العلاقات الاقتصادية الاستراتيجية للعراق مع اليابان

لقمان عبد الرحيم الفيلي

المقدمــة:

يرتبط العراق واليابان بعلاقات صداقة وتعاون ثنائي منذ شهر تشرين الثاني من العام 1939، الذي شهد افتتاح أول مفوضية يابانية في بغداد، وبعدها بسنوات تم افتتاح مفوضية عراقية في طوكيو في كانون الأول عام 1955، لتستمر بعدها العلاقات بالتطور وصولاً إلى مرحلة تبادل السفراء بين البلدين في كانون الثاني عام 1960. وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين ازدهاراً كبيراً خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، إذ كانت اليابان تمثّل ثاني أكبر مصدر للعراق بعد ألمانيا الغربية في حينها، وكانت المشاريع اليابانية في مجالات الطاقة، والاتصالات، والبنى التحتية، والإسكان لها بصمة واضحة في العراق منذ ذلك الوقت ولغاية الآن.

استمرت العلاقات الاقتصادية والتجارية بالتطور في الثمانينيات، واستمرت عجلة التعاون الثنائي بالدوران حتى في سنوات الحــرب العراقية-الإيرانية الثمان، ومن ثم جاءت لتأتي حقبة التسعينيات التي مثلّت سنوات من القطيعة في علاقات البلدين، بعد غزو نظام البعث للكويت في آب 1990؛ فقد أبدت اليابان جدية عالية في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية على العراق، إذ تراجعت خلال تلك المدة التعاملات الاقتصادية والتجارية بين البلدين -انعدمت تقريباً- لصرامة الموقف الياباني تجاه العمل الذي أقدم عليه نظام صدام حسين آنذاك.

وإدراكاً لأهمية المرحلة التي يمر بها بلدنا في الوقت الحاضر، واحتياجاته الأساسية خلال مرحلة إعادة الإعمار، فقد ارتأيت إعداد دراسة موجزة لواقع العلاقات مع اليابان، وسبل تطويرها، وصولاً إلى علاقات شراكة استراتيجية طويلة الأمد،  فالعراق الجديد يواجه تحديات حقيقية تتمثل بتأمين المصادر المالية اللازمة لتنفيذ مشاريع إعمار البنى التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية من جهة، والنهوض بالواقع الصناعي والعمراني، وبناء اقتصاد رصين من جهة أخرى.

لذا أعددت رؤية واقعية تقوم على الموازنة بين احتياجاتنا الوطنية الملحة من جانب المنافع التي من الممكن أن نجنيها من اليابان على وفق سياسة المصالح المتبادلة، التي كانت الأساس لقيام مشروع الشراكة الاستراتيجية بين العراق واليابان، الذي تم التوقيع على بيانه ببغداد، في شهر كانون الثاني عام 2009، ليكون القاعدة الأساسية لتعاون شامل بين البلدين، إلا أن هذا الاتفاق لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي؛ بسبب التعقيدات المحيطة بالملف الأمني والتشريعي والسياسي والاقتصادي في العراق، وعدم وجود رؤية عراقية محددة في رسم حدود سياسته الاقتصادية تجاه اليابان.

ومن الضروري بيان الفوائد التي من الممكن أن يحققها العراق من خلال تبني سياسة مدروسة تجاه بلد يمتلك اقتصاداً قوياً على المستوى العالمي، مدعوماً بقدرات تقنية وخبرات فنية وموارد بشرية ومالية كبيرة، يمكن توظيفها مجتمعة في المهمة الوطنية النبيلة؛ لإعادة بناء العراق، ولاسيما في المجالين الاقتصادي وتنمية الموارد البشرية.

ولتسليط الضوء على واقع العلاقات مع اليابان، وعناصرها الكامنة، وآفاقها المستقبلية، والسبل الكفيلة بتحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة للعراق، أقدم هذه الورقة التي تتكون من محاور مختلفة:

أولاً:  نظرة على واقع العلاقات الثنائية بين البلدين:

كانت اليابان من الدول السباقة في تقديم الدعم للعراق الجديد وعلى جميع الأصعدة متمثلة بما يأتي:

الدعم السياسي: كانت اليابان ولا تزال من الدول الداعمة لعملية التحول الديمقراطي الجارية في العراق، وهي تدعم باستمرار مواقف البلاد في المحافل الدولية، وقد قامت بإرسال قوات الدفاع الذاتي اليابانية إلى مدينة السماوة خلال الأعوام (2٠٠٤-٢٠٠٦) للمشاركة في تعزيز الأمن في المدينة، ودعم مشاريع إعادة الإعمار فيها، في خطوة غير مسبوقة بتأريخ اليابان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. كانت اليابان كذلك في طلائع الدول التي سارعت إلى فتح سفاراتها في بغداد، بعد عام 2003، فضلاً عما تقوم به الخارجية اليابانية من إصدار بيانات دورية تعكس وجهة نظر إيجابية تجاه التطورات التي تشهدها العملية السياسية في العراق؛ فقد قامت الوزارة بعد 2003 ولعدة سنوات باستحداث منصب سفير ملف إعمار العراق، في تلك الوزارة لتفعيل دور اليابان في المشاركة بإعادة إعمار العراق، وقد تبادل المسؤولون في البلدين زيارات رسمية على أعلى المستويات، وفي كانون الثاني 2017 تم افتتاح مكتب قنصلية اليابان في أربيل.
الدعم المالي والتقني:
أ: إطفاء الديون المترتبة على العراق: لقد كانت اليابان في طليعة الدول التي وافقت على إطفاء 80% من ديون العراق كعضو في نادي باريس؛ وبذلك أسقطت ما يقارب (6,7 مليار دولار) من ديونها المستحقة على العراق، وجدولة المتبقي من تلك الديون على مدى 23 عاماً كفترة تسديد، على أن تسبقها فترة سماح أمدها ستة أعوام.

ب: منحة مالية: قدمت اليابان -كجزء من تعهداتها خلال مؤتمر مدريد للمانحين عام 2003 وبعدها- مبلغ 2 مليار دولار كمنحة مالية خصصت لتأهيل مشاريع في قطاعات الكهرباء، والصحة، والأمن، والاتصالات، وقدمت اليابان مساعدات إلى النازحين بقيمة 361 مليون دولار وذلك من خلال الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وغير الحكومية فضلاً عن مبلغ 217 مليون دولار لميزانية 2016، وكذلك الدورات التدريبية التي أقُيمت في اليابان ومصر والأردن لمتدربين من الوزارات العراقية الذي بلغ عددهم أكثر من 7990 شخص لغاية شباط/2017، في إطار التعاون التقني بين البلدين.

