عسكرة المنطقة بداية لتقسيمها

عبدالله جعفر كوفلي /ماجستير قانون دولي
[email protected]
2/7/2017
تعد القوة العسكرية الركيزة الاساسية لبناء أي كيان سياسي مهما كان الاختلاف في المسميات و ذلك لحمايتها من التهديدات الخارجية و المؤامرات الداخلية ، و من جانب آخر لتطبيق الافكار التوسعية التي يمتلكها ذلك الكيان على حساب المناطق الاخرى , لذا فأن قوة الدولة تكمن في قوتها العسكرية بالعدد و العدة و ذلك لأن فكرة الاحتلال و الاستيلاء و تحقيق الاطماع لزم الانسان منذ وجوده ، و ان بروز فكرة الامن القومي كمصطلح في بداية القرن المنصرم ارتبط بشكل وثيق بمدى امتلاك الدول للقوة العسكرية و درجة تدريبها و نوع الاسلحة و دخولها في تحالفات عسكرية وبعدها توسعت لتشمل جوانب اخرى مثل الامن الاقتصادى والاجتماعى و الثقافي والسياسي و….. الخ , و كثيراً ما كانت الدول تقترب من اشعال فتيل حروب دامية لولا خوفها من دمار المنطقة و خرابها و لكن في مرات عديدة خرجت من اطار سيطرتها و لجأت الدول الى استخدام القوة العسكرية معلنة حرب شرسة باعتبارها الشكل النهائي للعلاقات فيما بينها لحل القضايا العالقة و كانت تنتهي هذه الحروب بتغير في ديموغرافية تلك المنطقة و تخلف وراءها الدمار و الامراض و التشرد و مشاكل الثأر و الانتقام و الاهم من ذلك تغير في خارطة المنطقة فكانت نتيجة الحربين العالميين في القرن الماضي ظهور كيانات سياسية جديدة بعد اختفاء السابق منها و ان الدول المنتصرة في الحروب تحافظ على نفوذها بانشاء المعسكرات لقواتها داخل الاراضي التي تحتلها لكي تستطيع فرض سياستها و حماية مصالحها .
ان منطقة الشرق الاوسط كانت موضعاً للصراعات منذ القدم بين القوى المتصارعة لذا فأن التغيير في الحدود و الانظمة السياسية الحاكمة سمة بارزة لهذه المنطقة بل و اكثرها شيوعاً .
فعلى سبيل المثال لا الحصر عند احتلال بريطانيا للعراق عام 1917 و من اجل بسط نفوذها لجأت الى عسكرة المنطقة بأنشاء معسكرات عديدة في الجنوب و الشمال و الوسط في سبيل حماية الكيان الذي انشأه بعد انهيار (الرجل المريض) الدولة العثمانية و كذلك فعلت امريكا عند حرب تحرير العراق عام 2003 حيث بنت معسكرات لقواتها في مناطق عديدة و لكنها اضطرت الى سحبها عام 2011 مدركة بخطورة قرارها و انها تركت وراءها اثار جمة ، و بعد ظهور داعش كجماعة ارهابية على انقاض الجماعات الارهابية السابقة و لكنها بزي و تخطيط مختلف حيث اعاد الانسان الى العهود القديمة دون اعمار و تاريخ و رفاهية و سيطرتها على اراض واسعة في العراق و سوريا لأسباب مختلفة و متعددة دخلت امريكا الى العراق تحت غطاء التحالف الدولي لمحاربة داعش لتحقيق الغرض السابق من دخولها بعسكرة المنطقة و حماية مصالحها وأعادة رسم المنطقة .
ان فكرة عسكرة المنطقة تتفاقم يوماً بعد آخر فبعد ان كان مقتصراً على الدول الكبرى حيث بدأت الدول الاقل وزناً في التأثير على العلاقات و السياسة الدولية تحذوا حذوها و تنشر قواتها العسكرية في العديد من المناطق في سبيل اطماعها التوسعية مثل ايران و تركيا و السعودية , حيث باتت المنطقة شبه عسكرية فلا يكاد يخلو دولة من وجود معسكرات لدول اخرى سواء بالاتفاق او الاضطرار او ان الحاجة تقتضي ذلك .
و ان الدول تتسابق وتتصارع فيما بينها ويظهر ذلك بشكل واضح بين كل من امريكا و روسيا في العراق وسوريا ، وان وجود هذه المعسكرات تجعل الابواب مفتوحة امام اشعال فتيل الحروب بصورة مباشرة او بالوكالة و ان هذه الدول تدافع بشكل مستميت عن وجودها العسكري في تلك المناطق باعتبارها جزءاً مهماً من استراتيجيتها العسكرية و الامنية ضد التهديدات الخارجية و الداخلية و لنها لا تجني للمنطقة سوى الدمار و الخراب و مزيد من حقن دماء الاطفال و النساء و التشرد ، و ان بناء المعسكرات كانت و لاتزال بداية لاعادة رسم المنطقة و تقسيمها وفق منطق القوة الحاكم , لذا فان التاريخ دائماً في تجدد و السؤال الذي يفرض نفسه هل ان العسكرة الحالية سيكون بداية لتأسيس دولة او كيان كوردستاني مستقل او يذوق الكورد مرارة ماذاقوه من قبل و يقعون فريسة للمصالح و الاتفاقات السرية خلف الجدران ، هذا ما سيكشفه الايام القادمة …. و لكن الامل و التفاءل يرسمان على جبينهم هذه المرة لقدرتهم على قراءة احداث المنطقة وفق ما يروق لهم و بذلوا المزيد من الجهود في استثمار هذه الفرصة كما انهم قد خرجوا من العزلة السابقة نحو آفاق رهبة و نجحوا في جذب انظار العالم المتمدن و اثبتوا جدارتهم في محاربة الارهاب و حماية الامن العالمي .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close