العصبية من طبع العراقيين

العصبية من طبع العراقيين
نوري جاسم المياحي
هناك اسئلة تبرز على لسان اي انسان عاقل ولاسيما في مجتمعنا العراقي الذي انتشر فيه التخلف وبالتالي عن سبب تنامي التعصب الاعمى والانفلات والتمرد والتجاوز على القانون عند الافراد. والجماعات.. بحيث تدفع الانسان لكي يفرض القانون بنفسه فيلجأ بعض الاحيان الى استخدام السلاح ويقدم على جريمة القتل …فمن المسؤول ؟؟ الشخص ذاته او المجتمع ام الدولة ؟؟
و هذا سؤال يحتاج الى اجابة ..
فلنرى ما الذي يجعل الانسان الطبيعي الواعي المثقف والهادئ الحساس والمسالم ان يتحول فجأة وبلا سابق انذار الى وحش وربما قاتل ؟؟ ومنفلت ويقدم على استخدام سلاحه ليقتل بشر ؟؟
الدافع الذي جعلني اطرح هذا الموضوع للمناقشة ..هي ظاهرة نشوب النزاعات العشائرية والتي تؤدي الى صدام مسلح وقد يؤدي الى وقوع قتلى وجرحى …ونرى الكثيرين من ابناء العشائر يشاركون بالصراع المسلح ..لا لشيء سوى فزعة وحمية ونخوة لأبناء عشيرته ؟؟ ومن لا ينتخي وتصعد عنده الغيرة والحمية والنخوة يعتبر عار على العشيرة
ويعرف العراقيون وممن يتابعون الاخبار المحلية ..ففي كثير من الاحيان تتسرب الى الاعلام اخبار النزاعات العشائرية بالرغم من محاولة الحكومة طمطتها لأنها تسيء الى سمعتها. فبين يوم واخر نسمع خبر نزاع عشائري حدث في مدينة الصدر او البصرة او العمارة بين العشيرة الفلانية والعشيرة الفلانية وسقط على اثره قتيلين وسبعة جرحى او اكثر او اقل …
وهذه الظاهرة لها اسبابها ويجب التصدي لها بفرض سلطة القانون والعدل على الجميع وكي لا يضطر المظلوم ان يأخذ حقه بيده وبالتالي يجر عشيرته الى موقف لا تحسد عليه …وهنا تبدأ عملية الثأر والثأر المقابل .. هذه الظاهرة كانت موجودة قبل الحكم الوطني واختفت او قلت خلال القرن الماضي ..و انتعشت من جديد بعد عام 2003
أي باختصار نجد نزاع شخصي وفردي يتحول الى نزاع جمعي ..وهذا ما ينطبق على النزاعات العشائرية ..والحقيقة المرة والتي يجب ان نعترف بها ..ان السبب هو ضعف السلطة الحكومية وغياب سلطة القانون … ودائما تجد هناك معتدي ومعتدى عليه ..ولاسيما عندما يتجاوز المعتدي حدوده ..فليس امام المعتدي عليه الا الدفاع عن نفسه وحماية حقوقه ..وبعد ان يقع الضرر والمحظور .. والفأس بالراس كما يقال .. فهل يمكن ان نلوم هذا الانسان للجوئه لأخذ حقه بيده ؟؟؟ بالتأكيد لا ..لانه مضطر وليس مخير ..حسب العرف العشائري العراقي ..
انا شخصيا تربيت في بيئة علمتني على عدم الركوع للظالم والمعتدي مهما كانت النتيجة ولو انني لم اضطر يوما ما سابقا لأخذ حقي بيدي والسبب بسيط وهو ان الدولة كانت قوية ومتى احتاج للحماية الجا اليها والى القانون والدولة وهي التي تنصفني وتحميني اما اليوم فلا مفر من اللجوء لنفسي أوللعشيرة أو للمرتزقة لحمايتي والدفاع عن حقوقي ما دامت الدولة عاجزة عن حمايتي … وفي هذه الحالة انا مضطر وليس مخير ..
وهذا الكلام لا ينطبق علي شخصيا بالذات وانما ما دفع بكل العراقيون اليوم للاحتماء بالعشيرة او بالمرتزقة او بالمنظمات المسلحة..فلا يوجد انسان بدون عشيرة ..ولهذا تعاظمت سلطة العشائر ..وهذا حق فرضته الحكومة وليست العشيرة ولا تلام العشيرة عليه …فحق الدفاع عن النفس مكفول وحق مشروع ..شرعا وقانونا ..