ج- القرض الياباني الميسّر: تعهدت اليابان خلال مؤتمر مدريد، بمنح العراق قرضاً ميسراً بقيمة 5.9 مليار دولار، وبفائدة هامشية، خُصص لتنفيذ 25 مشروعاً في قطاعات البنى التحتية للاقتصاد العراقي، والقطاعات التي لها تماس مباشر مع الحياة اليومية للمواطن العراقي، ومنها: الكهرباء والنفط والنقل والزراعة والاتصالات والصحة وأخيراً الصرف الصحي. وسعت اليابان كذلك إلى توسيع الرقعة الجغرافية لهذه المشاريع لتغطي أغلب مناطق العراق ومنها إقليم كردستان، والعاصمة بغداد والمحافظات الغربية، فضلاً عن محافظات بابل والبصرة والمثنى.

القطاع الخاص: إن العلاقات بين القطاع الخاص العراقي ونظيره الياباني محدودة جداً، ومعظم الصفقات تتم عبر شركات وسيطة بين الجانبين، وهذا الموقف له أسباب سيتم ذكرها لاحقاً في هذه الدراسة، ومن الضروري أن لا ننسى أيضاً الدور الفعال لمشاركة اليابان السنوية في معرض بغداد الدولي.
ثانياً: احتياجات العراق التي يمكن لليابان تأمينها كلياً أو جزئياً:

بعد الدمار الذي لحق بجميع قطاعات الحياة في العراق نتيجة الحروب المتعددة والسياسات الهوجاء التي انتهجها النظام الصدامي والعقوبات الاقتصادية الأممية التي دامت ما يقارب الـ 13 عاماً، أصبح العراق في حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل جميع المجالات التربوية والصحية، والخدمية، وبناه التحتية؛ مما يخلق ضغوطاً هائلة على الموازنة الحكومية في ظل تراجع القطاعات الإنتاجية في البلاد، وتراجع القدرات التصديرية باستثناء القطاع النفطي الذي يعاني أصلاً من تذبذب في أسعار النفط العالمية، واستنزاف للموارد المالية الحكومية من أجل مواجهة التهديدات الإرهابية، وتخصيص موازنة حرب لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي وطرده من الأراضي العراقية وتحريرها، ويمكن وضع توصيف موجز لتلك الاحتياجات التي من الممكن أن نعتمد على اليابان في تغطيتها أو تغطية أجزاء كبيرة منها، وهي كالآتي:

قطاع النفط والغاز الذي يشمل الاستخراج والمصافي وبناء الأنابيب الناقلة للنفط الخام والغاز، ونشير هنا إلى تصريحات المسؤولين في وزارة النفط العراقية الذين أعلنوا حاجة هذا القطاع لإعادة إعمار البنى التحتية فيه، والمحور الأهم في هذا الموضوع هو الحاجة لاستثمارات مالية ضخمة لتغطية نفقات عمليات البناء والإعمار التي تكلف مبالغ مالية طائلة؛ مما يضيف عبءاً كبيراً على الموازنة الحكومية للعراق وعلى الاقتصاد العراقي ككل، ومن الجديد بالذكر أن اليابان لديها الإمكانات المالية والتقنية والخبرة في هذا المجال وهناك كثيرٌ من الشركات اليابانية ذات الباع الطويل، التي بالإمكان الاعتماد عليها في مجال إعادة إعمار البنى التحتية للمنشأة النفطية في العراق وبأحدث التكنولوجيات، حيث تمتلك تلك الشركات تصورات واضحة عن حاجة العراق في هذا المجال. ومن الجدير بالذكر أيضاً، أن مشاريع القرض الياباني الميسّر للعراق الـODA)) شملت هذا القطاع النفطي بأربعة مشاريع فقط هي: (مشروع تطوير مصفى البصرة -خدمات هندسية فقط-)، و(مشروع إعادة إعمار المنشأة التصديرية للنفط الخام في الفاو)، و(مشروع بناء محطة توليد الكهرباء الغازية في حقل عكاز في محافظة الأنبار)، ومشروع تطوير مصفى البصرة. ولقد استفادت بلدانٌ نفطية ذات إمكانيات كبيرة، من التمويل الياباني لإعمار بناها التحتية النفطية.
المواصلات: قطارات سفر حديثة فائقة السرعة، وقطارات إنفاق، وقطارات نقل بضائع، وطرق وجسور، وموانئ، ومطارات.
نقل الخبرات في مجالات التعليم الابتدائي والعالي والتعليم التقني.
إعادة تأهيل شبكة الكهرباء الوطنية.
نقل الخبرات والتقنيات وتدريب الكوادر البشرية في مجال البيئة.
تقديم خبرات ومساعدات تقنية في مجال الصحة.
التقنيات الحديثة في مشاريع الماء والمجاري.
نقل التقنيات الحديثة الخاصة بأنظمة الزراعة والري.
التدريب المهني والتقني.
الموارد البشرية والتنمية البشرية.
الدراسات والبحوث الاقتصادية والمالية.
الاتصالات السلكية واللاسلكية وبأحدث التقنيات والتكنولوجيا المتقدمة.
تطوير مصادر الطاقة البديلة، كالطاقة الشمسية والطاقة النووية السلمية.
ثالثاً: المنافع التي يمكن أن تتحقق للعراق من خلال الشراكة الاستراتيجية مع اليابان:

كما أشرنا آنفا إلى أن اليابان تمتلك إمكانات مالية وبشرية متعلمة وتقنية متقدمة واسعة تجعلها في مقدمة الدول التي من الممكن للعراق أن يقيم معها شراكات استراتيجية طويلة الأمد، في إطار عملية إعادة الإعمار وما بعدها، وتوطيد الاستقرار فيه، ومن خلال استمرار التواصل مع الأطراف اليابانية المختلفة لمست وجود فرص كبيرة يمكن توفيرها لبلادنا من خلال اعتماد سياسة مدروسة وبعيدة المدى تجاه اليابان، فمن خلال التبصر بالمحيط الإقليمي لليابان نرى أن لها دوراً رئيساً في حالة التطور التي تشهدها الاقتصادات الآسيوية، كالصين وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وماليزيا، وإندونيسيا، والفلبين، فقد ساهمت المساعدات المالية والتقنية التي قدمتها اليابان لتلك الدول، فضلاً عن الأموال التي استثمرها القطاع الخاص الياباني، في انطلاق ثورة صناعية وعمرانية في دول جنوب شرق آسيا، بنسب تختلف من دولة إلى أخرى، إذ استثمرت اليابان الكلفة الواطئة للأيدي العاملة في تلك الدول لبناء مصانع، وأنظمة خدمية ومشاريع إنتاجية حققت عائدات مالية ضخمة لكلا الطرفين.

