أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السّنةُ الرَّابِعَة (٢٦)

نــــــــــزار حيدر

{قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}.

لماذا اعتقدوا مقدِّما بأَنّ أَباهم لا يُصدِّق رِوايتهُم؟!.

عندما يعرفُ المتحدِّثُ بأَنَّهُ يكذِب! ويعرف المُتلقِّي بأَنَّ المتحدِّثَ يكذِبُ! وقتها لا يمتلكُ الأَوَّل أَيَّة وسيلة للإقناع!.

متى؟!.

إِذَا يكرِّرُ الكذِبَ حتَّى يصبح جزءاً من شخصيَّتهِ وسلوكهِ! فعندها لا يصدِّقهُ النَّاس حتَّى إِذا حلف بأَغلظِ الأَيمانِ! وهو أَسوء ما في شخصيَّة المرء، عندما يعرِّفهُ المجتمعِ بأَنّهُ كذَّابٌ لكَثرةِ ما يتحدَّث فيكذِب وينقل على لسانِ الآخرين ويكذِب ويَعِدُ فيكذِب!.

ومن خلالِ إِستقراء آياتِ القرآن الكريم نلحَظ ما يلي؛

أَوَّلاً؛ إِنَّ تعمُّد الكذِب وتكرارهُ يعقِب النِّفاق! كما في قولِ الله تعالى {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.

وإِنَّ خلْف الوعد والكذِب توءمان يُعقبان النِّفاق في الشَّخصيَّة! وهذا ما نلمسهُ اليوم كثيراً عند السياسيِّين! فلكَثرةِ ما وعدوا النَّاخب ثم أَخلفوا ولكَثرة تكرارِ أَكاذيبهُم في خطاباتهِم وأَحاديثهِم ووعودهِم خاصَّةً في فترة الحمَلات الانتخابيَّة، لذلك لازمَ النِّفاقُ شخصيَّتهم! وبدا عليهِم إِزدواج الشَّخصيَّة! ولم يعُد بإِمكانهِم التخلُّص من هذه الحالةِ فهم اليوم مصداق قول الله تعالى في الآيةِ الكريمةِ آنفةِ الذِّكر!.

ومن جانبٍ آخر نلاحظُ أَنَّ المواطن لم يعُد يصدِّقهُم لكثرَة ما كذبوا عليه! حتَّى باتَ النَّاخبُ يشكِّك في كلامهِم ويستهزئ بحركاتهِم وسكناتهِم و [نشاطاتهِم] خاصَّةً من الآن الى أَن يحينَ موعد الانتخابات النيابيَّة القادِمة في ربيع العام القادِم!.

لقد تعوَّد المواطنُ على أَكاذيبهِم ونشاطاتهِم البهلوانيَّة الاستعراضيَّة في الفترةِ التي تسبق الانتخابات عادةً! ولذلك تراهُ اليوم يستهزئ بصُور نشاطاتهِم خاصَّةً في المواسِم العباديَّة! لانَّهُ يعرف بأَنَّها إِستعراضيَّةٌ وليست حقيقيَّةً! وإِلّا بماذا تُفسِّر ظاهرة إِطِّلاع المواطن على أَسماء نوَّاب وسياسيِّين لأَول مرّةً خلال هذهِ الفترة فقط وتحديداً؟! أَو تكرارها في الاعلامِ بشَكلٍ غير معقول الآن تحديداً؟! أَينَ كانوا طُوال الفترةِ المُنصرمةِ؟! ولماذا ينشطُون الآن تحديداً؟! أَلا يعني نشاطهُم المحموم الآن دِعايةً إِنتخابيَّةً مبكِّرةً مثلاً؟!.

