خمسون هزيمة وهزيمة!!

من عجائبنا العربية أننا ما صدّقنا بأننا إنهزمنا حتى تشبثنا بالهزيمة وأمعنا بالإستثمار فيها وتوليدها هزائم تلو هزائم , فصارت أيامنا وأحوالنا دائرة مفرغة من الهزائم والمظالم.
وكأن المجتمعات والأمم والشعوب لا تنهزم , وإن إنهزمت فيعني الموت والفناء والإستنقاع بالهزائم المتواليات.

أ لم تنهزم اليابان , والصين وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنكلترا , وغيرها من دول العالم المتعددة؟!

والجواب: نعم إنهزمت , لكنها لم تستكنْ للهزيمة , وإنما إنطلقت متحدية في مشوارها الوطني وتفاعلاتها الحضارية , وتتدارست الهزيمة بعلمية وموضوعية ووضعت المعالجات لعدم تكراراها والنهوض منها نحو آفاق الإنتصار.

فالهزيمة ليست طامة كبرى كما يتصورها العرب ويمعنون بتكريسها وتدمير ذاتهم وموضوعهم بسببها , الهزيمة تحفز القدرات والقوة على النهوض الأعظم والإنطلاق الأسرع والأروع.

فالمجتمعات عندما تنهزم تحسب ذلك كبوة ولا تتوهم بأنه نهايتها , بينما العرب لايزالون يرتلون آيات الهزيمة حتى تراكمت عليهم الهزائم في جميع ميادين الحياة , وما عادوا سوى مستهلكين , بل أصبح تسويقهم للعالم على أنهم قنابل موقوتة , أو أباليس حياة , وأعداء حضارة ومدنية لأنهم مندحرون في عصور الظلمات , وفي الأجداث ينجحرون.

لماذا هذا الإمعان في السلوك الهزائمي؟!
إذ تجد المفكرين قد كرسوا مفهوم الهزيمة وكتبوا الكثير من الكتب والدراسات , التي يشرحون فيها أحوال العرب ويقرنوها بالهزيمة التي حصلت قبل نصف قرن , وكأنها القشة التي قصمت ظهر البعير.

فالمفكرون تمحوروا حول موضوع الهزيمة أو النكسة وغيرها من التسميات , وما قدموا صورة مغايرة لهذه النمطية في التفكير والقولبة الموميائة , الممعنة بالذل والهوان والشلل ومصادرة الإرادة والمصير.

فكلما توجه المفكر  نحو موضوع ذهب إلى إقرانه بالهزيمة , وما يجري اليوم يتم ربطه بما حصل قبل نصف قرن , وكأن الدنيا متصلدة وجامدة وما تغيرت وما تبدلت الأحوال من حال إلى أسوأ حال.

وهذا السلوك المترسخ المتكرر في الوعي  هو الذي جلب الهزائم الفتاكة التي حلت بالعرب وما توقف ناعورها , بل أنها في ذروتها منذ بداية القرن الحادي والعشرين الذي يمضي في ضراوته المتعاظمة , والعرب ينوحون ويلطمون ويتظلمون , وينادون إنها الهزيمة , وأنها النكسة التي حلت بنا وأقعدنا وعوقتنا وأخرجتنا عن سواء السبيل.

فإلى متى يترنمون بالهزائم ويعيشونها حيةً كل يوم؟!!
وإلى متى يتحدثون بلغة النكسة ومناهج الهزيمة؟!

إنه الألَس الأكبر لو كنتم تعلمون!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close