتشارا في البلاد والمنطقة العربية آنذاك.

واثر اتساع المد الشيوعي في المجتمع العراقي ووصوله الى المحافظات الجنوبية الريفية ولدت أولى الأفكار في تاريخ المذهب الشيعي في مدينة النجف لتأسيس حزب سياسي بعدما كانت تعارض المشاركة في العمل السياسي، وفي عام 1960 تأسس حزب “الدعوة الإسلامية” الذي وصل الى الحكم في البلاد بعد 2003.

ادبيات حزب “الدعوة الاسلامية” تشير الى ان هدف الحزب الاساسي كان مواجهة المد الشيوعي العارم الذي اجتاح المجتمع العراقي، وفي حينه كان الشيوعيون العراقيون يسيطرون على مفاصل الحكم في البلاد حتى ظهر حزب “البعث العربي الاشتراكي” على الساحة السياسية العراقية.

كما أن احد ابرز رجال الدين الشيعة آنذاك محسن الحكيم (وهو جد رئيس المجلس الاعلى الاسلامي الحالي عمار الحكيم) اصدر أول فتوى صريحة من مرجع شيعي عام 1961 عندما قال “لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي فإن ذلك كفر وإلحاد”.

ومع وصول حزب البعث الى السلطة عام 1963 توقف الصراع بين الشيوعيين والاسلاميين عندما بدأ حزب البعث بمحاربة الطرفين من اجل الاستحواذ على السلطة، وتمكن بعد سنوات من حظر الاحزاب المنافسة، واصبح العراق تحت حكم الحزب الواحد.

الصراع يعود مجددا

وبعد نصف قرن يعود الصراع مجددا بين الشيوعيين والإسلاميين، ولكن الإسلاميين هم الذين يسيطرون على السلطة هذه المرة بينما الشيوعيون والمدنيون ليس لديهم تمثيل سياسي قوي ومؤثر في الحكومة والبرلمان.

جابر المحمداوي رجل دين يعمل في تدريس المذهب الشيعي في النجف يقول لـ “نقاش” حول ذلك”لا شك ان هناك مخاوف من انتشار ظاهرة الإلحاد في المجتمع كنتيجة متوقعة لظهور داعش الذي عمل على تشويه صورة الإسلام، منذ اشهر نلاحظ تزايد عدد الملحدين الشباب وهؤلاء يقومون بنشر أفكارهم بشكل علني على مواقع التواصل الاجتماعي وتعمل على استفزاز غالبية المجتمع”.

ويؤكد المحمداوي ان المرجعية الدينية العليا بقيادة علي السيستاني ترفض وبشدة استخدام القوة ضد اي شخص بسبب أفكاره، ولكن هناك رجال دين آخرين وفصائل مسلحة يحوي خطابهم على التحريض والكراهية وهو امر غير مقبول، والسبب هو ضعف الحكومة وعدم قدرتها على حصر السلاح بيد الدولة”.

الصراع الجديد بين الشيوعيين والإسلاميين بدأ مع انطلاق التظاهرات الشعبية الواسعة المطالبة بالاصلاحات السياسية في 31 تموز (يوليو) 2015، وتبنى التظاهرة تحالف واسع ضم الحزب الشيوعي وناشطين مدنيين ومنظمات غير حكومية، ورفع المتظاهرون آنذاك الشعار الذي استفز الأحزاب الإسلامية الحاكمة “باسم الدين باكونة الحرامية” ويعني ان الأحزاب الإسلامية استخدمت الدين كوسيلة لسرقة الشعب العراقي.

وفي اول تعليق من السياسيين الاسلاميين على التظاهرات، حذر رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي من التظاهرات وقال ان “البعض يحاول سرقة التظاهرات لتغيير مسارها ضد الدين ورجال الدين والمراجع الدينية والحركات الاسلامية”.

بينما حاولت الفصائل الشيعية ومنها “عصائب اهل الحق” تشتيت التظاهرات عبر اعلانها المشاركة فيها، وظهر رئيسها قيس الخزعلي في كلمة تلفزيونية أعلن فيها تشكيل “الحشد الشعبي المدني” وهو الاسم ذاته الذي يُطلق على الفصائل الشيعية التي تقاتل داعش مع إضافة اسم “مدني” لأن أهدافه ليست عسكرية.

وبعد أشهر قليلة على انطلاق التظاهرات في تموز (يوليو) 2015 تراجعت أعداد المتظاهرين بشكل كبير وأصبحت غير مؤثرة حتى فاجأ زعيم التيار الصدري الشيعي مقتدى الصدر الجميع في نيسان (ابريل) 2016 عندما دعا مئات الآلاف من أنصاره للمشاركة في التظاهرات الشعبية واقتحموا للمرة الاولى في حدث تاريخي لن ينساه العراقيون المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان، ومنذ ذلك الحين عقد تحالف نادر بين حركة اسلامية شيعية وحركة مدنية تتبنى العلمانية والدولة المدنية.

هذه الايام اصبحت التظاهرات اقوى من اي وقت مضى، ويتجمع الالاف كل يوم جمعة وسط ساحة التحرير، واصبحوا قوة مؤثرة في الحياة السياسية، ومثلا فأن البرلمان حاول الأسبوع الماضي التصويت على قانون “تنظيم حرية الرأي والتظاهر السلمي”، لكن النواب تراجعوا عن ذلك بسبب الضغط الشعبي الكبير.

Read our Privacy Policy by clicking here