السلابة و النهابة و الوطنية

السلابة و النهابة و الوطنية
بعد انهيار عدد من تلك الأنظمة الأستبدادية و بعد ان حكمت بلدانآ عديدة زمنآ طويلآ امتد لعشرات من السنين و ما ان هوت تلك الأنظمة و ذهبت الى المكان التعيس المخصص لها في التأريخ حتى تكشفت عمق المأساة التي خلقتها و خلفتها تلك الأنظمة الدكتاتورية و التي استملكت البلاد و استحكمت برقاب الناس فصاروا عبيدآ لها و كانت شعارات الحرية و العدالة و المساواة ترفع على اللافتات و تكتب على الجدران فقط و كان الكثير من مؤسسات الدولة و انشطتها الأقتصادية و الخدمية او الرياضية مسجلة بأسم ( الرئيس ) و كذلك الشوارع و الساحات العامة و النصب و التماثيل التي لم يبقى لها من اسماء او عناوين سوى اسمه وشكل رسمه فكان ان امتلك البلاد كلها و وضع اليد على العباد فكانوا جزءآ من ممتلكاته .
هكذا تحولت هذه البلدان الى مجرد اقطاعيات و ضيعات يلهو بها ( الرئيس ) و ابناءه و اقاربه و يفعلون بها و بسكانها ما يشأون فأن اراد احدهم ( الرؤساء ) ان يشعل حربآ ضروس لا تبق و لا تذر فما عليه سوى اصدار الأوامر التي لا تناقش و سوف تتحرك الكتائب المقاتلة و التي هي غالبآ لا تعرف من هو العدو و ما هي اسباب تلك الحرب و ان افاق احدهم يومآ ( من الرؤساء ) من نومه او من ثمالته لا فرق فأذا به يرى ( الله ) يأمره ( بغزو ) دولة جارة صغيرة فما كان منه ( وهو المطيع لله ورسوله ) الا الأمتثال و الطاعة لذلك النداء الألهي و اصدار التوجيهات للجيوش الجرارة بالزحف صوب تلك الدولة و احتلالها غير عابئآ بأرواح اولئك الناس و مصائرهم و هم يساقون الى الجبهات تاركين ورائهم أسر و عوائل ترنوا ببصرها الى هذا المعيل الذي قد يكون الوحيد و هو ذاهب الى غير رجعة كما هو الحال غالبآ فأن اكثر جرائم الأنظمة الدكتاتورية فظاعة و بشاعة هي الحروب التي تشنها لما لها من مخلفات سلبية خطيرة اقتصادية و اجتماعية تهدد النسيج الأجتماعي و تخلق العداوات بين ابناء الشعب .
اما من استطاع الخلاص من انياب تلك الحكومات الدكتاتورية و بطشها و حروبها و سجونها و المعتقلات فكان الهروب و الفرار من الوطن هو الوسيلة الوحيدة للنجاة و ان لم تكن تلك المنافي اكثر رحمة و شفقة من ذلك الحاكم الجائر الشرس فكانت ان فتكت به هي الأخرى جوعآ و حرمانآ و عذابآ و جعلت منه انسانآ هلاميآ لا يملك هوية تحدد ملامحه و لا يكترث كثيرآ بما وصلت اليها الأوضاع في البلاد التي اصبحت بعيدة عنه و يعيش ما تبقى من العمر على قديم الذكريات العالقات في الأذهان فأن كان النسيان مقبرة تلك الذكريات اصبح بلا تأريخ و لا ماض .
بموازاة تلك المشاهد ( الدرامية ) المثيرة و التي بثتها محطات التلفزيونات العالمية في يوم سقوط ( النظام الصدامي ) و هروب مسؤوليه و جلاديه امام دبابتين اثنتين تمركزتا على احد جسور ( بغداد ) و كذلك نقلت تلك التلفزيونات مشاهد النهب و السلب و الحرق الذي طال العديد من مؤسسات الدولة و منشآتها و هي ترافق النهاب و السراق و هم يحملون حتى ما ثقل وزنه و رخص ثمنه على اكتافهم فرحين به و مهرولين كأنه كنز ثمين و تم نقل تلك المشاهد على انها لذلك الشعب الحرامي و النهاب و اخلت بذلك مسؤولية النظام الدكتاتوري المستبد و الذي استملك الدولة و الوطن و المواطنيين و لم يبق من الوطنية الا ذلك العنوان الباهت المكتوب في الهوية الشخصية حيث لا حقوق و لا امتيازات يحصل عليها المواطن و لا حماية بل هي الواجبات الثقيلة فقط فبدلآ من تأمين العمل و السكن و التعليم و قبل ذلك كله حفظ الكرامة الأنسانية من الأنتهاك و التهتك في مخافر الشرطة و دوائر الأمن زج به ( المواطن ) في حروب طاحنة طويلة و نزاعات تكاد لا تنتهي جعلت من هذا الأنسان لا يشعر بالأنتماء الى هذه الأرض التي ولد فيها لذلك و في اول فرصة سانحة اقتنصها للهرب و الفرار من تلك الأنظمة التي سلبته كل شيئ ابتداءآ من تحطيم احلامه و طموحاته مرورآ بجعله اداة طيعة مطيعة بيد الحاكم و افراد اسرته انتهاءآ بقنص ما تبقى من آدميته و بعد كل تلك المصائب و النوائب المطلوب من هذا الكائن المهشم و المهمش ان يكون وطنيآ يحافظ على ممتلكات الدولة و مؤسساتها بأعتبارها املاك ( عامة ) له حصة فيها و التي لم تكن ابدآ كذلك بل كانت على الدوام املاك ( خاصة ) للنظام و افراد عائلته و اقربائه و خدمه ( الأقطاعي مالك الأرض و ما عليها من ادوات و دواب و بشر ) .
حيدر الصراف

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close