التعاظم بالعِظام!!

التعاظم بالعِظام!!
التعاظم: الشعور بالعظمة والقيمة والأهمية والعلاء.
العِظام: من العَظم او الرميم.
“إن الفتى مَن قال ها أنا ذا…ليس الفتى مَن قال كان أبي”
السلوك السائد في مجتمعاتنا منذ أكثر من ثلاثة عقود ولا يزال على أشده وفي ذروته , أن الناس صارت منشغلة بأشجار الأنساب والإنتساب حتى تسيّدت الظاهرة وعمّ السلوك وربما إنغرس في وعي الأجيال , إذ إنتشرت الأشجار الجدارية الملونة في كل بيت , فترى الناس من حيث تدري ولا تدري , قد علقت صورة شجرة نسبها على الجدار وجلست تحتها معلنة أنها من السادة , ومن هذا الفرع وذاك الأصل حتى لتتعجب من الأمر وتحتار.
فالجميع سادة ومن نسل كذا وكذا , وأنهم الأكارم والأشراف والأصفياء والأوصياء والأتقياء الأنقياء , وما شئت من الأوصاف والتسميات والتهويلات والتقديسات , وغيرها من السرابات وما لا يخطر على بال أريب.
وفي هذا الهياج الإنتسابي الهستيري ما عاد هناك فرج , أو فسحة للحوار والتفاعل الإيجابي , فالجميع سادة وأشراف ويعرفون وعندهم فصل القول والخطاب , وكلهم متسيّدون وحولهم مُستعبَدون, ولهم دواوينهم وولائمهم , وأبناء مجتمعاتهم في الذل والهوان والتبعية يعمهون , ولا يملكون إلا أنهم يقرضون ما يتوهمون ويتصورن , وما ينسجونه من خرافات وأساطير لتأمين الشعور بالسيادة والإمرة والفوقية والقوة والتسلط على الآخرين.
وهذه العلة السلوكية الخطيرة قد أسهمت بتداعيات مروعة في الواقع المجتمعي , وهي لا تتفق مع أبسط بديهيات المنطق والعقل الإفتراضي الرياضي والعملي , إذ لا يمكن القبول بأن مجتمعا بأكمله قد تفرع من بضعة أشخاص تُحسب على صلة بالرسول الكريم وعبر إثنين وأربعين جيلا , إذا إفترضنا أن في كل قرن ثلاثة أجيال.
في أزمانٍ أكلت الحروب فيها ما أكلت , وكذلك الأوبئة كالطاعون والجدري والحصبة والخناق والنكاف وإلتهابات المجاري التنفسية بأنواعها والجهاز الهضمي والتدرن الرئوي والإنفلونزا , وغيرها الكثير من الأمراض والحوادث والإصابات , وفي عصورٍ من الصعب أن يعيش فيها البشر – إلا فيما ندر – أكثر من نصف قرن.
ومن المعروف أن أبو الأنبياء إبراهيم عراقي الأصل , وغادر البلاد مع زوجته سارة وهي عاقر لم ينجب منها , إلا بعد أن أنجب إسماعيل من هاجر , وبشرته الملائكة بإسحاق , أي أن الأصل إن صح تواصله يكون منسوبا لإبراهيم , لأن النبي محمد من نسل إسماعيل , وإسماعيل عاش في مكة التي فيها العديد من القيائل كما تذكر كتب التأريخ , وتزوج منها وإمتزجت جيناته بجيناتها , وهذا يعني أن ذريته نصف جيناتها من القبائل التي كانت تتوطن مكة قبله.
وأن جينات أهل مكة وما جاورها متقاربة , ويمكن الإستدلال عليها بدراسة الحوامض الأمينية في الزمن المعاصر.
وهذا يعني أيضا أن جميع أحفاد إبراهيم فيهم تقاربات جينية , وإن صح هذا التفسير فأن الجميع من ذات الأصل وأنهم يمتلكون ذات الصفة والتوصيف أيا كانوا.
سيغضب الكثيرون وسينزعجون وحتى الأقربون , لكن الأمر محزن ومؤلم في ذات الوقت , لأنه يشير إلى الخواء والعجز والإنكسار والإنتكاس والهوان , فبدلا من العمل على تنمية قيم الجد والإحتهاد والإبتكار والتفاعل الإبداعي الخلاق الأصيل مع العصر , ينكفيئ الناس إلى الوراء , ويتفاخرون ويتباهون بأصولهم المفترضة أو المتصورة , وبأنهم من هذا وذاك النسل أو النسب , وفي سلوكهم أعجب العجب المُنافي للنسب.
ويتناسون “أن الإناء ينضح بما فيه” , وتلك الأصول التي يدّعونها هم بعيدون أشد البعد عمّا قدمته , وأسهمت به من إضافات حضارية تنويرية نهضوية ذات إشراقات إنسانية خالدة.
فما فائدة هذا السلوك الذي يكون فيه فلان من نسل فلان , وماذا يقدم له ؟!!
هل أنه وسيلة للتكسب والإحتيال والإستعباد وإدعاء الناس بما ليس فيهم , حتى إختلط حابلها بنابلها , وما عادت واضحة للعيان سوى مفاسدها ومخازيها وهواناتها المتراكمة على جميع المستويات.
وهكذا ربما لكي تجد مصدرا للمال أو الإكراميات والتخصيصات عليك أن تدّعي بأنك من نسل ذوي الشأن , لكي تجتمع حولك الناس فتستحوذ على مصيرهم , فأنت السيد المطاع من نسل الأصول الفُرَعاء , فصفة السيد صارت مثل العمامة واللحية كل من يضعها على رأسه ويطلقها , يتظاهر بأنه عالم دين وفقيه صاحب الفتاوى والرأي الأمين.
إن المجتمعات الحية تتفاخر بما تقدمه في حاضرها ومستقبلها , ولا تتعظم وتتصمل كما يفعل أبناء بعض المجتمعات الساعون بكل طاقاتهم للإندساس في الأجداث , والتفاخر بعظام الأسلاف الذين صنعوا الوجود الإنساني المنير , وخلّفوا – إن صح ذلك – مَن يَستعارون منهم , لأنهم مشاعل مطفأة وشموع هامدة خامدة , تتمنطق بما ليس فيها , ولا تعرف سوى حي على الثريد .
فهل ستستفيق هذه المجتمعات من السراب الإنتسابي العاصف فيها , أم أنه من برامج تخنيعها وإستعبادها , ويتم تمويله من المصادرين لحقوقها ومصيرها؟
وهل ستدرك بأن الحياة بيت عصام والتراب بيت عظام؟!!
وهل ستصنع وجودها بإرادتها أم ستبقى من المتطفلين على غيرها؟!!
ومتى ستتحرر من الإنتساب الوهمي وتنتمي للعصر وتشارك فيه؟!!
ترى هل يستوجب الأمر إجراء فحوصات الحامض الأميني لمعالجة هذا البهتان الفتاك المُجندل للعقول والإرادات والتطلعات؟!!
د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close