عناقيد النار.. جدلية التأويل في السياسة العراقية عبد الكريم قاسم وحكاية الكويت (1)

عناقيد النار . . جدلية التأويل في السياسة العراقية عبد الكريم قاسم وحكاية الكويت الحلقة الاولى

د. حميد حمد السعدون

فبعدَ ثورة 14 تموز 1958، ابتعد النظام السياسي العراقي عن التقرّب من موضوع الكويت، لانشغاله في الشأن الداخلي، ولم يزد اهتمامه في هذا الجانب، على غير الترحيب بزيارة حاكم الكويت في حينه، الشيخ “عبد الله السالم” للعراق في تشرين الأول/ اكتوبر 1958، للتهنئة، ولجسّ نبض الثورة واستطلاع نياتها تجاه الكويت، وتعميق أشكال التعاون. لكن الزعيم – قاسم – أفصح عن أول تطلعاته في هذا الموضوع في ما يخص تسمية منظمة الاقطار المصدرة للنفط – اوبك – حينما عقدت مؤتمرها التأسيسي في بغداد في ايلول/ سبتمبر 1960، وقتها أيقظ كل حواسه تنبهاً، في تأكيده على (طلعت الشيباني) وزير النفط وكالةً في حينه، ضرورة أن تكون المنظمة “منظمة أقطار” وليس “منظمة دول” وهذا واضح في تسميتها: (Organization of the Petroleum Exporting Countries OPEC) والسبب في ذلك ، أن أحد الاعضاء المؤسسين للمنظمة كان الكويت، وبرغم اعتراضات قليلة من بعض الوفود، الاّ ان الاقتراح العراقي على التسمية، هو الذي أخذ مكانه وشهرته في تسمية المنظمة وظل هكذا حتى الآن. علماً ان ثورة العراق استقبلت وفداً شعبياً كويتياً، بعد شهر من نجاحها، كان أمله أن تتسع رقعة الجمهورية العربية المتحدة، لتشمل العراق، لكن واقع الحال في قيادة الثورة، كان لا يرى الامنيات التي حملها الوفد نفسها، برغم التهوّر والادعاء الفارغ بأهمية الكويت للعراق، والذي عبّر عنه الرجل الثاني في الثورة – عبد السلام عارف –.

