ماذا سيكون حال المناطق المحررة بعد انهيار داعش؟

محمد رضا عباس
من انتاجات داعش في العراق هو تدمير مدن عراقية كبيرة بالكامل , نزوح ما يقارب خمسة ملايين مواطن من اهل المنطقة الغربية , وجرح واستشهاد عشرات الالاف من القوات المسلحة ومن مواطني المدن المحررة . الاحصائيات الحكومية قدرت ان داعش كلف العراق ما يقارب 100 مليار دولار وهي كلفة الحملة العسكرية الحكومية ضده إضافة الى كلف الدمار في البنى التحتية ودور المواطنين. سوف لن يكون صعبا على الحكومة العراقية إعادة بناء المدن المدمرة , وسوف يعود المهجرين الى ديارهم عاجلا او اجلا , ولكن أبناء المنطقة الغربية سوف لن يستطيعوا العودة الى حالتهم الطبيعية ما قبل حملة  التظاهرات والاعتصامات ضد الحكومة التي  ورطهم بها بعض شيوخ الدين و شيوخ العشائر المرتبطين بأجندات  خارجية , والذين هربوا خارج المنطقة الغربية ولم تمسهم حرائق داعش .
لقد خرج مسلحي داعش من المدن الغربية من العراق ولكنهم تركوا شرخ عميق بين مكونات المدن القومية والدينية والمذهبية. سوف لن تندمل جراحات نادية مراد الايزيدية الناجية من اسر داعش سريعا وهي تتذكر أبناء مكونها يقتلون ويأسرون بمعاونة أبناء بلدتها من دين اخر. حيث جاء في اخر تصريح لها ان عناصر داعش قتلوا الالاف من الرجال الايزيديين في سنجار وسبوا حسب عقيدتهم الاف النساء بفتوى امير التنظيم أبو حمزة الخاتوني ,وان العرب السنة في اطراف سنجار تلثموا واخفوا وجوههم و قاموا بتقديم المساعدة للتنظيم عند اجتياحه القرى والمدن. وسوف لن ينسى حسين زين العابدين من قرية البشير والذي شاهد بنات قريته يهتك سترهن وعفتهن من قبل عناصر تنظيم داعش وبمساعدة افراد من أبناء القرية الذين يتدينون بمذهب اخر. وسوف لن ينسى ذلك المواطن المسيحي الذي سلب ماله واحتل داره من قبل تنظيم داعش وبوشاية من جيرانه الذي يتدين بدين مختلف. وسوف لن ينسى ذلك الوالد من قضاء تلعفر الذي اتصل تليفونيا بجيرانه للتأكد عن أحوال ولده الصغير الذي ترك نائم في داره بعد دخول داعش المدينة , فيجيب جاره انه قطع رأس الابن انتقاما من هويته المذهبية .  ستحتاج المدن المحررة من داعش سنوات وسنوات حتى ترجع الثقة بين ابناءها ويرجع السلام والوئام بينهم. ما جرى من جرائم على الأقليات على ايدي تنظيم داعش و مناصروه في المناطق المحتلة يرقى الى حرب إبادة بشرية , تحتاج كل دولة تدعي الإسلام الاعتذار لهم , لاسيما وان تنظيم داعش جاء الى العراق باسم حماية اهل السنة والجماعة .
الموصل , المدينة التي عرفت بتنوع مكوناتها سوف تعاني من مشكلة عدم الثقة بين مكوناتها وسوف تعاني من تكاثر تمركز الأقليات في مناطق محددة بدلا من التعايش بينها وبين المكون الأكبر . المكون المسيحي سوف لن يطمئن بالعيش بعيدا عن المناطق المسيحية. بالحقيقة الكثير من المسيحيين الذين كانوا يعيشون في قلب الموصل اضطروا الى الانتقال الى المناطق المسيحية. هذا ينطبق أيضا على المكون الايزيدي والذي ترك قلب الموصل والتحق الى القرى الايزيدية , وكذلك المكون الشبكي , والكردي , والشيعي في الموصل . ابن الموصل بعد داعش أصبح لا يثق بجيرانه من غير قوميته او مذهبه او دينه وأصبح يفضل العيش بالقرب من مكونه. حالة مؤلمة وغير طبيعية سوف تعاني منها محافظة نينوى لفترة طويلة جدا. سيكون هناك نزاعات مسلحة بين المكونات على المياه , الأرض , والتخصيصات المالية الحكومية للمناطق , وسوف لن يكون سهلا مرور أبناء مكون معين في مدن وقرى مكونات أخرى , وستكون هناك أسواق وتجارة بين المكون الواحد لا بين المكونات . سوف لن يكن سهلا ان يعيش بقال او تاجر مفرد عربي في مناطق كردية او ايزيدية او مسيحية , والعكس صحيح . ولا ان يكون سهلا على مواطن ايزيدي او شيعي ان يتاجر مع مواطن من مكون عربي سني. السياسيين المنفلتين والذين يعتاشون على الازمات السياسية سوف لن يسمحوا برجوع الموصل الى عهدها , يضاف الى ذلك هو الموت السريري لمنظمات المجتمع المدني في العراق و نينوى. رجوع الموصل الى عافيتها يحتاج الى عمل جبار , لا يتوفر رجاله الان .