ثانِياً؛ أَمَّا السياسيُّون أَنفسهم فهم كذلك يعرفون جيِّداً بأَنَّهم يضحكونَ على ذقونِ بعضهِم البعض الآخر حتَّى إِذا جمعتهُم موائدَ الإفطار والنَّدوات العامَّة ومجموعات وسائل التَّواصل الاجتماعي! {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} فالمتكلِّمُ يعرفُ أَنَّهُ يكذبُ! ويعرفُ أَنَّ الذي يُصغي إِليهِ يعرفُ بأَنَّهُ يكذِب! وأَنَّ المُستمعَ يعرفُ جيِّداً بأَنَّ المُتكلِّم الذي يُصغي اليهِ يكذبُ! وهو يعرفُ أَنَّهُ يعرفُ بأَنَّهُ يعرفُ أَنَّهُ يكذِب! ومع كلِّ ذلك تراهُم يُحدِّثُ بعضهُم البعض الآخر ويُصغي بعضهُ للبعضِ الآخر! ولذلك فالنَّتيجة صِفر! فلا إِجتماعاتهم تخرج بنتيجةٍ ولا وثائق الشَّرف التي يوقِّعونها بين الفترة والأُخرى تُنتجُ حلّاً أَو مشروعاً حقيقيّاً ينفعُ النَّاسِ! ولا تسوياتهُم التَّاريخيَّة التي هي في حقيقتِها مشاريع خيانة لدماءِ الشُّهداء من أَجْلِ تصفيرِ الأَزمات فيما بينهُم لانتاجِ تصفيرِ المسؤوليَّة بشَكلٍ طبيعيٍّ! تُنتج أَمناً أَو إِستقراراً أَو أَيَّ شيءٍ آخرَ ينفع البِلاد والعِباد!.

لقد خسِرَ السِّياسيُّون الكثير من قيمتهِم واعتبارهِم بسببِ تعمُّدهِم الكَذِب على النَّاسِ! فما بالُك إِذا اكتشفَ المرجع الأَعلى مثلاً أَنَّ واحِداً منهم على الأَقلِّ يكذبُ عليهِ؟! تُرى؛ هل تبقى لَهُ قيمةٌ؟! هل يبقى من بهائهِ شيءٌ؟! أَلم يقُل الامام جعفر بن محَّمد الصَّادق عليه السَّلام {كثرةُ كذبِ المرءِ تُذهِبُ بهاؤُهُ}؟!.

للأَسف الشَّديد فانَّ هؤلاء أَفسدوا كلَّ شيءٍ بسببِ تعمُّدَهم الكذِب المتكِّرر! حتَّى باتَ المواطنُ يتعامل مع الكذِب كأَصلٍ في حديثهِم ما لم يثبُت العَكسِ! وصدقَ أَميرُ المؤمنين (ع) الذي يقولُ {الكَذِبُ فَسادُ كُلَّ شَيْءٍ} خاصَّةً على صعيدِ الشَّأن العام! وهذا هو الشَّيء الذي أُبتلينا بهِ في الْعِراقِ الجديد!.

ثالثاً؛ يبقى أَن ننتبهَ الى حقيقةٍ في غايةِ الأَهميَّة بهذا الصَّدد، والتي نستوحيها من حديثِ رسول الله (ص) {حَسْبُكَ مِنَ الكَذِب أَن تُحَدِّثَ بِكِلِّ ما سَمِعْتَ} وهي الصِّفة المُنتشرة اليوم في المجتمع من خلالِ تناقُل كلَّ ما يصلنا عبر وسائل التَّواصل الاجتماعي بلا تمحيصٍ أَو تثبُّتٍ أَو حتَّى التأَكُّد ما اذا كان الذي أَتسرَّعُ في نشرهِ وتوزيعهِ على الآخرين فيه أَيَّة فائدة تُذكر للمتلقِّي ومن أَيِّ نوعٍ كان! أَم أَنَّها مجرَّد إِثارات وفوضى ونشر غسيلٍ قذرٍ وما أَشبه!.

فكما نعرف فانَّ العاقل ليس هو الذي يميِّز بين الصِّدق والكذِب من القولِ وإِنَّما هو الذي يميِّز بين صدقَين أَحدهما مفيدٌ والآخر مُضِرٌ! وهو الأَمرُ الذي نفتقدهُ في وسائل التَّواصل الاجتماعي وللأَسف الشَّديد! ولذلك تراها تعجُّ بالأَكاذيب والفبركات المُثيرة، من جانبٍ، وتمتلئ بكلِّ ما هو غير مُفيد خاصَّةً على صعيدِ الحَرْبِ النّفسيَّة وَنَحْنُ نخوضُ أَخطر حربٍ ضدَّ أَقذر جماعات تكفيريَّة مسلَّحة! من جانبٍ آخر.

٢٠ حزيران ٢٠١٧

لِلتّواصُل؛

‏E-mail: nazarhaidar1@hotmail. com

‏Face Book: Nazar Haidar

‏WhatsApp & Viber& Telegram: + 1

(804) 837-3920

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close