تاملات في القران الكريم ح348

تأملات في القران الكريم ح348
سورة غافر “المؤمن” الشريفة
بسم الله الرحمن الرحيم

فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ{14}
تستمر الآية الكريمة ( فَادْعُوا اللَّهَ ) , وحدوه , اعبدوه , ( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) , من الشرك بكل انواعه , ( وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) , توحيدكم وعبادتكم .

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ{15}
تضيف الآية الكريمة ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ) , عالي الدرجات , او رافع المؤمنين في درجات حسب ايمانهم وعزائمهم وموارد ابتلائهم , ( ذُو الْعَرْشِ ) , خالقه ومالكه , ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ ) , روح القدس , او الوحي للرسل والانبياء والصالحين , ( لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ) , يوم القيامة , وسمي بذلك لأنه يوم التقاء اهل السماوات بأهل الارض , وكذلك التقاء المؤمن بالكافر والظالم بالمظلوم … الخ .

يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ{16}
تستمر الآية الكريمة ( يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ) , خارجون من قبورهم , ( لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ) , لا تخفى اعيانهم واعمالهم واحوالهم عليه جل وعلا , ( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) , سؤال فيه وجهات نظر متعددة ومختلفة , يرى البعض ان الملائكة سيطرحون هذا السؤال على اهل المحشر , او انه من سياق كلامه عز وجل يسأل ويجيب جل وعلا ( لِلَّهِ ) , حيث لا يملك اهل المحشر من امرهم شيئا كما كانوا في الدنيا , ( الْوَاحِدِ ) , الذي لا يعد وليس له نظير , ( الْقَهَّارِ ) , الذي قهر جميع الخلائق .

الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ{17}
تستمر الآية الكريمة ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) , لكل امرؤ ما عمل , ( لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) , فيعاقب المذنب بذنوب غيره , ولا ينقص من ثواب المؤمن شيء , ( إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) , فيحاسب جميع الخلائق في مدة قصيرة , يروي بعض اصحاب الرأي انه نصف نهار .

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ{18}
تضيف الآية الكريمة مخاطبة الرسول الكريم محمد “ص واله” ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ ) , حذرهم , خوفهم من يوم القيامة , وسمي بالآزفة لقربه , ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ) , بيانا لشدة الهلع والرعب الذي ينتابهم فيها , ( كَاظِمِينَ ) , مغمومين مكروبين , ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ) , محب , مشفقا عليهم , ( وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) , ولا شفيع تقبل شفاعته فيهم .
( اورد عن النبي صلى الله عليه وآله كفى بالندم توبة وقال من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن فإن من لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالما والله تعالى يقول ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) .”تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ{19}
تضيف الآية الكريمة مبينة مؤكدة انه جل وعلا يعلم :
1- ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ) : استراقها النظر الى كل ما حرم .
2- ( وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) : ما اضمرته القلوب .

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{20}
تضيف الآية الكريمة مبينة ( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) , بالعدل , ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) , من الاصنام وغيرها , ( لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) , لا يملكون شيئا من ذلك , ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ ) , لأقوالهم ولكل صوت , ( الْبَصِيرُ ) , بأفعالهم , والنص المبارك ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ ) فيه ثلاثة موارد :
1- تقرير بأن الله تعالى يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور .
2- وتضمن وعيدا للكفار لعلمه جل وعلا بما يقولون ويفعلون .
3- ابطالا وتهكما بما يدعون من اصنام وغيرها .

أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ{21}
تستمر الآية الكريمة في مزيد من البيان ( أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) , ألم يتنقلوا في الارض بمسير قوافلهم التجارية , ( فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ) , فعاينوا وشاهدوا اطلال ما تبقى من مدن الامم السابقة , حيث ( كَانُوا ) , تلك الاقوام :
1- ( هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) : اشد قوة وتمكنا من اهل مكة .
2- ( وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ ) : فبنوا القلاع والمدن المحصنة والمصانع والقصور , ما يعجز عنه اهل مكة .
( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ) , فعاقبهم الله تعالى بسبب كفرهم وتكذيبهم رسله , ( وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ ) , يمنع عنهم العذاب .

