مواعظ المنابر .. أمطار في المقابر

فؤاد المازني
الموعظة في معانيها العامة وبتفاصيل مفرداتها وتشعباتها تنحصر إجمالآ بكل ما يُوعَظ به من نصح وإرشاد في قَوْل أو فعْل وتذكير بالواجبات ودعوة إلى السّيرة الحسنة ، وإتعظ الشخص أي قبل الموعظة وعمل بها وإتخذها درسآ في حياته ولا شك بأن الموعظة الحسنة هي ما يتطلع اليها الفرد المدرك لكل ماهو حسن وجميل وتتوافق مع عقله السليم وفكره الناضج  ليجعلها منهجآ يؤدب ذاته عليها ويسير على تعاليمها ولا يحيد عنها ليتطبع بها وتنعكس بأفعاله على مجمل حياته الخاصة والعامة ، وبما أن المجتمع يتشكل في إطاره العام من مجموعة الأفراد مع بعضهم البعض فعليه تكون المحصلة للمجتمع مكتسب لدرجة عالية من الإدراك المتقدم ومتطلع الى الرقي نحو الأفضل بكل ماهو حسن وجميل ليتنعم الإنسان بحياة تتناسب والغاية من وجوده في هذه الدنيا وتضفي على المجتمع نسائم الإنسانية من التآلف والتعاون وحب الخير للجميع وحركة الأفراد المفعمة بالنشاط والحيوية متأطرة بالأمانة والإخلاص والصدق في القول والعمل وحالة من الإستقرار والطمأنينة والسلام والآثار الواضحة للسعادة  والرفاهية في البلد . المنافذ التي تطل منها  المواعظ كثيرة والبوابات التي تنتشر منها أكثر ويعتبر المنبر المتعارف عليه في العالم الإسلامي والعربي بالعموم والعراقي بالخصوص أحد أهم وأقدم مكان للوعظ المتجذر في عمق تاريخ الأمة كان ولا يزال حتى اليوم مكتسب قدسية عند الأغلبية وإن إختلفت مذاهبهم وإختلفوا على ضوءه مايطلقونه على هذا الرمز مابين منبر الوعظ والإرشاد ومنبر الجمعة ومنبر الدرس منبر الحوزة والمنبر الحسيني وغيرها من المسميات ، ويمكن القول بأن هذه المنابر لا تكاد تفرغ في أي وقت وفي أي مكان من رجالات الوعظ بين الدول وداخل البلد الواحد لإختلاف الأزمنة وتعدد وتنوع المناسبات وتكرارها وإنتشار وتنوع المدارس الدينية وكذا الحال بالنسبة الى أوقات الصلاة المفروضة وعلى ضوء ذلك أصبحت هذه المنابر مشغولة حد التخمة فمنها يومية ومنها إسبوعية ومنها شهرية إضافة الى خصوصية بعض الأشهر كشهر رمضان المبارك الذي تزخر فيه عموم مساجد المسلمين وأماكن عبادتهم بالنصح والإرشاد والموعظة الحسنة حد الثمالة وإستذكار كل ما يتصل بها من رغبة ورهبة وثواب وعقاب مستندين في كل الطروحات من كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة النبي الأكرم محمد (ص) وأهل البيت (ع) والصحابة والتابعين والأولياء والمأثور من الأقوال والحكم والشعر والمراثي وو.. نظرة ثاقبة الى الوضع العام لهذه الدول والعراق بشكل خاص يتبين أن منابر ومجالس الوعظ في واد وأغلب الشعب ومن يحكمه في واد  ولا يتعدى أغلبها سوى جعجة بلا طحين فمع هذه الكثرة والتزاحم والتكرار لكن يكاد يكون جلها ضجيج بلا حجيج وزرع بلا ثمر وكلام يخاطب به الموتى و أمطار في المقابر ، وإلا ما نفع هذه المواعظ وكل يسرق على شاكلته ويدافع عن صنمه ولو كان واعظآ حتى أصبح الفساد السمة الظاهرة للبلد ويتربع على عرش الفاسدين والمفسدين في الأرض وأصبح الصدق والأمانة والإخلاص والوفاء صفات من الماضي والرشوة والمحسوبية والتزلف للسلطان ومحاباة الباطل بصمة الحاضر والكذب والرياء والنفاق نكهة التعامل ونصف الشعب تحت خط الفقر وتصاعد وتيرة الأرامل والأيتام والمعوزين وخيمت البطالة على أغلب الشباب ، والنصف الآخر من الشعب إما بلا مبالاة ما دام مستفيد وإن كان سحتآ ويجري وراء فتات موائد الظلمة الذي نهبوا ثروات البلاد أو يغط في سبات عميق منتظرآ ساعة أجله . ومن الجدير بالذكر أن بعض الدول تنعدم فيها هذا المنابر على الإطلاق ولا يكاد يعرف إسمها قبل رسمها ولكن شعوبها تنعم بوافر كبير من التطبيقات العملية لمفاهيم المواعظ الحسنة وتتربع على عروش الخصال الحميدة ومكارم الأخلاق وفي قمم التقدم الحضاري وأعلى سلم الشفافية العالمية ومصداق للصفات النبيلة كالصدق والأمانة والإخلاص وحب الإنسانية وووو..  وليس في أبجدياتها نزعات الرغبة لنعيم مابعد الموت أو الرهبة والخوف من عقاب أخروي فشعوب كثير من الدول تؤمن بأن الوطن وخيراته للجميع والمعتقد بين الفرد وبين الإله الذي يتعبد به ولو كان بوذا…

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close