داعش سبب الانقسام والحقد والكراهية حتى داخل العشيرة الواحدة , حيث هناك اعضاء من عشيرة شمر انتموا الى تنظيم داعش و  ساهموا  بقتل ونهب افراد من عشيرتهم , وكذلك عناصر من عشائر طي , و جبور , وعبيد , و الدليم  . ان من قتل ما يقارب 400 من شباب وكهول عشيرة البونمر العراقية في محافظة الانبار لم يكوموا من الشيشان او الهند او باكستان وانما افراد من عشائر أخرى ومن يعيش بالقرب منهم. ومن كان يهاجم قضاء حديثة في محافظة الانبار لضمه الى دولة داعش المزعومة لم يكونوا غرباء , بل من أبناء المدن القريبة من حديثة . ومن أراد احتلال قرية البشير في كركوك وقتل سكانها هم من أبناء القرى المحيطة بقرية البشير. وعليه فان المطالبة بالدم سوف لن ينتهي سريعا وسوف يحتاج المتهمين بقتل أبناء العشائر الذين لم يساندوا تنظيم داعش ميزانية دول من اجل دفع دية الشهداء والجرحى , ذلك اذا تم الاتفاق على دفع الغرامات المالية .
ستكون هناك المئات بل الالاف من عوائل أنصار تنظيم داعش لا يستطيعون  العودة الى مناطقهم خوفا من قصاص العوائل المعتدى عليها. هناك قرى قد رفضت دخول مثل هذه العوائل وسوف يقضون وقتا طويلا في المخيمات حتى تستطيع الدولة إيجاد حلا لهم. هذه العوائل ستشكل عبئا ماليا على الدولة لأنهم لا يملكون المال الكافي لدفع الفدية لأهل المغدورين على يد ابنائهم او الانتقال الى مدن عراقية أخرى والبدء في حياة جديدة. هذه العوائل سوف تعاني مشكلة كبيرة أخرى لم تكن في حساباتها وهو رفض المجتمع العراقي لهم ولأطفالهم. بالحقيقة , ان هذه العوائل سوف تعاني مرتين مرة من اقصاء المجتمع العراقي لهم نظرا للجرائم التي قام بها أبنائهم ضد الاخرين والمرة الثانية هي الفكر الاقصائي الذي تحمله هذ العوائل ضد الاخرين . لقد كان احد تعاليم داعش لأعضائه هي الكراهية لكل من لا يطابقهم الفكر والتصرف , وهكذا فان أبناء هذه العوائل و بما يحملون من كره للأخرين سوف يشكلون خطرا على السلم الأهلي كلما  تقدم بهم العمر , وفي النهاية سيكون مكانهم الطبيعي القبر او السجن .
