توقيت الإستفتاء في الإقليم

الذين كتبوا عن الإستفتاء, المُزمع إجرائه في الخامس والعشرين من أيلول هذا العام,ينقسمون إلى تيارين أحدهما مؤيِّد بقوة لإجرائه في هذا الموعد ولهم أسبابهم المنسجمة مع أصحاب القرار في أربيل. والتيار الثاني يؤيد حق الأكراد في الإنفصال ويبدي إعتراضه على توقيت هذا القرار نظراً للظروف التي تمر بها ( بلادنا).

الطرفان يؤيدان حق الأمم في تقرير مصيرها, وإذا نظرت إلى حجج التيار الأول ستجد قائمة من اللوائح الدولية التي تُجيز هذا الحق, يلي ذلك إستدارة إلى الداخل فالمظلومية التأريخية للشعب الكردي من قبل الحكومات المركزية, ولم تتوقف المظلوميات عند حدود ( الأنظمة) بل يتوسع الأمر ليشمل القومية والعنصرية والمذهبية…إلخ.

الذين أبدوا تحفظهم على القرار ينطلقون من ( عدم ملائمة الظروف العراقية والدولية) لمثل هذا القرار, حيث يمر العراق بمرحلةٍ صعبة وهو يقاتل داعش وقد أشرفت المعركة على النصر للعراق, ونعتقد أن هؤلاء على خطأ كبير, فالتوقيت جاء محسوباً بدقة الأيام وتسلسل الحوادث كما سنرى:

– المعركة مع داعش ستُحسم في غضون أسابيع قليلة- قدّرها أصحاب الإستفتاء بشهر تموز على الأبعد – بعد ذلك ستتفرغ القوات المسلحة العراقية لتطهير المناطق الموبوءة بالإرهاب, وإعادة النظر بالمناطق المسماة ( متنازع عليها)- لاحظوا الثغرة الدستورية في التعبير- وستتوجه الدولة العراقية لترصين صفوفها وبناء وإعمار المناطق التي دمرها الإرهاب والعمليات القتالية, وإعادة الثقة للمواطن الساكن فيها بلا مزايدات ولا إستحكامات فئوية وقومية ومذهبية, وهنا يكمن السبب الأول في التوقيت, فبعد تموز, ومن أجل خلط الأوراق ستنشغل المحافظات الكردية بالتحضير لهذا الإستفتاء, وربما من الآن, وستدخل هذه المحافظات في عاصفة ضبابية لا تهدأ حتى بعد الإستفتاء, وبدأت باللاّفتات ورفع الأعلام, في الحقيقة أن السلطة الحاكمة هناك تبحث عن نصر حتى وإن كان وهمياً.

السبب الثاني لهذا التوقيت أطرحه من خلال مقال الأستاذ كفاح حسن المنشور في موقع الحوار المتمدن/ العدد-5552/ والذي حرص فيه الكاتب على التعاطف الودي مع تطلعات الشعب الكردي في إقامة دولته المستقلة وإستوقفه التوقيت مثل ” إن توقيت الإستفتاء جاء في وقت غير مناسب,حيث لازال بلدنا في معركة المصير ضد داعش ومن يقف خلفها..” وفي هذه النقطة يقع الكاتب في نفس الوهم والخطا, وَهْم أن ( بلدنا) مازالت تشمل العراق بكافة قومياتهِ وأديانه ومُدنه  وقراه, ولم ينسَ أن المنطقة الكردية إنفصلت منذ عام 1991 وقبل ظهور النفط, وإن المعركة مع داعش لاتشمل المُحافظات الكردية بقدر ما هي موجهة ضد الشيعة في المقام الأول.