أزمة حزيران/ يونيو 1961
جاءت مطالبة عبد الكريم قاسم، بالكويت، مفاجأة للجميع، بما فيهم وزير خارجيته “هاشم جواد” الذي كتب لاحقاً، وبطريقة الندامة، بأنه يلعن الساعة التي قبل فيها أن يكون وزيراً، بعد اتضاح فشله، وفشل نظامه، في معالجة العديد من القضايا ذات الاهمية القصوى للعراق. وبرغم المفاجأة، الاّ أنها في الحقيقة، رجع صدى لما سبقها من محاولات، هذا غير كونها، إغراء لا يقاوم. وبرغم أن بعضاً، يعزو هذه المطالبة، لتأريخ قديم، حيث يدعي “نجم الدين السهروردي” ان الزعيم قاسم أخبره والأستاذ “جابر عمر” وزير التربية في الحكومة الأولى للثورة، في 15 حزيران/ يونيو 1959، بعد اطلاق سراحهما من السجن، واستقباله لهما في مقره في وزارة الدفاع، بنيته بالمطالبة بالكويت قريباً. وتقديري، ان مثل هذا القول – أن صّح حدوثه – مستغرب من الزعيم – قاسم – في ذلك الوقت، بسبب انشغاله الكلي في الهّم الداخلي، جرّاء انقسام الحركة الوطنية العراقية، ودخولها في حرب معلنة بين أطرافها، هذا غير تعرّض النظام السياسي لأكثر من هزّة، كادت تقتلعه، لذلك، فأنا أستبعد مثل هذا القول. وما يؤكد ما نقوله، عدم وجود أي تأكيد ممن زاملوا أو رافقوا الزعيم قاسم، سواءً من كتبوا مذكراتهم أو أدلوا بشهاداتهم المكتوبة أو الشفهية، لعدم توافقه والجو السياسي السائد آنذاك، وهموم وجهود ومطامح السلطة فيه. بل أننا نجد العكس منه، في ما بذله العراق من جهد، وفي تلك الفترة تحديداً في مساعدة الكويت في الدخول في العديد من المنظمات العربية والدولية. كما كانت العلاقات بينهما، طبيعية من دون احتقانات ظاهرة، تعطل نمو هذه العلاقات، مما ينفي سعي النظام في العراق، آنذاك، وجود نيّات خفية لديه تجاه الكويت، برغم موضوع الاوبك. وتطالعنا شهادة متميّزة ترتّب أولويات جديدة، في هذا الموضوع، والتي تشير الى ان موضوع الكويت، كان محل اتفاق قائدي الثورة (قاسم وعارف) قبل تفجير الثورة في 14 تموز/ يوليو 1958، والتي تفوه بها الزعيم – عبد الكريم قاسم – في لقائه العاصف الذي سبق اعدامه في 9 شباط/ فبراير 1963 حينما جرى لومه، ازاء ما جرّته سياساته من فشل في معالجة موضوع الكويت، حيث جاء فيها، (بعد ذلك وقف عبد الكريم، وأخذ يتكلم عن نفسه والخدمات التي قدمها للشعب: اني خدمت الشعب وبنيت له المساكن.. الخ، ثم قال بانفعال موجهاً كلامه لعبد السلام عارف: الكويت، تم الاتفاق عليها قبل تنفيذ الثورة، الكويت عراقية – قالها ثلاث مرّات، يا سلام هذا هو الاتفاق..). وشهادة كهذه (*)، وفي جو عاصف ومتوتر، تعزز الخطوة التي أقدم عليها الزعيم – قاسم – بالمطالبة بالكويت، مع حساب الزمن المناسب، والجو السياسي الاقليمي والدولي، بما يفعل ما اتفق عليه قبل تفجير الثورة عام 1958. ففي 19 حزيران/ يونيو 1961، وقعت بريطانيا والكويت معاهدة انهاء الاحتلال التي نظّمتها معاهدة الحماية التي وقعها شيخ الكويت آنذاك “مبارك الصباح” مع المقيم البريطاني في الخليج العربي عام 1899، تمهيداً لاستقلال الكويت وقيام كيانها السيادي، تلك المعاهدة الأبدية التي عقدت بين بريطانيا، صاحبة الشأن الكبير آنذاك في قضايا المنطقة، وبين حاكم انفصالي طموح، كانت منزلقاً خطراً سبب غموضاً في العلاقة القائمة بين التبعية الرسمية للكويت، كأحد أجزاء ولاية البصرة، وبين الترتيب البريطاني الذي أدرك الميزات الاستراتيجية والتجارية لابقاء الكويت خارج السيطرة العراقية، خصوصاً ان رسائل “مبارك الصباح” للمقيم البريطاني في الخليج، لم تنقطع، وهي تحثه وتغريه على المجيء للكويت لرؤية النفط المتدفق من خلال “برقان”. ما حصل من وقائع جديدة، دفع الجو السياسي للمنطقة واللاعبين فيه، الى مواجهة، تعقدت فيها سبل الخروج على الجميع، وكان المبادر فيها، العراق، حينما بعث الزعيم – قاسم – في العشرين من حزيران/ يونيو 1961، ببرقية الى شيخ الكويت، أشار فيها الى عائدية الكويت للعراق وعدم شرعية اتفاق عام 1899، وهذا نصها:
(سيادة الأخ الجليل عبد الله السالم الصباح. علمت بسرور، بأن الانكليز اعترفوا في يوم 19/6/1961، بالغاء الاتفاقية المزوّرة غير الشرعية وغير المعترف بها دولياً، والتي سمّوها اتفاقية 1899، بعد أن عقدوها بالباطل مع الشيخ مبارك الصباح قائممقام الكويت التابع لولاية البصرة، من دون علم أخوته في الكويت، ومن دون علم السلطات الشرعية في العراق آنذاك. وقد سبق للشيخ حمود، أن رفض التوقيع عليها أو تنفيذها، الأمر الذي اضطّر الانكليز الى تهيئة شهود الزور من عملائهم للتصديق على توقيعها، وفعلاً فقد وقع البريطاني ويكهام هور، الرئيس في خدمة الطبابة الهندية مع العميل، الممثل البريطاني في البحرين، أغا محمد رحيم، بصفتهما شاهدين على صحة توقيع شيخ الكويت الجليل. فالحمد لله الذي وحده ينقذ العالم من التبعية والاستعماريين ومن جريمة الكفر بحق العرب في كل مكان، وحذار من دسائس الانكليز المستعمرين ومكائدهم، لتفرقة الصفوف داخل الوطن، وبين الاشقاء، ليضمنوا بقاءهم من وراء الستار يتلاعبون بمصالح العرب والمسلمين وبقاء سيطرة الاستعمار وأعوانه علينا. ونؤكد لكم، بأننا سنبقى ونحن أخوانكم في الجمهورية العراقية الخالدة، لا تنطلي علينا خدعة الاستعمار، وسنظل نعمل بقوة وعزم لنصرة العرب والمسلمين، والنصر من عند الله.
عبد الكريم قاسم)
ولأن البرقية، لم تحو أية كلمة تهنئة لشيخ الكويت، بل أنها حملت اشكالات سياسية معقّدة، مما أثار ريبته وخوفه. حيث يلاحظ في البرقية، ان الزعيم – قاسم – عدّ الكويت، احدى الوحدات الادارية التابعة للواء البصرة. الأمر الذي يعني أن ما وقع عليه في 19 حزيران/ يونيو 1961، غير محل اعتراف من الجانب العراقي. هذا الأمر وهذه الاشكالية غير المطروقة، دفعت شيخ الكويت، الى استشارة السير «وليام لوس« المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، الذي طمأنه بقدرة المملكة المتحدة، على ابداء المساعدة للكويت في حالة الحاجة اليها، على وفق الفقرة (د) من وثيقة انهاء الاحتلال والموقعة بين الطرفين في 19 حزيران/ يونيو 1961، والتي تنصّ على انه «ليس هناك في هذه الاتفاقية ما يؤثر في استعداد حكومة صاحبة الجلالة لمساعدة حكومة الكويت، اذا ما طلبت هذه الاخيرة مثل هذه المساعدة«.

, ,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close