داعش سبب أيضا زيادة في فقر العراقيين , وبالأخص أبناء المنطقة الغربية . عندما هاجر ما يقارب 5 ملايين مواطن من دورهم ومدنهم وسكنوا الخيام او العيش في مدن عراقية أخرى تركوا خلفهم اثاث بيوتهم , مدارس أطفالهم , كليات بناتهم واولادهم , واعمالهم . أي اصبح المواطن من المنطقة الغربية بدون عمل لفترة طويلة كافية على القضاء على جميع مدخراته , وبذلك فقد تساوى الفقير والغني في المنطقة الغربية وعانوا سوية  شظف العيش و قساوة برد الشتاء ولهيب الصيف . لقد خسر أبناء المنطقة الغربية على الأقل أربعة سنوات من عمرهم الدراسي , والكثيرون منهم سوف لن يرجع الى مقاعد الدراسة وانما سيكون مكانه السوق وورشات العمل لمساعدة عوائلهم بعد الرجوع الى مدنهم. وعندما يرجع المهجرون الى مدنهم سوف يجد الالاف منهم بيوتهم مدمرة من جراء العمليات العسكرية. ومع تدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية وانعكاساته السلبية على الميزانية العراقية ومع تردد الدول الأجنبية والعربية والإسلامية بفتح خزائنها امام العراق , فان من المحتمل  ان تبقى الدور بدون إعادة بناء وسيضطر سكانها بالعيش تحت سقف غرفة واحدة . ومع غياب فرص العمل , بعد ان دمر تنظيم داعش جميع المشاريع لزراعية والصناعية والخدمية , وبعد ان اضطر الالاف من أصحاب الخبرة من أبناء هذه المدن هجرها خوفا من الانتقامات و الاضطرابات الأمنية بعد التحرير , فان اهل هذه المدن سوف يعانون البطالة و الاعتماد على الخدمات من خارج المدن . أصحاب الامراض المستعصية , على سبيل المثال , سيضطرون الذهاب الى المدن الكبيرة والأكثر امانا لغرض المعالجة وسيضطر ذويهم السكن في الفنادق والتردد على المطاعم , إضافة الى كلف السفر من والى مدنهم.
اقتصاد المدن المحررة سيعتمد على تجارة المفرد والاعمال الفردية , وهي اعمال لا تخلق راس مال كافي في التوسع والازدهار . ومع تدمير البنية التحتية والمشاريع الصناعية والزراعية , فان المواطن من اهل المنطقة الغربية سيبقى فقيرا محتاجا و سيضطر ابناءه , تحت ظروف العازة, الى ترك مقاعدهم الدراسية و اختيار مهن و اعمال لا تكفي في سد حاجاتهم . البعض منهم سيضطر بترك مدنهم والبحث عن اعمال في مدن أخرى , على اكثر الاحتمال , اعمال لا تدر عليهم دخلا يكفي حاجة ذويهم . البعض منهم سينحدر نحو الجريمة , المخدرات , والادمان على المشروبات الروحية . وبدون شك , سوف يحجم  الشباب عن الزواج بسبب العازة المالية وسوف تكثر العوانس بين الفتيات , وسوف تترتب على ذلك الكثير من الامراض الاجتماعية .
المنطقة الغربية سوف تعاني من نقص الاستثمارات لفترة طويلة قادمة. سوف لن يختار أحد المستثمرين بناء مشروع بكلفة عشرة ملايين دولار في منطقة مضطربة امنيا. وسوف لن يختار مهندس معماري  من اهل البصرة على سبيل المثال العمل في مشروع في الرمادي او الصقلاوية او الشرقاط او تلعفر او القيارة او بيجي خوفا من القتل او الخطف. وحتى عمال وموظفي المشاريع الكبرى في المنطقة الغربية ستكون محاطة بمعسكرات من الجيش وبذلك سيحرم أبناء المدن من التعرف على الاخرين وسيحرم أصحاب الاعمال الصغيرة تعامل هذه المشاريع معهم. أبناء هذه المناطق سوف يهاجروها بسبب الضائقة المالية ومن يبقى منهم سيكون معتمدا على ذويه , وبذلك ستكون الكازينوهات هي الأماكن الوحيدة التي يتردد عليها أبناء المدن المحررة بدلا من المتاحف والمتنزهات ودور السينما والمكاتب العامة .
الفقر سيصاحب أبناء المنطقة الغربية بعد طرد داعش اذا بقوا متمسكون بسياسيهم الفاشلين , وعلى اهل هذه المدن طردهم  لانهم هم من وقف وايد وسهل وابتهج بدخول داعش الى مناطقهم , وهم المسؤولين عن جميع الدمار الذي أصاب مدنهم واملاكهم واعمالهم . اهل المدن المحررة يجب عليهم اختيار قادة جدد تحملوا مصائب داعش وحاربوه. ان اختيار قادة وطنيون جدد سوف يسهل التنمية الاقتصادية ويمد الجسور بين المكونات في هذه المنطقة، وهذا كافي بإرجاع عافية هذه المدن مرة أخرى وبشكل أحلى وأبهى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close