لكل جريمة حكاية : ساعات مع البشر.. وساعات مع الموتى!

 إعداد/ د. معتز محيي عبد الحميد

 يخرج كل يوم في الصباح متوجهاً إلى شوارع بغداد واسواقها المكتظة   ليبدأ نشاطه الذي اعتاد عليه منذ سنوات  ” النشل”      فيكاد لا يترك أحداً يصادفه في الشارع.. أو في السيارة  أو في المقهي إلا و”يحاول معه”.. فكثيراً ما ينجح في إتمام “المهمة” ونادراً ما يكشف “الصيد” الأمر.. فيسرع في الحال ولا يستطيع أحد اللحاق به.. وفي آخر اليوم يعود ” بالمصروف” إلى زوجته وأبنائه الخمسة في مسكنهم وسط مقابر السهروردي” .
هذه هي “حياة ” ذلك النشال .. يستيقظ مبكراً بين ” القبور”.. يسرع إلى شوارع واسواق  العاصمة .. يمارس “مهام عمله”.. ويعود ليلاً بحصيلة اليوم.. إلى أسرته التي تنام وتستيقظ.. وسط “الموتي”.. كل يوم.
لم يكن هذا “النشال” يشاهد “الجنازات” التي كانت تأتي إلى المقابر.. جنازة تلو الأخرى.. لم يكن يراها إلا نادراً فهو يخرج في الصباح قبل أن ” تبزغ الشمس” ويعود ليلاً عندما ينام “الجميع”.. تقريباً.. الحالة الوحيدة التي كان هذا “النشال” يرى فيها “جنازة  من تلك الجنازات ” الوافدة بغزارة “.. كانت عندما يكون “مريضاً” لا يستطيع الخروج إلى “العمل”.. وكانت زوجته تلحظ عليه “شيئاً غريباً” سرعان ما يفارق هذا الشيء وجهه عندما ينتهي المشيعون من “الدفن”.
كان هذا النشال عندما تأتي الجنازة ينقبض قلبه ووجهه ويقول لزوجته وهو شاحب اللون: اليوم “جار جديد” سيبدأ في الإقامة معنا!!.. يحملق “النشال” كثيراً في “مشهد الدفن” لكن بمجرد أن تغادر “آخر قدم” المكان.. ينسى كل ما شاهد وكل ما قاله لزوجته ويبدأ في الإعداد لممارسة “نشاطه المعتاد” بعد أن يتماثل للشفاء .
مع كل “جنازة ” كان يشاهدها ذلك “النشال” كان يحدث له ذلك الأمر.. ينقبض القلب والوجه.. ويقول لزوجته ما يقول عن “الجار الجديد”.. وبعدما يتعافي ينطلق مسرعاً الى عملية النشل المعتادة .
ذات يوم مات أحد أبناء ذلك “النشال”.. وعندما جاء موعد “الدفن” نزل مع من نزلوا “بالجثمان” إلى “داخل القبر”.. هذه هي المرة الأولى التي يشاهد فيها هذا “النشال” القبر.. “من الداخل”.
انتهت مراسم دفن “الجار الجديد”.. وراح “النشال” يتحدث لزوجته فظنت أنه سيقول لها ما اعتاد أن يقوله عند كل جنازة .. لكن الزوجة فوجئت بأن ” كلاماً جديداً ” يقوله لها هذه المرة .. فقد قال: “القبر صعب وضيق من الداخل ”  ولم يذكر شيئاً من قريب أو من بعيد عن “الجار الجديد” الذي دفنه منذ قليل . في الصباح.. لم يذهب “النشال” إلى ميدان عمله المعتاد .. وإنما توجه إلي مركز شرطة باب الشيخ  القريب من ” المقبرة”.. المدىوهناك راح يسرد تفاصيل “الجرائم” التي ارتكبها ولم يعرف بها أحد من قبل .

المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close