العالم الانجلوسكسوني، 2

بقلم د. رضا العطار

من وجهة نظر فلسفة التاريخ، يعتبر ظهور انكلترا والروح الانجلوسكسونية في تاريخ الغرب أشبه بظهور الاسلام في تاريخ الشرق. ولعل هو ما عناه الفيلسوف الالماني (شينجلر) في مقارنته بين النبي محمد وبين الرمز الانكليزي كرومويل. لقد رأى (شينجلر) الشخصيتين في اطار نظرته لتاريخ العالم كأنهما شخصيتان معاصرتان :
ان التوحيد بين الكنيسة الانكليزية والدولة، وكذا ظهور الانكليز كقوة عالمية، كل ذلك بدأ ب (كرومويل). وكذلك بدأت بمحمد وحدة الدين والدولة وظهور القوة العالمية للاسلام. وكان كلاهما مؤمنا متطهرا، ومؤسسا لامبراطورية كبرى.
ويبدو ان هذا امر طبيعي جدا بالنسبة للعقل الاسلامي والعقل الانجلوسكسوني، ولكنه شديد الغرابة عند العقل الاوربي. لقد حطم القديس (لويس) الدولة الفرانكونية، اما في العالم الاسلامي – فعلى عكس ذلك – لم يحدث تقدم سياسي او اجتماعي إلا بصحوة دينية . . . في اوربا عندما شعرت الدولة بقوتها اتجهت لفرض سلطانها على الكنيسة.
وهذا ما فعلته الكنيسة قبل ذلك بعدة قرون عندما كانت في اوج قوتها، حيث فرضت هيمنتها على الدولة.
وفي اوربا انتشرت محاكم التفتيش ولكنها لم تنتشر في انكلترا. وهكذا لم تجرب انكلترا محاكم التفتيش ولا هيمنة الكنيسة، ولم يجرب الاسلام شيئا من هذا. لقد قضى الاصلاح الديني في انكلترا – بمنطق فطري – على كلً من الطرفين المضادين :
السيطرة البابوية وطغيان الملكية. كانت انكلترا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر دولة ثورية. انها في نظر اوربا اليوم دولة متحفظة. وكلمة (محافظة) عند الانكليز دعوة (للحفاظ) على الروح الانكليزية الأصلية والتي تعني في مفهومها الواسع، الطريق الوسط.

هذه الثنائية في اسلوب الحياة الانكليزية يمكن فهمها اكثر اذا تأملنا في موقف (روجر بيكون) الذي يعتبر مؤسس ورائد التقدم الروحي الانكليزي الحديث. لقد وضع بيكون من البداية بناء الفكر الفلسفي الانكليزي على قاعدتين مستقلتين في اصلهما: الخبرة الباطنية التي تؤدي الى استنارة الروح (او الدين) والملاحظة التي تؤدي الى العلم الصحيح (او العلم التجريبي). لقد اكد بيكون على المكونات الدينية وظل ثابتا على ثنائيته كما فعل الاسلام.
لم يحاول بيكون ان يختزل النظرة العلمية او النظرة الدينية – احداهما على حساب الاخرى – وانما اقام التوازن بين النظريتين. هذا الجانب من عبقرية بيكون اعتبره اغلب الانكليز اعظم تعبير اصيل عن الفكر الانكليزي والمشاعرالانكليزية بل ان الكثيرين يرون ان الفلسفة الانكليزية التي ظهرت بعده ليست الا تطورا لمبادي بيكون الفكرية. والمدخل الثنائي لفكر بيكون هو الذي يفسر لنا تأثيره الهائل على اتجاهات واساليب الفلسفة الانكليزية والعلوم الانكليزية.

ولكن تبقى حقيقة هامة عن (بيكون) لم يتم الاعتراف بها، الا وهي ان اب الفلسفة والعلوم الانكليزية كان في حقيقة الامر تلميذا مخلصا للثقافة العربية الاسلامية التي كانت الاندلس مركز اشعاعها. وقد تأثر بيكون تأثرا قويا بالمفكرين المسلمين وعلى الاخص ابن سينا، الذي اعتبره بيكون اعظم فيلسوف ظهر بعد (ارسطو).
ويقول (كارل برانت) : لقد اخذ بيكون من العرب المسلمين جميع نتائج العلوم الطبيعية التي نسبت اليهم. . . وهكذا طبعت الحياة الفكرية والعملية في انكلترا بطابع متميز، لا تشبه مثيلاتها في القارة الاوربية.
الى الحلقة التالية !
* مقتبس من كتاب (الاسلام بين الشرق والغرب) لعلي عزت بيجوفيتش

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close