ولا اعتقد ان اهلنا حفظونا عبارات واعتقد انها كانت غلط واصبحت صحيحة في مجتمع الفلتان الحالي ( الموت واجب على الرجل دفاعا عن دينه وماله وعرضه ) وهذه العقلية نابعة او متوارثة من المتوارث البدوي للشعب العراقي … ومن الاقوال المبررة لمثل السلوك في المجتمع العراقي …القول الشعبي الذي يقول ( شنو اللي يجبرك على جرع المر غير الامر منه ) … و( الحائط النصيص يا هو اللي يجي يصعده ) و (ان لم تكن ذئبا اكلتك الكلاب ) وكم سمعنا …احدهم يقول للأخر ( لا توازيني على الغلط ) …اي لا تجبرني على عمل لا ارضاه لنفسي ..فان كان الخصم عاقلا وواعيا ومنصفا ؟؟ فهو يستجيب لرجاء خصمه .. ويا دار ما دخلك شر .. ويحل النزاع بالمعروف …
ولكن ماذا لو اصر المعتدي على تجاوزاته وتحديه …فهل يقول له المعتدي عليه ( انتظرني اروح اصيح لك امي ) فان كان ( اخو اخيته كما يقول العراقيون ) فبالتأكيد سيتصدى له ويرد الصاع صاعين و سيخرج الموقف عن العقلانية … هذه طبيعة العراقيين ومن لا يعرفها فليعرفها ..والبعض يطلق عليه (دمه حار وراسه حار ) …وهذا الاستفزاز ما يسمى باللهجة البغدادية ( الوزة ) .. أي الاستفزاز ..
وعندها يقع ما لا تحمد عقباه لان من طبيعية العراقي كما يطلق عليها ( العصبية ) أي سريع الغضب وفقدان السيطرة على النفس والهيجان ..كهيجان الثور في مصارعة الثيران الاسبانية ..لا يلوي على شيء ولا يلتفت الى وراءه وليكن ما تكون العواقب …ونتيجة الاعتماد على النفس بالدفاع عن الحق نجد ان احدهم دخل القبر والاخر دخل السجن …والخاسر الوحيد هو المجتمع وقد تلجأ العشيرة لحماية نفسها وابنها …والتخفيف من النتائج المحتملة …بشكل او اخر .. وهنا اسال نفسي هل من بين جينات الثور الاسباني جين عراقي ؟؟؟
ولتوضيح هذه الظاهرة الاجتماعية المعقدة نسبيا والمؤذية للمواطن ولعشيرته وللمجتمع …نجد انها بسبب ما يلي
1- ضعف النظام السياسي العام في البلد وكما يعلم الجميع انه مبني على المحاصصة الطائفية
2- الهيمنة الاجنبية على القرار الداخلي واستلام السلطة من قبل قيادات واحزاب لا تهتم الا بمصالحها الذاتية
3- غياب سلطة القانون …
4- انتشار ظاهرة الفساد في كل نواحي الحياة …
5- تبني الاحزاب الحاكمة لفلسفة الاعتماد على مليشيات مسلحة تحميها …
6- اتباع سياسة شراء الولاء وعلى الكم لا على النوع ..
7- الانفجار السكاني الغير مسيطر عليه ..
8- البطالة وما يترتب عليها من ماسي اجتماعية ..
9- انتشار ظاهرة الجريمة المنظمة …
10- التخندق الطائفي بين شرائح واسعة من الشعب …
11- انتشار السلاح بين ايدي المواطنين خارج سيطرة الدولة …
12- الارهاب الداعشي والماعشي واخواته واخوانه والذي لم يترك جريمة بشعة الا وارتكبوها فقست القلوب وفسدت النفوس وجراءتها على التمادي في التجاوز على حريات واموال واملاك الاخرين ..فتحول الانسان الجبان الرعديد الى اشجع الشجعان وفارس بني زربان ..
13- قد تكون لجغرافية العراق الصحراوية الحارة والجافة تأثير على سلوكية واعصاب العراقيين ولاسيما في غياب الكهرباء
من هنا اجد ان المسؤولية الادبية والانسانية وحماية الفرد والمجتمع كلها تقع على عاتق الدولة وعليها معالجة كل السلبيات المذكورة اعلاه بالطرق العلمية والحضارية وليست بشن الحملات العسكرية التاديبية ضد العشائر كما يحدث الان فتزيد الطين بلة …اي عالج الاسباب والدوافع وليس معالجة النتائج واهمها سلطة القانون الرادع ومعالجة السلبيات اعلاه ولكي تردع المتجاوز وبنفس الوقت تحمي المواطن من اللجوء الى العشائر لتحميه والاهم من كل هذا توفير الامن الاجتماعي والامان النفسي من خلال توفير الاجواء المناسبة للعشائر لكي تلعب دورها الانساني بعيدا عن النزاعات والاحتراب العشائري …وهذا ما يحقق للشعب العراقي وطن حر وسعيد ..
اللهم احفظ العراق واهله اينما حلوا او ارتحلوا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close