السبب الثالث ومن مقالة الكاتب أيضاً ” هناك جراح يجب معالجتها قبل الولوج في الإستفتاء.. ومنها الجرح الكبير الذي جرى بعد ترك قوات البيشمركة لليزيديين وخذلانهم في مصيرٍ مجهول ومأساوي وتسليمهم لقمة سهلة لداعش الذي إرتكب أفضع الجرائم بحقهم.” ومعالجة هذا الجرح تمس بالصميم قيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني ومسعود برزاني شخصياً ولذلك فمن ( المناسب!) الآن إغلاق هذا الملف المُخزي وصرف الإنتباه إلى قضية (مصيرية كبرى) كقضية الدولة الكردية, وإشغال الناس بالإستفتاء.

ومن أهداف(توقيت الإستفتاء) ملفات أخرى سيتم التضبيب عليها من قبل حكومة الإقليم وأهمها البرلمان المُعطّل وصراع القوى الداخلية الكردية- الكردية. ففي ورقة الإستفتاء والوعد بإقامة الدولة محاولات إعادة الإصطفاف وطي الخلافات مؤقتاً, مع الإيحاء المكشوف بالتحرر من العدو التقليدي ( المركزي). وغلق ملف البرلمان والديمقراطية, ففي التوقيت الجديد مايكفي من الخبث أن يُحدد موعد إنتخابات برلمانية بعد شهر من الإستفتاء تليها إنتخابات( رئاسية) أي إلغاء نتائج إنتخابات البرلمان الحالي الذي لم يخضع لإرادة البرزاني, ومهما ستكون نتائج الإنتخابات البرلمانية القادمة, فليس مستبعداً أن يكون مصير البرلمان القادم كمصير سلفهِ , التعطيل والمنع من دخول أربيل. فالهدف من لعبة الإستفتاء تشويش الخيوط الحالية بضجيج الدعاية القومية وغلق الملفات السابقة بما فيها  ولاية الرئيس المنتهية وتحضيراته للبقاء مدى الحياة.(تصريح مسعود لمجلة فورن بولسي هذا اليوم:- أنه لن يترشح للإنتخابات المقبلة- جزء من اللعبة وتحتاج إلى بحث خاص في سايكولوجية الحاكم والسلطة ).

أشار الكاتب كفاح حسن إلى ” إرتباط الإقليم إقتصادياً ببغداد لايمكن إلغائه بإستفتاء تم ترتيبه بعجالة “. لكن هذا الإرتباط وصل إلى حد القطيعة مثلما هو حاصل الآن بتوقف الحكومة المركزية عن تسديد نسبة الإقليم من الموازنة الإتحادية منذ عام2014 حسب قول مسعود.

هنا علاقة بين طرفين ولكل طرف رؤيته الإقتصادية. والإقليم حسب هذه العلاقة مرتبط ببغداد وليس مستقلاًّ عنها وما ياخذه من الموازنة مشروط بحسابات ( جرد سنوي / قوائم رواتب/ مدفوعات للشركات) وهناك مصادر أخرى يجب أن تعود إلى الخزينة الإتحادية كالمنافذ الحدودية. هذا المِلف أصبح شائكاً أمام رؤية الطرف الكردي المقابل , أو قل عقليته الإقتصادية القائمة على ( إستقلالية) التصرف بالثروات المحلية وعقد الصفقات الإنفرادية, وفي نفس الوقت مطالبة بغداد بال17%  من الموازنة وغياب الشفافية في كشف المراجعات الحسابية.

في الواقع أن هذا النهج في السياسة الإقتصادية ترسخ لدى القيادات الكردية منذ عام 1991إبّان غياب الدولة العراقية وإنفراد مؤسسات الإقليم بإستقلالية تامّة عن المركز لغاية 2003 حيث تغيّر وضع الدولة العراقية. وينسحب هذا الوضع على الواقع الإقتصادي في الإقليم وتراكم الفساد وإنعاكساته على حياة المواطنين وعلى رواتب الموظفين, وديون الإقليم.. ونرى أن حكومة الأقليم تبحث عن أوراق تسلية وتخدير للجماهير. وفي نفس الوقت إبتزاز الحكومة الإنحادية.. عبر عن ذلك هوشيار زيباري قائلاً إن “الإستفتاء غرضه الضغط على حكومة بغداد في المفاوضات وليس الإنفصال” بمعنى واضح غرضهم الإبتزاز.