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ{22}
تمضي الآية الكريمة قدما ( ذَلِكَ ) , الاخذ بالعذاب كان سببه ( بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ) , كل امة منهم كانت تأتيهم رسلهم بالدلالات الواضحات والحجج والبراهين الساطعة , ( فَكَفَرُوا ) , برسلهم وما جاؤوهم به , ( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ) , بالعذاب , ( إِنَّهُ قَوِيٌّ ) , متمكن من فعل ما يريده غاية التمكين , ( شَدِيدُ الْعِقَابِ ) , أي عقاب وعذاب دون عذابه وعقابه لا يكون الا قليلا .

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ{23}
تنعطف الآية الكريمة لتضيف ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا ) , المعجزات , ( وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) , وحجج قاهرة .

إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ{24}
تبين الآية الكريمة الجهات التي ارسل لها موسى “ع” ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ) , ملك مصر ووزيره , ( وَقَارُونَ ) , صاحب الكنوز والاموال , ( فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) , فلم يؤمنوا به “ع” بل اتهموه بالسحر والتكذيب .

فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ{25}
تبين الآية الكريمة ( فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا ) , حين بلغهم بصدق ما ارسل به “ع” , ( قَالُوا ) , فرعون وقومه :
1- ( اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) : الذكور من الاولاد .
2- ( وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ ) : واستبقوا نساءهم للخدمة واعمال اخرى .
( وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ) , يقرر النص المبارك ان مهما كان كيد ومكر الكافرين فأنه يضيع ولا يقر .

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ{26}
تروي الآية الكريمة ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ) , تكبرا ومزيدا من الغطرسة :
1- ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ) : كان فرعون يريد قتل موسى “ع” , لكن ملائه كانوا يمنعونه معللين ذلك بأنه مجرد ساحر , وقتل الساحر يعني الهزيمة امام حيله والاعيبه , فبقتله يتبين عجزك عن معارضة حججه .
2- ( وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) : ليمنعني منه .
3- ( إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) : ان لم اقتله فأني اخشى ان يبدل ما انتم عليه من عبادتي .
4- ( أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) : ما يفسد دنياكم وبلدكم بالقتل والتفرقة … الخ .
( عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الآية ما كان يمنعه قال منعته رشدته ولا يقتل الأنبياء ولا أولاد الأنبياء إلا أولاد الزنا ) . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ{27}
تروي الآية الكريمة على لسان موسى “ع” ( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم ) , اني استجرت واعتصمت بالله تعالى الذي هو ربي وربكم , وكان ذلك حين سمع تهديد فرعون بقتله , ( مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ) , طاغ , ( لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) , القيامة .

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ{28}
تنعطف الآية الكريمة لتسلط الضوء على رجل يخفي ايمانه فتروي على لسانه ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) , قيل هو ابن عمه او ابن خاله , واسمه حزقيل , ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) , يخفي ايمانه تقية , ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) , أتريدون قتل رجل لا لشيء الا لأنه يقول ربي الله , ( وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ) , بالمعاجز الظاهرة , ( وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) , ان كان كاذبا فضرر كذبه لا يكون الا عليه , قال ذلك من باب الاحتياط , كي لا يشكو في ايمانه , ( وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) , اما ان كان صادقا في دعواه لعل ان يصيبكم اقل ما يعدكم به , ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) ,” قيل احتجاج ثالث ذو وجهين أحدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله الى البينات ولما عضده بتلك المعجزات وثانيهما أن من خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم وعرض به فرعون بأنه مسرف كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب” – تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني – .
( عن الصادق عليه السلام التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له والتقية ترس الله في الأرض لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الاسلام لقتل ) . “تفسير الصافي ج4 للفيض الكاشاني” .

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ{29}
يستمر كلام مؤمن آل فرعون في الآية الكريمة ( يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ) , عالين , غالبين في مصر , ( فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا ) , فلا تتعرضوا لعذاب وعقاب الله تعالى بقتل موسى “ع” , فانه لا ناصر لنا منه , ويلاحظ ان مؤمن آل فرعون ادرج نفسه معهم في جملة خطابه , كي يشتت اذهانهم فيتوقعون انه منهم ناصحا لهم ليس الا , لكن فرعون كان مصرا على صواب رأيه ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ) , اشير عليكم بما أرى وهو قتل موسى “ع” , ( وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) , ولا ارشدكم الا الى طريق الصواب بقتله والقضاء على دعوته .

حيدر الحدراوي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close