الصراعات القبلية في جنوب العراق

الكثيرون يعتقدون ان منشأ الصراعات القبلية في جنوب العراق يكمن في التخلّف ورغبة العنف ، لكنّ الحقيقة تقول غير هذا ، كما ان النظرة السلبية لواقع هذه القبائل ليست صحيحة مئة في المئة .

ان الشريط القبلي الأكثر عنفاً في جنوب العراق يمتد من حدود بلدية الناصرية حتى مدينة القرنة البصرية ، مارّاً بمنطقة الأهوار ، كما يتفرع باتجاه مدينة العمارة ، وهذا الشريط هو تماماً موطن القبيلتين اللتين شكلتا الدولة المزيدية الشيعية في منتصف حكم العباسيين ، وهما بنو مالك وبنو أسد ، فيما كانت العمارة مقراً لورثة قبيلة طي وهم بنو لام .

ان هذه القبائل كانت – ولا تزال بنحو ما – تعتقد ان على عاتقها وظيفة حماية التشيّع ، وهو الممتزج بوطنها العراق ، فكانت قبائل الدولة المزيدية تغطّي المنطقة من جنوب الموصل حتى البصرة ، فيما تغطّي قبيلة بني لام المساحة الممتدة من مدينة العمارة حتى شمال مدينة ديالى على طول الشريط الحدودي الشرقي للعراق .

بالتأكيد نحن جزء من الشريط الملتهب لقبائل بني مالك ، والتي أصبحت عنواناً سيئاً لدى البعض ،لكن الحقيقة أن النظرة العامة تجاه هذه القبائل ليست مبنية على واقع تاريخي واجتماعي سليم .
فهذه القبائل ترجع إلى ( مالك الاشتر ) وبالتالي إلى قبيلة ( النخع ) العربية ، وهي القبيلة التي حسمت معركة اليرموك وكُسر فيها سيف زعيمها ( الاشتر ) حتى زوّج ابنته لمن تبرّع له بالسيف الذي قتل به أحد قادة الروم ، وهم سمّاهم عمر ( العراقيين ) وارسلهم لحسم معركة القادسية ، ومن شدة بأسهم فيها صاهرتهم مختلف القبائل العربية فتزوّجت في القادسية سبعمائة امرأة نخعية حتى صار يُطلق عليهم ( اصهار العرب ) . وفي ثورة المختار خالفت هذه القبيلة موعد الثورة ودخلت الكوفة لوحدها وأسقطت سلطة بني أمية الفعلية فيها . ثم ثارت مع بني المهلب مرة أخرى على بني أمية . وفي منتصف حكم العباسيين كوّنت الدولة المزيدية مع بني أسد ، والتي كان قائد عسكرها الشيخ ( ورّام بن أبي فراس ) جد بني مالك ، والذي اسقط بغداد في زمن السلاجقة . ثم ارجعت هذه القبيلة الجيشين العثماني والفارسي لاحقا . فيما كان أحد أبناءها ( الحاج مهلهل ) الأمير العسكري لجيش إمارة ( المنتفك ) . ونهضت بثورة عام 1919م لوحدها ضد البريطانيين وقبل قيام ثورة العشرين العراقية الشهيرة . ولم تعترف بالسلطة الملكية حتى عام 1954 م . فيما ظلّت منطقة ساخنة ومأوى للمعارضين طيلة حكم البعثيين ، على امتداد أرضها من حدود بلدية الناصرية حتى مدينة القرنة البصرية .
وعند سقوط مدينة الموصل كان سبعون فرداً منهم في قاعدة ( سبايكر) قبل التئام خيل المسلمين .
واخيراً حين هجمت داعش على مدينة النجف الاشرف قبل فترة زمنية قصيرة كان فرع هذه القبائل هناك ( ال ابراهيم ) هو المتصدي تطوّعا .
لذا كل رؤية لا تقوم على فهم ان هذه القبائل قد جُبلت على القتال وحمل السلاح لن تكون نافعة في اقناعها بوقف العنف . فهي تعتقد أن وظيفتها القتال ، لكنها فقدت هويتها الموجّهة جرّاء انحلال المنظومة الدينية التي كانت تدعمها ، وتولّي من لا يعي تاريخ هذه القبائل سدة السلطة الدينية ، وكذلك كثافة الكم التجهيلي الذي تبنته السلطات السياسية طيلة مئة عام .
لذا من الافضل توجيه عنف هذه القبائل ، من خلال انخراطها كمنظومة مميزة داخل المؤسسة العسكرية العقائدية .
كما ان ظلمات الخصخصة لن تُزاح إلا بموقف قبلي – أكثر مما هو مدني – لجموع هذه القبائل بعد تحفيزها.

علي الابراهيمي

[email protected]

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close