لقد أردنا من خلال الأمثلة التي ذكرناها آنفاً التذكير بالمكاسب التي يمكن للعراق إن يحققها من خلال بناء استراتيجية شراكة شاملة مع اليابان، وفي أدناه أهم المكاسب المتوقعة من هذه الشراكة:

المجال السياسي: نظراً للمكانة الدولية التي تتمتع بها اليابان كونها واحدةً من أهم القوى الاقتصادية والمالية والتقنية في العالم، فبإمكان العراق الاستفادة من الدعم الياباني لقضاياه المصيرية في المحافل الدولية والإقليمية، بما يحقق له نقاط قوة إضافية تعزز من مكانته الإقليمية والدولية على وفق نظرية التوازن الحاصلة بإقامة الأحلاف والتجمعات، من خلال علاقات استراتيجية مع الدول المهمة في العالم؛ ومن المتوقع أن تنجح اليابان في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، إذا ما تحقق مشروع زيادة عدد المقاعد الدائمة في هذا المجلس؛ مما يعزز من مكانة اليابان الدولية ويضاعف من مكاسب بناء علاقات استراتيجية عالية المستوى معها.
المجال المالي:
أولاً: القروض الميسرة: هناك استعداد ياباني لمنـــــــح العراق قروضاً ميسرة وبفوائد قليلة -على غرار القرض الحالي- يمكن استثمارها في تغطية تكاليف بعض مشاريع إعادة الإعمار وإمكانيـــة الحصول على حزمة ماليـــة (Financial Package) بمبالغ عالية جداً مقدمة من جهات يابانية، لتمويل مشاريع واستثمارات في العراق.

ثانياً: الفرص الاستثمارية: تمتلك المؤسسات المالية ورجال الأعمال والشركات اليابانية، أموالاً ضخمة يمكن جذبها إلى العراق إذا ما توافر المناخ الأمني والقانوني والاستثماري لدخول تلك الأموال إلى العراق.

مجال البناء: للشركات اليابانية المختصة بالبناء والإنشاءات سمعة طيبة في العراق مثل المستشفيات العامة والعمارات السكنية وبعض الوزارات العراقية كوزارة الخارجية.
المجال التقني: من المعروف أن اليابان تمتلك قدرات واسعة في إنتاج التكنولوجيا الحديثة وتسويقها في مجالات الحياة كافة؛ إذ إن الشركات اليابانية بتقنياتها العالية قادرة على تزويد العراق بتكنولوجيات حديثة تضيّق الفجوة العلمية والتقنية التي تولدت نتيجة الظروف القاسية التي مر بها العراق خلال العقود الثلاثة الماضية، مع الأخذ بالحسبان أن اليابان كان لها الدور الريادي في التقدم والبناء الذي حصل مع دول آسيوية أخرى كالصين وماليزيا والفلبين.
رابعاً: الاسباب التي تقف وراء الاهتمام الياباني بالعراق ومطالبها منه:

كما ذكرنا آنفاً، فإن اليابان تتمتع باقتصاد قوي له ثقل عالمي، يرتكز إلى قاعدتين أساسيتين هما: القاعدة الصناعية المتطورة التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة ورأس المال البشري الكفوء، والقدرات المالية الضخمة. ولا يخفى أن الإنتاج الصناعي والنشاط الخدمي والعمراني في اليابان بحاجة إلى الطاقة التي يتم استيرادها من الخارج؛ بسبب انعدام الموارد الطبيعية أو ندرتها في أرخبيل الجزر اليابانية، إذ تستهلك اليابان أكثر من 4.25 مليون برميل من النفط يومياً، فضلاً عن الغاز الطبيعي، وبقية المواد الأساسية لإنتاج الطاقة. وقد وجدت اليابان نفسها في حرج شديد إبان أزمة النفط العالمية عام 1973، حينما أوقفت الدول العربية تصدير النفط الخام احتجاجاً على العدوان على دولة مصر آنذاك.

لقد تعّلم اليابانيون درساً قاسياً حينما وجدوا أن القدرات الصناعية والتقنية، ومستوى الخدمات الرفيعة التي يمتلكونها قد باتت بلا فائدة لانقطاع مصادر الطاقة؛ ومنذ ذلك الحين تولي اليابان موضوع الإمدادات النفطية أولوية قصوى؛ ونتيجة لحضور البُعد الاستراتيجي في سايكولوجية الفكر والتخطيط هنا، فإن اليابان تسعى لتأمين إمدادات نفطية مستدامة في المستقبل ولربما حتى عام 2050، لمعرفتها الجازمة بأن النفط سيبقى عصب الطاقة الرئيس في العالم، فعلى الرغم من تقدم البحوث العلمية لاستنباط بدائل جديدة لإنتاج الطاقة، إلا أنها تبقى بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الكامل عن النفط بسبب كلفتها الباهظة مقارنةً بالنفط. لقد تضمنت استراتيجية اليابان للطاقة التي وضعتها عام 2016 توصيات بتنويع مصادر الحصول على النفط والغاز تجنباً لانقطاعها؛ بسبب الحروب والكوارث التي قد تصيب هذه المنطقة أو تلك من العالم، وتبحث عن مصادر طويلة الأمد لإمدادات الطاقة؛ ومن هنا يُفسر الاهتمام الياباني بالعراق الذي يمتلك احتياطياً نفطياً متقدماً على المستوى العالمي. ومما يعزز اهتمام اليابان بالعراق هو التحول الديمقراطي الذي أطل عليه بعد عام 2003؛ مما يجعله دولة ذات منهج مؤسسي يسهل على المستوى النظري التعامل معه، وتنطوي الحالة على أسباب أخرى منها التبادل التجاري والمنافع الاقتصادية الأخرى، وقد تمثل علاقة العراق المتميزة مع الولايات المتحدة عنصر تطمين إضافياً لليابان لبناء قاعدة عريضة من المصالح الاقتصادية مع العراق.

