لعنة الطائفية كما اتذكرها

نوري جاسم المياحي

لا اعتقد ان عراقيا عاش في بغداد للفترة ما بين سنتي 2005-2007 ونجا فيها هو او عائلته من الارهاب الطائفي الا واعتبر نفسه محظوظ ومنح حياة جديدة…فقد كانت من اظلم واتعس الفترات التي مرت بالعراقيين فكانت سوداء بسواد الفحم وكسواد اللافتات التي علقت بالشوارع بأسماء المغدورين والشهداء…

فقد اقدم من لا يخاف الله بتقديم خدمة مجانية للاحتلال الامريكي حيث اجج عملاء ه واذنابه الفتنة الطائفية الملعونة من خلال الصراخ والعويل الفتنوي الطائفي والذي توجوه بأنشاء البيت السني والبيت الشيعي ودفعوا بالاغبياء والجهلة من العراقيين ليقتلوا بعضهم بعض …وفي كثير من الاحيان على الهوية او المهنة كالحلاقين مثلا او منطقة السكن او المحافظة ولدوا فيها وفي احيان اخرى لجمع ارقام وأعداد للقتلى  فقط فوصلت اجرة قتل الانسان من الرخص الى 100 دولار ..

الان وبعد مرور اكثر من عقد من السنين على تلك الفترة المظلمة في حياة البغادة خاصة وابناء العراق عموما …وللأسف ..يبدوا لي انهم نسوها او تناسوها بظهور داعش واخواتها  اجد ان الاحتلال وعملاءه واعداء شعبنا وهم المستفيدين الوحيدين من وراء تدمير العراق ومنهم اسرائيل وتركيا وايران والسعودية ودول الخليج ففجروا حقدهم الاسود بفتنة طائفية حقيرة ولئيمة احرقت الاخضر واليابس …

ومن الامور التي اذكرها بألم وحزن هو ان الكثير ممن لا يشك بوطنيتهم واخلاصهم للعراق وشعبه انجروا كالغنم للمشاركة بادراك منهم او جهل بتأجيج هذه الفتنة الاجرامية تحت شعار مقاومة الاحتلال الامريكي .. فخدموه من حيث لا يشعرون… ولاسيما في المنطقة الغربية والبعثيون ..

وفي واقع الحال هم من حيث يدركون او لا يدركون فقد ادخلوا للعراق عدة احتلالات لدول الجوار بدل من احتلال أمريكي  واحد وضاع راس الشليلة كما يقال فخاض شعبنا المدجن والمخدوع والمتخلف فكريا ودينيا حروبا دموية تصفوية هائلة بدلا  وبالنيابة عن دول الجوار وللأسف و حتى يومنا هذا لازالت الحرب قائمة على ارضه …وما داعش الا صفحة من صفحات هذا الصراع بالنيابة عن الاخرين ..وعودة ظاهرة اختطاف الناس في الوقت الحاضر الا لإثارة البلبلة والفوضى او لأغراض التصفيات والصرعات الانتخابية والسياسية وربما ستتطور اكثر بعد انهاء داعش عسكريا في القريب العاجل كما تطورت سابقا الى الخطف الجماعي والعشوائي ..

ففي البداية  كان الخطف فرديا وانتقائيا ولكنه تطور واصبح جماعيا وفي بعض العمليات تجاوزت اعداد المخطوفين بالمئات كما حدث مع جماعة التعليم العالي او الاولمبية او فريق التكواندو وما اعقبه كرد فعل و سبب بخطف حوالي 1500 شخص بريء بفتوى شرعية كما يقال وكما سأشرحها لكم لاحقا ..

والخطف كان يتم في رابعة النهار وتحت بصر وسمع جنود ودوريات الاحتلال الامريكي ومفارز التفتيش.. وأنا الان استغرب واتعجب بل وأتساءل كيف يمكن لأي عراقي ان ينسى فترة حكم الحاكم بريمر او خليفته نكروبونتي الخبيران بالترويج للإرهاب والقتل والنهب ؟؟..

