الدكتاتورية في الخطاب الديني

محمد رضا عباس
لقد جعل الله عيد الفطر يوم وحدة للمسلمين , ويوم تواصل بين الاهل والاقرباء والجيران والأصدقاء. في هذا اليوم يهنئ المسلم الاخر بحلول العيد ويرجي من الله عز وجل له بالصحة والعافية وطول العمر وتحقيق جميع امانيه. ولكن نحن العراقيون ,منذ ان تفتحت عيناي لا نحتفل سويتا بيوم العيد, الا ما ندر. لقد تعلمنا ان السني يفطر قبل الشيعي بيوم واحد , ولقد كان التوضيح هو ان اهل السنة يسمح مذهبهم باستخدام جهاز التلسكوب لأثبات بداية شهر شوال , بينما لا يحق للشيعي الإفطار الا بمشاهدة الهلال بالعين المجردة , وهكذا كانت العوائل المتداخلة مذهبيا لا تحتفل بيوم العيد وانما في يومه الثاني . على سبيل المثال , كان أبناء خالتي يقدمون لنا التهاني بنهاية شهر رمضان في اليوم الثاني من العيد الرسمي . لقد فهمنا منذ الصغر , ان اهل السنة يحتفلون بقدوم العيد قبل الشيعة , وقبلنا بهذا الترتيب على مضض واصبح جزا من حياة المواطن العراقي , واصبح هناك نوع من التفاهم الضمني ان يلتقي الشاب الشيعي زملائه في شارع أبا نؤاس في بغداد ليست الليلة الاولى من يوم العيد وانما في الليلة التي تليها .
بعد التغيير , كنا ان نتمنى ان تتغير هذه المعادلة الغير عادلة وان يتفق الشيعي مع أخيه السني على يوم العيد , لقد اصبح العكس تماما , لقد اصبح الخلاف على يوم العيد داخل المكون الشيعي , واصبح الان شيعي يفطر والأخر مازال صائما. لقد دخل هذا الانقسام داخل البيت الواحد. انا اعرف عائلة , على سبيل المثال, انهوا رمضان في يوم الاحد , بينما بقى الابن صائما وافطر يوم الاثنين . واعرف عائلة أخرى ان زوج فطر قبل زوجته. هل توجد مأساة اكثر من هذه المأساة , ان الاب والام لا يستطيعون الاحتفال والذهاب الى صلاة العيد سوية وهي عائلة موحده ؟ وهل من العدل والانصاف , بل هل من الدين ان لا تستطيع الزوجة الاحتفال مع زوجها في يوم العيد ؟
نفهم ان هناك اختلافات بين العلماء الاجلاء على كيفية رؤية الهلال وان هناك من العلماء من يذهب بنظرية وحدة الأفق والأخر بنظرية المكان , الا ان اختلافكم يا سادة يا كرام بدء يؤثر سلبيا على وحدة العائلة الواحدة . فتواكم بدأت تشطر العائلة الواحدة في ظرف غير مناسب يمر به العراق والعالم الإسلامي، وهذا انجاز لم يستطع تحقيقه أعداء الإسلام برغم امكانياتهم المالية والإعلامية الضخمة. العراقيون في حاجة الى الوحدة ,لا الفرقة حتى بين افراد البيت الواحد. اجلسوا , يرحمكم الله وابحثوا في الموضوع وذهبوا ابعد من رؤية الهلال , ابحثوا تأثيرات اختلافاتكم على العائلة و المجتمع . بسبب هذه الخلافات أصبح العيد في العراق أربعة أيام بدلا من ثلاثة أيام. بكلام اخر , اصبح ارباب الاعمال يدفعون أجور لعمالهم عن أربعة أيام بدلا من ثلاثة أيام , بهذا فان السلعة التي تنتج في العراق ستكون سلعة غير تنافسية , وهذا ما تحث لي احد تجار الشورجة في بغداد . أربعة أيام عطلة رسمية تأثر على معاملات المواطنين إضافة الى إنهاك ميزانية الدولة. أصبحت العائلة التي تريد زيارة موتاه في النجف الاشرف لا تستطيع السفر مجتمعة , لان احد افرادها مازال صائما. ثم ان كثرة العطل والمناسبات تجعل من الانسان متكاسلا وغير منتجا , وهذا ما اثبتته الاف من البحوث العلمية الرصينة.