إن استقرار العراق بوصفه دولة محورية في الشرق الأوسط، وهي المنبع الرئيس للطاقة في العالم، يشكل رغبة ملحة لجميع الدول الصناعية، فاستقرار العراق والشرق الأوسط أمر أساس لاستقرار سوق النفط العالمية التي تمس جميع مفاصل الحياة في العالم.

أما ما تطلبه اليابان من العراق فيتلخص بضمانات بإمداد نفطي مستمر لا ينقطع بقرار سياسي، وعلى وفق الأسعار السائدة في السوق العالمية، وترغب الشركات النفطية اليابانية أن تؤدي دوراً أساساً في عمليات استخراج وتصدير النفط العراقي على وفق الشروط المناسبة لكلا الطرفين، مقابل أن تساهم تلك الشركات في النهوض بالقطاع النفطي العراقي إلى أعلى مستوى، وتشكّل المنافسة الدولية على المشاريع النفطية العراقية، ولاسيما المنافسة الصينية والكورية الجنوبية، عوامل تحفيز مهمة لليابان تجاه العراق.

ومن الفوائد التي يمكن لليابان تحقيقها من خلال علاقات استراتيجية مع العراق، هو مساعدة شركاتها من الخروج من حالات الجمود الاقتصادي المتكررة التي تواجهها اليابان منذ سنوات، فحصول تلك الشركات على مشاريع مهمة في العراق سيحقق لها مكاسب مالية مهمة، وبما يعود بالنفع على الاقتصاد الياباني.

خامساً: أسباب تأخر دخول الشركات العالمية ومنها اليابانية في الدخول إلى السوق العراقية:

هنالك العديد من العوامل التي أنتجت حالة التردد والتخوف التي تنتاب الشركات اليابانية وتعرقل دخولها إلى السوق العراقية بعضها يتعلق بالوضع العراقي الداخلي، وبعضها الآخر يتعلق بآليات عمل تلك الشركات والقواعد التي تحدد نشاطاتها، وفيما يأتي نبذة عن تلك المعوقات:

العامل الأمني: لقد شكّل مقتل اثنين من الدبلوماسيين اليابانيين فـي العراق عام 2004، ومواطنين يابانيين آخرين، صدمة كبيرة للرأي العام في اليابان وعلى المستويين الحكومي والشعبي، مما جعل الشركات اليابانية تتردد في إرسال موظفيها للعمل في العراق، واستعاضت عن ذلك بشركات أو هيئات تنفيذية لمتابعة المشاريع التي شُملت بالقرض الياباني الميسّر، إلاّ في حالات محدودة تقوم اليابان فيها بإرسال موظفين رسميين -كما في وكالة اليابان للتعاون الدولي JICA، ووزارة الاقتصاد اليابانية- فطبيعة النظام السياسي السائد في اليابان يجعل الحكومة غير قادرة على مواجهة تداعيات فقدان أي مواطن ياباني أمام الرأي العام في البلاد، وهذا يبرر انسحابها المبكر من العراق عام 2006 من وجهة نظر المحللين، ومن الجدير بالذكر وجود صفات اعتقادية لدى المجتمع الياباني انعكست حتى على السلوك السياسي للحكومات اليابانية المتعاقبة التي تعدّ الإنسان الياباني كائناً مقدساً ولا يجوز تعريضه للخطر.
عدم إيضاح الرؤية حول قوانين النفط والاستثمار الأجنبي في العراق، من وجهة النظر اليابانية، وكثرة التجاذبات السياسية في المشهد العراقي، يجعل المهتمين بهذين القطاعين الحيويين يترددون في الدخول إلى السوق العراقية في الوقت الراهن ولاسيما من قبل الشركات الصناعية والمالية الكبرى التي تبحث عن أجواء مستقرة ملائمة للاستثمار.
افتقار الساحة العراقية إلى المؤسسات المالية المتخصصة التي تعدُ القاعدة الأساسية لأي استثمار أو مشروع، كالبنوك والمصارف الكبيرة وشركات التأمين وغيرها.
تأخر القطاع الخاص العراقي عن مواكبة التطورات الاقتصادية العالمية ومحدودية نشاطاته وخبراته في التعامل مع السوق العالمية، وانحسار دوره في الاقتصاد العراقي بأن يكون تابعاً للقطاع الحكومي لا غير.
تأثر الشركات العالمية بالتقارير الاقتصادية المتخصصة التي تشير إلى انتشار ظاهرة الفساد الإداري والمالي في المؤسسات العراقية ذات الصلة بالمجال الاقتصادي.
تخوف العديد من الشركات اليابانية من إحمال انتقال الأجهزة والمعدات المتطورة أو الحساسة التي تنوي بيعها إلى العراق دون علمها، إلى دول الجوار العراقي بطرق غير مشروعة، مما يضع تلك الشركات في مواقف محرجة تسيء إلى سمعتها في الأوساط اليابانية والدولية وتعرضها إلى المساءلة القانونية.
تشكّل القيود التي تفرضها وزارة الخارجية اليابانية على سفر المواطنين اليابانيين إلى العراق حاجزاً نفسياً يحول دون توجه الشركات اليابانية إلى العراق بغية العمل فيه.
ضعف الشفافية في آليات القرار العراقي؛ وبالتالي عدم مقدرة الجانب الياباني في فهم المعطيات العراقية لقراراته.
ضعف التوقع والتنبؤ في آليات القرارات العراقية؛ وبالتالي لتفاجأ بتعليمات وزارية وإرشادات تؤثر سلباً على مشاريعهم في العراق.
سادساً: دلائل الاهتمام الياباني بالعراق:

تمثّل مظاهر السلوك السياسي والاقتصادي دلائل واضحة على طبيعة توجهات الدول نحو بعضها بعضاً، فهناك كثير من المؤشرات العملية والإجراءات السياسية والاقتصادية التي قامت بها اليابان تجاه العراق تؤكد على اهتمامها ببناء علاقات وثيقة مع بلدنا، ويمكن إيضاح ذلك من خلال الآتي:

اتخذت الحكومة اليابانية قرار إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى السماوة، في سابقة لم تعشها اليابان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحدوث الانعطاف الكبير في الواقع السياسي والاقتصادي الذي عاشته بعد الحرب. فعلى الرغم من العوائق الكثيرة التي واجهتها تلك الحكومة، والتي منها ما هو دستوري (المادة التاسعة من الدستور الياباني التي تحّرم إرسال قوات الدفاع الذاتي اليابانية في مهمات خارجية)، ومنها ما هو سياسي (كالمظاهرات التي نظمتها أحزاب المعارضة لقرار إرسال القوات اليابانية إلى العراق)، وحتى الشعبي منها، إلا أن حكومة رئيس الوزراء الأسبق السيد كويزومي عمدت إلى استصدار قانون خاص صّوت عليه البرلمان الياباني ليجيز إرسال تلك القوات إلى العراق، ومع أن المراقبين يعزون ذلك إلى ضغوط مارستها الولايات المتحدة في ذلك الوقت، إلا أن المبادرة اليابانية تجاه العراق كانت جديرة بالاحترام والثناء.
مستوى الدعم المالي الكبير الذي قدمته اليابان إلى العراق والمتمثل بإطفاء الديون والقروض الميسرة والمنح المستمرة لغاية الوقت الحالي.
الحرص الياباني على توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع العراق؛ إذ أوفدت اليابان في شهر كانون الثاني 2009 رئيس وزرائها الأسبق -وهو حالياً رئيس للوزراء- السيد شينزو آبي إلى بغداد، كمبعوث شخصي من رئيس الوزراء الياباني السيد تارو آسو في حينها، لتوقيع بيان الشراكة؛ ليكون بمنزلة الإطار القانوني لعمل الشركات اليابانية تجاه العراق، وقد سبق توقيع الاتفاق إنشاء لجنة تخصصية عالية المستوى برئاسة وزير الاقتصاد الياباني لتقييم العلاقات مع العراق، ورسم الخطوط العريضة لسياسة بلاده الاقتصادية تجاهه.
اهتمامها بترسيخ مبادئ المصالحة الوطنية في العراق، من خلال دعوة رؤساء الكتل في مجلس النواب العراقي لزيارة اليابان وعقد حوارات متعددة برعاية يابانية.
اهتمامها بعقد منتديات اقتصادية لتشجيع الشركات اليابانية في الاستثمار أو العمل في العراق.
قيام وزارة الخارجية اليابانية بإصدار بيانات دورية للشجب والتنديد بالهجمات الإرهابية التي يتعرض لها العراق، ومناداتها بضرورة الحفاظ على وحدة الصف العراقي.
ما تلمسته حينما كنت سفيراً لجمهورية العراق لدى طوكيو (٢٠١٠-٢٠١٣) من استعداد ياباني عالي للتعامل بإيجابية مع أي طلب مالي أو تقني عراقي.
وضع العراق ضمن الأولويات العُليا في السياسة الخارجية لليابان ودعمه في المحافل الدولية.
سابعاً: ما يميز علاقة العراق الاستراتيجية مع اليابان عن بقية الدول المتقدمة:

عدم وجود حواجز نفسية في العلاقات العراقية-اليابانية، كالماضي الاستعماري أو غير ذلك من العُقد السياسية، وأن لليابان موقفاً واضحاً من القضايا العربية والشرق أوسطية كما هو الحال في موقفها المساند لقضية الشعب الفلسطيني، ووضوح السياسة الخارجية اليابانية في التعامل مع دول العالم على أساس الاحترام المتبادل.
إن اليابان لا تضع حدوداً على تصدير التكنولوجيا المتطورة إلى العراق، لذا فإن التكنولوجيا المستوردة منها ستكون على وفق أحدث المستويات.
من الممكن أن توفر اليابان للعراق مصادر مالية جيدة بهيئــــــــــــــــة قروض ميسّرة، تساعده على الاستجابة لتكاليف مشاريع إعادة الإعمار.
تعدّ سوق الطاقة اليابانية من الأسواق المهمة، كونها تستهلك 4.25 مليون برميل يومياً مما تشكّل للعراق فرصة اقتصادية جديرة بالاهتمام.
الخبرة التي تمتلكها اليابان في تنفيذ المشاريع العراقية، منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، يجعلها تنخرط بسلاسة في المشاريع العراقية دون حواجز تذكر.
هامش الثقة الكبير الذي تتمتع به الشركات اليابانية على مستوى تنفيذ المشاريع في العالم، فهي تمتاز بالدقة والمتانة في التنفيذ.
الاحترام الشديد الذي يكنه اليابانيون للعراق وتأريخه.
ثامناً – تحليل سوات (SWOT) للعلاقة:

أ – الضعف:

بطء إجابة الجهات العراقية على مراسلات السفارة اليابانية بسبب البيروقراطية الإدارية في داخل العراق.
ضعف التنسيق بين الوزارات العراقية كما هو الحال بين وزارتي التجارة والصناعة وهيئة الاستثمار ووزارتي النفط والكهرباء.
عدم وجود مختص باللغة اليابانية في القسم لترجمة المقالات والدراسات الاقتصادية اليابانية.
الوضع الأمني غير المستقر في بعض المدن العراقية يصعّب على اليابانيين الترويج للاستثمار في كل العراق.
عدم تلمس الجانب الياباني جدية من الجانب العراقي لتنفيذ بنود الاتفاق الاستراتيجي.
عدم وجود استراتيجية عراقية واضحة عن كل قطاع مشمول بالاتفاق.
غالباً ما يجري تبديل المسؤولين الحكوميين القائمين على موضوع معين في الملف الياباني بموظفين ومسؤولين جدد وخلال فترات قصيرة؛ مما لا يساعد على تراكم المعرفة وانعكاس ذلك على الأداء.
الفساد المالي والإداري المتفشي في العراق.
عدم وضوح مبدأ الدفع بالآجل بالنسبة للجهات العراقية؛ وبالتالي يصعب عرضها على اليابانيين.
عدم وضوح القطاعات الاقتصادية التي يركز عليها الجانب العراقي لجذب اليابانيين.
الإحباط الياباني من عدم منح أي معاملة تفضيلية عراقية للشركات وقطاع الأعمال في اليابان على الرغم من دعمهم المقدم للعراق وشعبه منذ العام 2003.
عدم وجود قطاع خاص عراقي يكون شريكاً مناسباً يُعتمد عليه من قبل رجال الأعمال اليابانيين.
عدم وضوح أدوار الجهات العراقية الحكومية ومسؤولياتها في مجال تنشيط الاستثمار وتسهيله في العراق كما في الهيئة الوطنية للاستثمار ووزارة المالية والتجارة والتخطيط والتداخل الكبير في عملهن في هذا المجال؛ مما يصعّب الحالة على اليابانيين بتركيزهم على الجهة الواجب حضورها لليابان.
عدم وضوح طبيعة الصلاحيات لهيئات الاستثمار في المحافظات العراقية؛ مما يضعها في تداخل مع عمل الهيئة الوطنية للاستثمار ومن هو المسؤول الأخير الذي يجب أن يعقد الصفقة مع المستثمر.
عدم وجود كوادر متخصصة تقوم بالترويج والتسويق للاستثمار في السوق العراقية.
الوضع الأمني غير المستقر في المدن العراقية، يبعد المستثمر الأجنبي عن الاستثمار في هذه المدن.
اعتماد القانون العراقي كمرجع قانوني لحل المنازعات والخلافات التي من الممكن أن تنشئ مع المستثمرين الأجانب، والتي لا تعطي الحق لهؤلاء المستثمرين بالاستعانة بالقوانين الدولية المعتمدة في حل النزاعات التجارية.
قلة المعلومات المتوافرة عن البيئة الاستثمارية في العراق مثل القوانين النافذة والإحصائيات المتعلقة بالاقتصاد.
ضعف القطاع الخاص العراقي مما يصعّب على المستثمر الأجنبي إيجاد شريك محلي في السوق العراقية.
عدم وجود البنى التحتية اللازمة الكافية لجذب المستثمرين كالفنادق وطرق المواصلات وضعف الاتصالات السلكية وشبكات المحمول.
صعوبة تطبيق القرارات والقوانين الخاصة بالاستثمار؛ بسبب ضعف الأداء الإداري للمؤسسات العراقية في هذا الشأن؛ نظراً لأن تجربة جذب الاستثمارات والتعامل معها هي تجربة جديدة في العراق؛ مما يكلف المستثمر كثيراً من الوقت والمال لمتابعة الأمور اللوجستية لتنفيذ مشروعه في العراق، والحصول على الموافقات اللازمة ومن عدة جهات حكومية عراقية.
التقادم الزمني لأنابيب النفط والغاز المستخدمة في العراق، التي عدا كونها مصدراً ملوثاً للبيئة فإنها تشّكل مصدر قلق للمستثمرين من تحملهم لنفقات جديدة المتمثلة ببناء أنابيب جديدة لنقل النفط والغاز إلى المصافي النفطية ومن هذه النقطة لنقل مشتقات النفط إلى الأسواق المحلية وموانئ التصدير.
ب – التهديدات:

إمكانية تعرض يابانيين عاملين في العراق للاعتداء.
تغيّر أولويات الحكومة اليابانية وتراجع ملف العراق.
اقتصار الزيارة على الجانب البروتوكولي فقط، وعدم وجود نتائج عملية مثمرة للجانبين مثل توقيع اتفاقيات أو الاتفاق على إقامة مشاريع في العراق.
اقتصار الوفد العراقي على الجانب الحكومي فقط ولا وجود لممثلين عن القطاع الخاص.
تهديد بعض العشائر في المدن العراقية للاستثمارات الأجنبية.
عدم المصادقة على القوانين المهمة فيما يخصّ الاستثمار، مثل قانون النفط والغاز.
بطء إجراءات الجهات الحكومية العراقية بشأن تسديد مستحقات المستثمرين الأجانب في العراق مما يؤدي إلى تأخير عمليات التسديد هذه، ويضع المستثمرين في صعوبات مالية.
ملفات الفساد الإداري تمثّل تهديداً حقيقياً للاستثمار في العراق التي -على الرغم من جهود الحكومة العراقية وهيئة النزاهة- لا تزال تشكّل أرقاماً لا يمكن الاستهانة بها أو بعواقبها.
تدهور الوضع الأمني لبعض المدن العراقية المستقرة نسبياً مثل التفجيرات الإرهابية.
تهديد بعض العشائر في المدن العراقية للاستثمارات الأجنبية.
التغيير المستمر للسياسيين العراقيين المعنيين بملفات اليابان.
ج – القوة:

علاقات ممتازة مع ((JICA، الجهة المسؤولة عن القرض الياباني الميسر للعراق.
الموقف الرسمي الياباني إيجابي وداعم للعراق.
عدم وجود أي خلاف أو عداوات تأريخية بين البلدين.
السوق العراقية تمثل عنصر جذب الاستثمارات اليابانية.
يمثل العراق ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم؛ وبذلك يشكل عامل إغراء للشركات اليابانية على إقامة علاقة طويلة الأمد معه.
اليابان بلد ذو إمكانات اقتصادية وتكنولوجية كبيرة، والعراق بثرواته الطبيعية العملاقة يشكلان ثنائياً اقتصادياً ناجحاً وكلاهما يحتاج إلى الآخر.
تأكيد للسمعة الجيدة للشركات اليابانية لدى السوق والمستهلك العراقي فإن العراق يسعى لاتفاقات مع اليابانيين.
توجه قوي للحكومة اليابانية لتصدير تكنولوجيا البنى التحتية للدول النامية.
موارد بشرية كبيرة بحدود 37 مليون شخص، أغلبها شبابية وطبقة واسعة متعلمة.
أرض خصبة مستوية بمساحات واسعة.
قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 وتعديلاته، الذي منح المستثمر الامتيازات لمستثمر الأجنبي مثل الحق في البيع والشراء في سوق العراق للأوراق المالية.
د – الفرص:

إن تطبيق الاتفاق سيفتح الباب أمام استثمارات يابانية إضافية.
نقل التكنولوجيا اليابانية المتطورة.
اكتساب المهارة والخبرات اليابانية.
تحريك الاقتصاد العراقي.
القضاء على البطالة وتحسن الوضع الأمني.
الاتفاق مع الجانب الياباني على تنفيذ مشروع يمثّل رمزاً للعلاقة الاقتصادية المتقدمة بين البلدين مثل حقل الناصرية النفطي أو شرق بغداد أو أي مشروع آخر مقبول من الطرفين.
توفر مشاريع متعددة معد للاستثمار في قطاعات الزراعة والكهرباء والصحة والإسكان والصناعة والاتصالات والسياحة والسفر.
إنتاج النفط في العراق سيستمر بالزيادة للسنين القادمة.
زيادة صلاحيات الهيئة الوطنية للاستثمار لتشمل جميع الإجراءات والموافقات الإدارية والفنية لبدء المشروع وتنفيذه من قبل المستثمرين.
القيام بحملات ترويجية للاستثمار في العراق من طريق برنامج مبرمج حسب الأولويات بالنسبة للسوق العراقية ولاسيما في البلدان المتقدمة كالولايات المتحدة الأميركية واليابان والدول الأوروبية.
وجود أعداد كبيرة من الآبار النفطية غير المستغلة حتى الآن، فضلاً عن مواقع لم يتم التنقيب فيها عن النفط من قبل.
تاسعاً – التوصيات:

إن التحديات الكبيرة التي تواجه الحكومة العراقية في مجال بسط الأمن والنظام، وإعادة إعمار البلاد تستوجب اعتماد سياسات اقتصادية راسخة، قادرة على الاستجابة للضرورات التي تفرضها تداعيات المرحلة الراهنة. فمن الضروري أن تعمد المؤسسات العراقية المعنية إلى إعداد خطط استراتيجية شاملة للاستفادة من المناخ الدولي المؤيد لعملية التحول الديموقراطي الجارية في العراق، وتحويله إلى دعم اقتصادي وتقني مبني على أسس المصالح المشتركة؛ وإن طموحات كهذه تحتاج إلى تدابير سياسية وأخرى فنية (اقتصادية وتشريعية).

وفيما يخص تطور العلاقات مع اليابان واستثمارها بالنحو الأمثل، فإني أدعو إلى دعم جهود حكومتنا في صياغة منهج سياسي واقتصادي واضح المعالم، يشكّل الأساس في التعامل مع الطرف الياباني على وفق إطار المصالح المتبادلة؛ لأن علاقات العراق واليابان هي من نوع العلاقات المربحة (ربح – ربح) لكلا الجانبين بسبب حاجة كليهما إلى الآخر، ويمكن إجمال التدابير السياسية والفنية التي ينبغي على العراق القيام بها لتحويل العلاقة مع اليابان إلى علاقة مربحة إلى أبعد الحدود، على وفق التصورات الآتية:

التدابير الفنية.
تفعيل عمل وزارة الخارجية العراقية في قيادة الملفات الثنائية المهمة مع اليابان كونها جزءاً حيوياً من علاقات العراق الخارجية.
الإيعاز إلى وزارة التخطيط العراقية بالتعاون مع الوزارات المختصة لإعداد قائمة تفصيلية بالمشاريع التي يفضل تنفيذها من قبل الشركات اليابانية، لتكون قاعدة انطلاق وخطة عمل مبرمجة للخارجية العراقية بنحوٍ خاص والحكومة بنحوٍ عام؛ لتتحرك على أساسها لتشجيع المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة اليابانية، للمشاركة في حملة إعادة الإعمار في العراق.
تفعيل الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين كونه خطوة مهمة باتجاه تطوير علاقات البلدين، وأرى أن يبادر الجانب العراقي بالدعوة إلى عقد اجتماع وزاري للوزراء المعنيين، ولاسيما النفط والكهرباء والتخطيط والاستثمار، في كلا الجانبين لوضع القواعد الأساسية لحوار مباشر يستهدف تطوير علاقات البلدين في جميع المجالات، ويُفضّل إجراء هذه الاجتماعات في طوكيو أولاً، ثم في بغداد.
الأخذ بنظر الحسبان طبيعة السلوك الياباني في التعاطي مع الجوانب الاقتصادية والفنية، فمن الأفضل أن تكون المطالب العراقية واضحة ومحددة.
استكمال بناء المؤسسات الاقتصادية المتخصصة، وتطوير المؤسسات الحالية بالاستفادة من الخبرات الدولية وإعطاء دور أوسع للقطاع الخاص العراقي في المشاركة بالتنمية الشاملة من خلال خصخصة بعض القطاعات الاقتصادية في البلاد.
محاربة ظاهرة الفساد الإداري والمالي من خلال اتباع أساليب الشفافية في إدارة المؤسسات الاقتصادية.
تشجيع قيام شراكات تجارية بين القطاعين العام والخاص العراقي من جهة والشركات العالميـــة من جهة أخرى كوسيلــة لنقــــل الخبرات ومعالجة المشكلات التي تعترض سبيل التنمية الشاملة في العراق في المجالات الأمنية، والتقنية، والصناعية، والتعليمية، والتجارية، والمالية.
صياغة استراتيجية بعيدة المدى للعراق وبمحاور متوازية سياسية واقتصادية على الدول الكبرى المفيدة للبلد في الوقت الحاضر وفي مقدمة هذه الدول، اليابان، حيث إن معظم التحركات لجذب الاستثمارات تكون غير منسقة بين الجهات العراقية مثل هيئة الاستثمار ووزارات النفط والتجارة والصناعة وغيرها، ومن الممكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال، كما هو الحال في قيام اليابان بتزويد فيتنام بتقنية مشاريع القطارات السريعة، ضمن قروض ميسّرة طويلة الأمد.
إن التزام العراق بأن يكون شريكاً استراتيجياً لليابان في مجال الطاقة لا يعني إعطاء أفضلية لليابان في مجال الأسعار أو التسهيلات القانونية التي قد تعكس تأثيراً سلبياً على سمعة العراق الذي ينادي بالنزاهة والشفافية بالتعامل مع جميع الطراف التجارية بحيادية وبتوازن كامل، بل المقصود أن يكون التزاماً سياسياً يُروج له قبل التوقيع عليه مع الجهات اليابانية، ويمكن فرض شروط العراق على اليابانيين الذين لا يريدون أي مفاضلة على حساب الآخرين بل التزام أخلاقي وسياسي بعيد الأمد من العراق بتأمين إمدادات الطاقة وبأسعار السوق السائدة.
نود الإشارة هنا إلى أن إحدى المشكلات التي تتصف بها الوفود التفاوضية العراقية مع الشركات والجهات الأجنبية بنحوٍ عام واليابانية بنحوٍ خاص بأنها تركز على الجانب الاقتصادي فقط من دون أي نظرة إلى البعد الاستراتيجي بعيد الأمد لعلاقة العراق مع الدول التي يتم التفاوض مع شركاتها، والمقصود مجدداً ليس التنازل عن فقرات معينة لصالح هذه الدول التي تعدّ صديقة للعراق، بل المقصود استثمار هذه العلاقات الاقتصادية والعقود والمفاوضات وغيرها لتقريب الأصدقاء إلينا وتشجيعهم لمد يد الشراكة الاستراتيجية معنا وليس العكس؛ أي أن التفاعل يجب أن يكون بشأن إيجاد شريك استراتيجي بعيد الأمد وليس عرضاً أو طلباً تجارياً على المدى القصير.
يحاول العراق بناء اقتصاده وبنيته التحتية على وفق أحدث المواصفات العالمية، إلا أننا يجب أن لا ننسى العامل الزمني في هذا التوجه، حيث إن عدم استثمار الفرص المقدمة من بعض الأصدقاء قد يعدّ خسارة على المدى البعيد؛ نتيجة عدم استثمارها في وقتها؛ لذلك من المفضّل دراسة الفرص المقدمة بتأنٍ، ووضع العامل الزمني والبعد الاستراتيجي وكلفة الفرصة الضائعة قبل إصدار أي قرار نهائي بهذا الشأن.
إمكانية إنشاء دائرة متخصصة في الخارجية العراقية يرأسها سفير على غرار ما كان موجود في الخارجية اليابانية تتولى تنسيق ملف الإعمار بين الخارجية العراقية والسفارات العراقية العاملة في الخارج ومع الوزارات والمؤسسات العراقية داخل العراق.
قد يكون من المناسب أن تقوم الحكومة العراقية بإحالة بعض مشاريع القرض الياباني الميسّر ODA إلى الشركات اليابانية المختصة وذات السمعة الطيبة؛ مما يحقق للعراق الفوائد الآتية:
1. إن شمول الشركات اليابانية بتنفيذ مشاريع القرض سيشجع الحكومة اليابانية على منح قروض جديدة للعراق في المستقبل، وبالشروط الميسرة نفسها؛ لأنها ستعود بالنفع على قطاع الأعمال في اليابان وعلى الاقتصاد الياباني بنحوٍ عام الذي يعاني -كما ذكرنا سابقاً- من ركود؛ بسبب ضعف الطلب الداخلي وبحثه عن أسواق جديدة لتصريف منتجاته؛ وهذا الإجراء ليس من أجل الحصول على هذه الأموال لدعم الموازنة الحكومية فحسب، بل من أجل أن يكون هنالك تواجد ياباني على الأرض العراقية في قطاع الإعمار.