لقد كان الخاطفون يفرزون المخطوفين بعد خطفهم الى شيعة وسنة فان كان الخاطفون سنة يقتلون الشيعة ويطلقون سراح السنة والغاية منها لنشر الشائعات وقصص الرعب بين الناس والترويج للاصطفاف للفتنة ونجحوا في ذلك نجاحا باهرا وفي المقابل ان كان الخاطفون شيعة فلعبوا نفس اللعبة القذرة وبنفس الطريقة فهم يقتلون السنة ويطلقون سراح الشيعة ولنفس الغرض …

والغريب فالطائفتان كانتا تتباريان وتتسابقان في القتل والتباهي في جرائمهم كي ترعب الطائفة الخصم  ..فترى الجثث في الشوارع تأكلها الكلاب والقطط او تراها طائفة فوق الماء في الانهار والبزول او مقابر جماعية خارج الاحياء السكنية …فلم يتركوا عالما  او استاذ جامعي متميزا وعبقريا او ضابطا كبيرا شارك في حرب ايران او مقاومة الاحتلال او حتى لو كان قيادي بعثيا  فقتلوه حتى لو كان نائما بين اطفاله وبدم بارد وحتى بدون تمييز لطائفته سني أو شبعي  الا وقتلوه شر قتله  …واخيرا وليس اخرا مجزرة سبايكر ويشاع ان عدد ضحاياها تجاوز التسعة الاف بشر والتي حاولوا طمطمتها اعلاميا وعالميا وحتى يومنا هذا ..

وبحكم متابعتي لقضية خطف اولادي في تلك الفترة فكنت اتابع واتعقب اية رواية تروى عسى ان احصل على بصيص امل يتعلق بمصير اولادي المخطوفين وقد سمعت الكثير من القصص التي تشيب الاطفال وتقشعر لها الابدان …

وأحدى هذه القصص تقول ان احدى الطائفتين شكلت محكمة شرعية يراسها رجل دين وبحضور جلاوزته كان يحاكم المتهمين وبالعشرات والذين تجمعهم عصابات الخطف بالنهار ليحاكمهم ليلا  ويشاع انه لم يحكم ببراءة أحد فكل من يدخل عليه يخرج وبيده حكم بالموت على الطريقة الاسلامية وفي حينها سمعت ( ولست متأكد من صحة القصة وهل هي حقيقية  أو لا …فليس عندي اثبات او دليل على صحتها ولكني اميل الى تصديقها لكثرة القصص الخيالية والتي تتناقلها الالسن حينذاك والى درجة لا يصدقها عاقل ولكن وكما يقول اهلنا ماكو دخان بلا نار ) والتي تقول احداها ان اولادي حوكموا في هذه المحكمة وامام هذا الحاكم الجائر وفي نفس ليلة خطفهما وحكم بإعدامهما بمحاكمة من المؤكد صورية وباطلة ولم تستغرق الا دقائق ويشاع انهم تعرضوا للتعذيب الجسدي كي يعترفوا بتهم لم يرتكبونها لكي يرتاح ضمير الحاكم الشرعي عند اصدار حكم الاعدام بحق المتهم وسواء اعترفوا او لم يعترفوا فالإعدام مصيرهما (والله اعلم بحقيقة القصة  ووقاعها لأنها عبارة عن شائعات وقصص تروى ولم ارى بعيني شيء ) ..

ومن الغرائب التي حيرتني آنذاك هي ان الكل تخاف الحديث عن تلك الحالات والانتهاكات الانسانية…حتى انني سالت احد معارفي و القريبين من المحكمة وكان من معارفي ايام الشباب واعتقد كان على صلة ربما قريبة بالمحكمة او حاكمها عن مصير اولادي … وفي البداية جاملني وكان  يطمانني بوعود ثبت فيما بعد انها على الاغلب كاذبة …واخيرا صارحني بل صدمني عندما قال ( عمي جوز مني وبعد لا تخابرني بعد ان كان شديد الاحترام لشخصي …وقال بعبارة صريحة …شنو الك عداوة وياي وتريد تموتني ففوجت بهذا القول بل وصدمت وهنا احترمت نفسي وقطعت اتصالاتي الهاتفية به .. وبعد فترة سألت عنه فأحابوني  انه مات ..فطويت صفحته الى الابد ) …

ان جريمة اختطاف اولادي اذلتني بعد ان كنت عزيزا فقد تنازلت الى اناس لا يستحقون ذرة من الاحترام والتقدير عسى ان اجد فيهم شريف يمد لي يد المساعدة ولكنهم لم يفعلوا سوى الكلام ..و اما الناس الاصلاء والخيرين منهم فقد سعوا ولكن حالهم كحالي ففشلوا في الحصول على نتيجة ..  وكان اولادي فص ملح وذاب بالماء …