يضيف الكاتب كفاح حسن ” كما أن العرف الديمقراطي في إجراء الإستفتاءات يتطلب حملة واسعة من النقاش الحر ما بين الأطراف التي تؤيد الإنفصال والأطراف التي تُعارضه.. هذا النقاش الحر سيوفر للمواطن في الإقليم الفرصة في إتخاذ قراره الصحيح..” ونعقب على هذا القول أن الديمقراطية, حمّالة أوجه, فقد تُرفع كشعار في اللاّفتات والصحافة المأجورة ومعها حقوق الإنسان والمظلوميات بأنواعها للمتاجرة وتثبيت الحكام والتلاعب بمقدرات الشعوب. فقد إهتزت سلطة البرزاني بعدما طالب البرلمان الكردي تطبيق الديمقراطية ومنع مسعود من الإستمرار في الرئاسة بعد نهاية ولايته – التمديد سنتين في الوقت الضائع –  وطالب البرلمان الكردي مراجعة الحسابات والذمم المالية وإستحواذ العائلة البرزانية على الثروات وغياب الشفافية في الواردات والمصروفات والناتج المحلي. لهذه الأسباب ولسيطرة حركة التغيير والقوى الأخرى على البرلمان, عمل مسعود على تجميده – الصيغة المتبعة في الأنظمة الدكتاتورية في تطبيق الديمقراطية وحجبها عند الضرورة- وكان المفروض إعادة البرلمان إلى ممارسة عملهِ بدون تدخل وإحترام حق المواطن الذي إنتخب ممثليه, وفتح النقاش الحر العلني على حسابات المسؤولين وصفقاتهم التجارية وأهمها واردات النفط والغاز والمنافذ الحدودية وغيرها, ملفات الفساد المستحكم منذ سنوات كما بينّا. وفي هذه النقطة نقف على السبب الآخر من أسباب توقيت الإستفتاء للتغطية على الديمقراطية العرجاء . وبالطبع أن كافة الملفات المعلقة قد تُفتح بوجه حكام أربيل بعد القضاء على داعش قريباً, وأهمها الجانب العسكري, دخول داعش وهروب البيشمركة ومأساة اليزيديين وإنسحاب الضباط والجنود الأكراد بأوامر من مسعود(أن هذه المعركة لا تعنينا لأنها معركة شيعة وسنّة) وبالتواطئ مع أثيل النجيفي, وسنضيف مسألة في غاية الأهمية وهي إيواء المتآمرين والخونة في أربيل وتنسيق نشاطاتهم الطائفية ضد العراق.

إذن هذه هي الأسباب الحقيقية وراء إستعجال مسعود في ورقة الإستفتاء البائسة بعدما فشلت كافة الأوراق التآمرية ضد العراق. وتغير الموقف العسكري على الأرض بحسابات جديدة أثارت مخاوف القيادة الكردية حول مساعيها في التوسع في مدن ومناطق خارج أربيل ودهوك وسليمانية.

أمّا إعتبارات الوضع الدولي المحيط بالإقليم ورفض الدول الأربع المجاورة, فلن يُغيّر من المواقف شيئاً, فلا إنفصال قريب ولا تغيّر في مواقف الدول بعيد, وقد تسلّمت القيادة الكردية رسائل واضحة بهذا الخصوص من جميع الأطراف وأهمُّها الطرف العراقي الذي تعنيه الإجراءات على الأرض والحدود الموارد الإقتصادية والرجوع إلى الدستور في العلاقات الداخلية والخارجية.

الخليل علاء الطائي

 

على السيد رئيس الوزراء طرح ملف الإنفصال على مجلس النواب وتقرير مصير الإقليم ولهذا الموضوع حديث قادم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close