أقول , اذا كان علمائنا ,الافاضل الاماجد ,منقسمين على انفسهم حول كيفية رؤية هلال شهر العيد , فلماذا اذن نطالب سياسينا الوحدة والتعاون لقيادة البلد ؟ وكيف نطالبهم باحترام المواطن والتفكير به وبحاله؟ نحن الذين نعيش في الغرب اصبحنا محرجين حتى امام أولادنا وبناتنا حول اختلافاتكم , وهذا هو عين الظلم . اجتمعوا , رحمكم الله , ودرسوا موضوع خلافاتكم لان خلافاتكم أصبحت تأثر على مجموع الشعب العراقي وما خلف حدود العراق . المواطن العراقي تعبان ويريد شيء يفرحه , لا أشياء تفرقه حتى في بيته. بمختصر شديد , الشيعي يفتقد الان القيادة الواحدة , واصبح يعني من تفرقكم والتشرذم. ان نجاحات داعش في حشد الشباب المسلم على طول وعرض الكرة الأرضية لم يأتي من فراغ , وانما جاء نتيجة تشتت المرجعيات السنية فستطاع تنظيم داعش حل محل تفرقهم والدخول في نفوس الشباب منهم على الرغم من اعوجاج تعاليمه ومخالفتها التعاليم الإسلامية والإنسانية. ان الشاب المسلم الشيعي يحتاج الى قيادة تفهم تطلعاته , لا ان تكون قيادات متفرقة لا تعترف الواحدة بالأخرى, والا ما معنى وجود أربعة من علماء العظام ولكنهم يختلفون حتى في رؤية هلال الشهر؟ يا سادة توحدوا , وفهموا ان العصر الذي تعيشونه هو ليس القرن التاسع عشر والعالم الذي تعاشونه ليس النجف الاشرف وانما التكنلوجية الحديثة جعلت كل العالم مجرد قرية صغيرة , وما يحدث في ديرة عفك يعرف عنه من جالس في لوس انجلس و بوينس إيرس في دقائق معدودات . المذهب يحتاج الى قيادة واحدة لان معظم اتباعكم وهو بالملايين لا يتجاوز أعمارهم 25 عاما , وان هذا التفرق سيخلق نوع من التمرد وعدم المبالات من طرف الشباب.
هذا التخوف والقلق الذي يراودني يراود الملايين من اتباع ال محمد , ولقد قراءة مؤخرا رسالة كانت موجهة الى المرجعية الدينية في النجف الاشرف من قبل احد الاتباع في هذا الخصوص , ولكن بكل اسف كان رد النجف على الرسالة غير موفق ويحتاج كاتبها شيء من الحنكة وعدم التعالي , ومعرفة الواقع الجديد . كان رد الرسالة ما معناه هو هذه بضاعتنا , ان تريد ارنب فهذا ارنب وان تريد غزالا فهذا ارنب. كان رد ” اذا لم يعجبك تقليد الامام السيستاني , فختار غيره”, قمة في السخافة و قصر في النظر و الاستعلاء, وكان كاتب الرد كان يبيع الطماطة في احد أسواق النجف وليس ممثل لمرجعية يقلدها اكثر من 50 مليون انسان , و يتعامل مع مواطن يريد الفهم والجواب المقنع , وان اختيار المقلد هو اختيار لا تكليف. لقد كان الرد لا يليق بمرجعية النجف المعروفة بالتواضع والاحترام. هذا النوع من الرد يعلمنا بان دكتاتورية الخطاب مع الناس أصبحت لها جذور عميقة في المجتمع العراقي ,وقد امتددت الى اعلى المرجعيات في النجف , وهي حالة خطيرة جدا , لان استمراها على هذا الخطاب سوف يبعد الناس عنها ,و يقود الشباب الجديد الى الابتعاد الكلي عن الدين والمذهب. المرجعية الدينية في النجف لديها وكلاء في جميع القارات ولاسيما في أمريكا و أوربا , هؤلاء الوكلاء يعرفون جيدا الأسباب الحقيقية بعدم تردد الشباب على الكنائس , لان الكنيسة فشلت في أدائها ولم تستطع اقناع الشباب بتوجهاتها , فاصبح الشاب الأوربي والامريكي طعم سائغ لكل الأفكار الجيدة والهدامة . الشباب المسلم , الشيعي والسني , هو الاخر اصبح يعاني من الاختلافات المذهبية وعدم استطاعت أي منهم من احتواء الشباب , وفي الأخير سوف لن نتفاجىء ان ابتعد شبابنا عن دين محمد ويصبح لقمة دسمة للأفكار الغريبة. كل عام وانتم بخير وصحة دائمة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close