“لن نكلّ .. لن نملّ”

محمد عبد الرحمن
من المؤكد ان الحراك الشعبي والاحتجاجات سواء بنسختها الأولى ام الثانية، لم تكن بحاجة الى رخصة او إذن من احد. فهي انطلقت سلمية وبمطالب عادلة ووفر لها الدستور الغطاء القانوني. وان ما حفز وشجع عليها هو الظروف والاحوال التي مر ويمر بها بلدنا، وهذا هو أيضا دافع تواصلها واستمرارها .
فهل تغيرت أوضاع بلدنا عما كانت عليه في  شباط ٢٠١١، بمعنى حصول تحسن وتقدم وخاصة في القضايا ذات المساس المباشر بحياة الناس الكادحين والفقراء وذوي الدخل المحدود على وجه الخصوص ؟
ان المتابع المحايد يقول ان هناك بعض الجهد المتفرق وغير المنظم  لتحسين إدارة البلد، لكنه يبقى في إطار المنظومة ذاتها التي جلبت لنا المآسي والكوارث. ويصر البعض من القوى المتنفذة الكبيرة على إدامة هذا الحال، وهو ما تجلى مؤخرا في المساعي الرامية الى فرض قانون انتخاب يمكن القول انه خاص بتلك القوى، ويهدف اساسا الى إعادة استنساخ ذات الوجوه منها. ولا غرابة في ذلك، فقد سبق لاحدهم ان طالب بالاستنساخ ؟!
والشيء اللافت هذه الأيام هو هذا التدافع على عضوية مجلس مفوضي المفوضية العليا للانتخابات والذي، ان صحت المعلومات عما أسفر عنه بحث “الخبراء”، سيكون هذه المرة صورة صارخة لمحاصصة مقيتة، حتى ان بعض القوى الناقدة والتي تدعي رفض المحاصصة تطالب بحصة فيه !
من جانب اخر فان العديد من جوانب حياة الناس تنحدر نحو الاسوأ: البطالة، ارتفاع نسب الفقر، بؤس البطاقة التموينية، استقطاعات الرواتب، سوء الخدمات الصحية والتعليمية واختناقات النقل وارتفاع الأسعار، فضلا عن ظواهر الخطف والاغتيالات والتغييب القسري والمساعي  لتكميم الأفواه وإصدار الفرمانات وبهدلة الدولة وإضعافها، وهي كلها اخذة بالاتساع. وربما لا يضيف المرء الى ما جاء به رئيس الوزراء في احاديثه مؤخرا بشأنها، فضلا عن أحوال النازحين والمهجرين البائسة .
والشي الاخر هو الفساد الذي  لم تنجح كل المساعي في الحد منه ، بل ان الامر المحزن هو ان هناك ملفات تحقيق جاهزة وفيها قرارات قضائية، والعهدة على هيئة النزاهة والقضاء،لكن لا احد من السلطات التنفيذية يجرؤ على تنفيذها، والحديث هنا يخص ملفات الحيتان الكبيرة ، وليس صغار الأسماك .
الصورة من دون شك مكفهرة ولا تسر أحدا، وربما وحدها الانتصارات ضد داعش ما يستحق الافتخار والاعتزاز، وحتى هنا ثمة من يريد ان يبهت بريق هذه الانتصارات بسعيه الى فرض استحقاقات سياسية مثل “عمولة” على  أداء واجب وطني .
هذه الأمور وغيرها هي ما يدفع الحراك الشعبي الى مواصله ضغطه على القوى المتنفذة الحاكمة، على اختلاف الوانها، ولكن من المهم زيادة الضغط على من بيدهم القرار الفعلي بحكم الموقع الدستوري وما يملك من صلاحيات. ولا تقل أهمية عن ذلك  تعرية ما تقوم به قوى “الدولة العميقة” وما تخطط له، هي ومن يدعمها ويساندها من خلف الحدود .
بفعل هذه العوامل الموضوعية يتحرك الحراك والناشطون المدنيون والمحتجون على اختلاف مطالبهم وتعددها، وحراكها  حق وليس منة  او مكرمة من احد ، رغم ان البعض لو كان مطلق اليدين لسعى الى خنقه، كما حصل في مرات عديدة سابقة، والآن أيضا وتحت عناوين مختلفة. وهدف ذلك واضح هو ان يكون في ساحتنا العراقية صوت واحد لا يعلى عليه، وهذا الصوت يريد ان يضفي “القدسية” على مشروعه. وهو بالمناسبة مشروع سياسي صرف يحرص على التواري خلف الشرعية الدينية والتي يريد ان يحتكرها هي الأخرى  لنفسه .
في ظروف كهذه ليس امام دعاة الإصلاح والتغيير الا التمسك بشعار “لن نكلّ .. لن نملّ” وهذا ما يتوجب ان يستمر قبل الانتخابات وخلالها وبعدها. فالانتخابات أيضا أداة إضافية للتعرية والكشف والضغط، وللترويج لمشروعنا الوطني الديمقراطي والتعبئة حوله ، كونه مشروعا للانقاذ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة “طريق الشعب” ص2
الاحد 28/ 5/ 2017

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close