وسمعت خبرا عن المحكمة المذكورة يقول انها خصصت مقبرتين واحدة للسنة واخرى للشيعة  وطبيعي وبعد هذا السنوات لم اسمع ذكر لهذه المقابر فان كان المحكوم سنيا فيعدم ويدفن في مقبرة خاصة بالسنة وان شيعيا فيعدم ويدفن في مقبرة للشيعة … اي ان هذا الحاكم الشرعي كان كالمنشار رائح عادم المتهم وراجع وهم عادم المتهم ..والغوغاء يهوسون ويصفقون له …فان كان المتهم سنيا او شيعيا فهو في كل الاحوال معدوم وبدون تأخير وفي نفس ليلة الخطف …وبالرغم من مرور اكثر من عشرة سنوات على الجرائم الطائفية التي ارتكبت بحق الابرياء فلا احد في الحكومة يجرأ على فتح ملفاتها … ويشاع (والله اعلم ) ان كثير من هؤلاء الطائفين الملطخة اياديهم بدماء الابرياء اصبحوا ساسة وقادة يصولون ويجولون بحرية ولا أحد يجرأ على محاسبتهم او يقول لهم ( على عينكم حاجب ) ..

ولهذه الاسباب عمت الفوضى في بغداد ..فالناس اصابها الرعب والخوف فكثير من العوائل تركت مساكنها الى مناطق امنة او هاجرت خارج العراق وهربت بجلدها وهناك من غير اسمه فكم من عمر غير اسمه الى عمار وكم من علي حوله الى عليان او حمدان طلبا للحياة في دولة الموت الزؤام . وكم من قصص تناقلها الناس عن عوائل قتلت ابناءها بالخطأ وبسبب الخوف عليهم من القتل ومن حيق لايعرفون يتسببون بقتلهم ….اما كيف ؟؟

فقد اتبع بعض الخاطفين طريقة خبيثة للتحقق  من صحة طائفة المخطوف فكانوا يتصلون هاتفيا بعائلة المخطوف .. ويسألونهم هل انتم سنة ام شيعة ؟؟ ..فان كانت الاجابة لا تتفق مع قول المخطوف فالقتل مصيره وبما ان العائلة وبديهيا لا تعرف طائفة الخاطفين فيجيبون حدسا من الخوف على مصير ابنهم فان اخطأوا بحدسهم  وخالفوا ادعاء ابنهم فالموت مصيره وهنا يأكلهم الندم والشعور بالذنب الغير مقصود اصلا ..

ولنرى وبعد هذه السنوات المؤلمة من دفع ثمن هذه الفتنة …نجد ان من دفع ثمنها هم الابرياء من الطائفتين ونادرا ما تجد عائلة عراقية لم تدفع احد ابناءها ضحية للفتنة الطائفية الملعونة ..ولنلاحظ من قبض ثمن  تلك المجازر وقتل الابرياء ؟؟ …ستجدهم هم أولئك القتلة الذين اججوا الفتنة الطائفية وتلطخت اياديهم بدماء العراقيين الابرياء سواء من اسس للبيت السني او أسس للبيت الشيعي وتربعوا على كراسي السلطة والحكم وبنفس الوقت تجد ابناءهم وعوائلهم  لازالوا احياء وفي نعيم العيش  في خارج العراق او اربيل يتنعمون …

وهنا والان بالذات يجب على كل عراقي شريف ومخلص لشعبه ووطنه ان يدرك ان داعش وغير داعش من القتلة الماجورين ما هم الا نتاج لمعتقلي سجون بوكا وابوغريب والمطار وغيرها من السجون قبل الاحتلال وبعده  … واججتها وغدتها البيوت الطائفية سواء كانت سنية او شيعية …وقريبا وكما تشير كل المؤشرات … فان صفحة داعش العسكرية في العراق ستطوى حتما وربما حتى في سوريا وليبيا ايضا  وستبقى صفحتهم العقائدية وبذور الفتنة الطائفية الملعونة مدفونة في الارض ولحين توفر ظروف الانبات من جديد وستفتح صفحات قذرة لإكمال أبادة شعوب المنطقة وتحت مسميات جديدة وذرائع جديدة …فهل ستسكتون ثانية ؟؟ وتتقبلون القتل والذبح وانتم خامدون صاغرون ؟؟ اما انا ممن احرقتهم نيران الطائفية فأقول لك الله يا شعب العراق …

اللهم احفظ العراق واهله اينما حلوا او ارتحلوا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close