2. تبديد مخاوف بعض الشركات اليابانية التي تخشى من عدم تمكن الجهات الحكومية العراقية، من الوفاء بالجدول الزمني المناسب لتعهداتها المالية تجاه تلك الشركات، في أثناء تنفيذ المشاريع العراقية أو بعد ذلك؛ إذ تتيح القروض اليابانية التي سيحصل عليها العراق من الحكومة اليابانية عامل تطمين كبير لتلك الشركات لأن حكومة بلادهم ستكون جزءاً أساساً من آلية التسديد المالي للمشاريع التي ستنفذها.

3. الاستفادة من الخبرات اليابانية على الأرض في تنمية قدرات موارد العراق البشرية من مهندسين وفنيين، فضلاً عن التعلم من أسلوب الإدارة اليابانية المتقدم في قيادة المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

عاشراً: الخاتمة:

إن ما نلاحظه من خلال مراقبة الحركة الاقتصادية للساحة اليابانية هو تهافت الدول لإقامة العلاقات معها في شتى فروعها والاستثمار في كافة الميادين المتاحة، في حين نعتقد أن هناك غياباً في الرؤية الاستراتيجية لعلاقات العراق مع اليابان أدت إلى انحسار العلاقات حتى من الجانب الياباني في مديات معينة نرى أنها تحتاج من صناع القرار في العراق إلى مراجعة شاملة وسريعة إذا كنا راغبين في تطوير علاقاتنا الثنائية وتعزيزها في مختلف المجالات، والارتقاء بها إلى درجات متقدمة وإمكانية تقديم تطمينات لليابان بتأمين مصالحها في مجال الطاقة من دون أن يخل ذلك بمصالحنا الاستراتيجية القصيرة والطويلة الأمد، ونرى أن هذا الموضوع هو غاية في الأهمية، أي أن تكون هناك مبادرة عراقية لتوطين الاهتمام الياباني بالعراق لما له من دور في انعاش الاقتصاد العراقي، ولا نستبعد أن يأتي يوم تسهم اليابان في انطلاقة الاقتصاد العراقي كما حدث في بعض دول آسيا التي كان لليابان الفضل في انطلاقتها الصناعية؛ وبخلافه فإننا نتصور أن الدعم الياباني للعراق ليس التزاماً أبدياً، وقد تستجد موضوعات تحول الاهتمام الياباني عن العراق ولاسيما مع وجود بوادر في الأفق في زيادة اهتمام اليابان في بلدان أخرى؛ وهذا سيكون على حساب اهتمام الساسة اليابانيين بالعراق، ويمكن القول إن اليابان رائدة في مجال بحوث الطاقة البديلة، وفي

 

حال انصرافها عن مواصلة الاهتمام بالعراق وإذا لم يكن لدينا ما نقدمه من محفزات للطرف الآخر فإن ذلك سيقود إلى اختلال في ميزان المصالح المتبادلة الذي لن يصب في مصلحتنا بكل تأكيد.

لقمان عبد الرحيم الفيلي

لقمان عبد الرحيم الفيلي هو السفير العراقي السابق لدى الولايات المتحدة بين الأعوام (2013-2016)، وقبلها شغل منصب سفير العراق لدى اليابان بين الأعوام (٢٠١٠-٢٠١٣)، وقبل تنسمه هذين المنصبين، شغل مناصب عليا في العراق، منها: مدير برامج في قطاعات تكنولوجيا المعلومات في العديد من كبريات الشركات متعددة الجنسية في المملكة المتحدة، ولديه خبرة أكثر من ثلاثة عقود في العمل المجتمعي والنشاط السياسي في المهجر العراقي في المملكة المتحدة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close