سر القاعة العمياء

بقلم : عصام أكرم الفيلي

 
( 1 )
حين دخلت لأول مرة الى مطار بغداد الدولي بعد سقوط الصنم بفترة وجيزة ، بكيت بمشاعر لا استطيع وصفها لذكرى اقصها عليكم ، كان ذلك زمن الطاغية المقبور وكنت اعمل حينها موظفاً في النهار وسائق تاكسي في الليل ، في احدى الليالي تعرضت لضرب عنيف والفاظ مهينة لمجرد خطأ بسيط في دخولي الى شارع قريب من المطار ، كنت انقل عائلة استأجرتني من منطقة راغبة خاتون الى سكن المطار الذي كان يسمى في حينه المجمع الفرنسي ، واخطأت في الدخول هناك بشارع واحد ولخمسين متراً لا اكثر ، فخرج اشباح صدام بملابسهم الزيتونية اللون من بين الاشجار ، وكان ما كان من اهانات وضرب من أمن المطار في زمن العهر الصدامي .
ولهذا بكيت بدموع حرى في دخولي الثاني للمطار بعد ان ذهب صدام الى مزبلة التاريخ لأسباب اقصها عليكم ايضاً ، في ذلك اليوم فوجئت بأن احد الفيليين هو المسؤول عن اهم شارع في المطار واتذكر ان النقطة الأمنية فيه كانت تسمى ( الفا وان ) ، اهم نقطة أمنية ومسؤولها فيلي ، فكان ذلك اول احساس يتغلل في اعماقي ليثير مشاعر تصرخ بأن الزمن تغير ، في تلك اللحظات تذكرت الليلة المهينة وما حصل فيها من الأمن الصدامي في المطار ، فكيف لي ان احبس دموعي !؟ ، وكأن فيض المشاعر يأبى ان يفارقني وانا اتجول في المطار ملكاً معززاً مكرماً برفقة اخوتي واصدقائي هناك ، لا اعرف لماذا طلبوا مني اصطحابي في جولة كأنها تفقدية للمطار وشوارعه ومفاصله ونقاطه ، ولكني عرفت قصدهم الذي تُرجم لدموع اخرى بعد دقائق حين شاهدت المسؤول عن نقطة أمن الشحن الجوي كردي فيلي ، بكيت للمرة الثالثة حين شاهدت المسؤول عن أمن الصالة كردي فيلي ، بكيت للمرة الرابعة حين شاهدت المسؤول عن امن المدرج كردي فيلي ، بكيت خامسة حين شاهدت المسؤول عن فريق التدخل السريع كردي فيلي ، كل النقاط والمفاصل الأمنية في المطار كان مسؤولوها فيليون رغم ان الشركة الأمنية الرئيسية هي شركة بريطانية ، فعرفت سر الجولة التي انزلت من عيني دموع الفرح تلك ، وهذه هي قصتي الفيلية مع المطار ومع أمن المطار في زمنين .

 
( 2 )
في اول دخول لي الى المنطقة الخضراء وكان ذلك قبل حوالي عشر سنوات ، كانت العجلة التي اقلتني تسير في شارع جميل مزين بالورود ومزروع بالاشجار على جانبيه ، في احد التقاطعات انعطف السائق يميناً وبعد عشرات معدودة من الامتار ظهرت امامي لقطة مفاجئة ، لقطة لشيء ومكان كنت في زمن الطاغية اخشى مجرد النظر اليه فضلاً عن التقرب منه ، لقد ظهرت امامي البوابة الشهيرة للقصر الجمهوري الصدامي المسماة بوابة قبة الصخرة ، تلك البوابة التي شيدها صدام حسين لتكون مدخلاً رئيسياً لقصره الرئاسي ، كان الطاغية يمر من تلك البوابة كل يوم ، وكنا في ذلك الزمن الأسود نرى قبة الصخرة المنتصبة اعلى تلك البوابة من بعيد ، ونحول انظارنا عنها بسرعة خوفاً من ذلك الرعب المجهول الذي كان مزروعاً حتى في عظامنا ، فلا احد فينا كان يتجرأ على مجرد النظر الى البوابة الرئيسية لصدام حسين وقصره الجمهوري .

 
ولهذا حين رأيتها بعد سقوط الجلاد ، لم تكن تمثل لي مجرد بناء بل كانت قصة وتاريخ وقضية ، طلبت من السائق ان يخفف السرعة لأدنى قدر ، لا اعرف حقيقة المشاعر التي انتابتني في تلك اللحظات الا انها من كثرتها واختلاطها كبيرة على الوصف ، وصلنا اليها ، الى تلك البوابة اللعينة التي يعلوها مجسم قبة الصخرة ، طلبت منه التوقف ، نزلت من العجلة فاقداً لأي شعور بالزمان أو المكان ، فقط انظر الى البوابة ، اتلمس جدرانها المشيدة من حجر الحلان ، ارفع عيني الى اعلاها والى تلك القبة ، اجول بنظري الى الشارع الى الاشجار الى كل شيء وكل الجهات ، نعم ان هذا حقيقي ، انا الفيلي المحطم اقف بشموخ في بوابة صدام حسين ، وصدام حسين بكل جبروته في المزابل .

 
( 3 ) 
نعود الآن الى عنوان هذه السطور ، الى سر القاعة العمياء ، في زيارة الوفد الفيلي الذي دعي الى مجلس النواب يوم أمس الخامس من تموز ، كان المقرر عقد الاجتماع في قاعة معينة ، ولكنني نقلت الاجتماع الى قاعة اخرى بحكم طبيعة عملي وامكانية ذلك ، صحيح ان القاعة الاولى كانت صغيرة ولا تستوعب العدد ، ولكن كان لدي سبب آخر اقوى وهو سري الجميل وسر القاعة التي نقلت اليها الاجتماع وهو الذي اعترف اليكم به الان ، سألتني السيدة سروه عن سبب نقل مكان الاجتماع فكانت اجابتي لصغر حجم القاعة الاولى ، ولكن هذا في الحقيقة لم يكن السبب الرئيسي ، لقد نقلته الى قاعة كان اسمها في زمن المقبور صدام حسين ( القاعة العمياء ) !

 
فما هي تلك القاعة وما هو سرها ولماذا نقلت الاجتماع اليها ؟ انها ايها الاخوة احدى اهم القاعات التي تخص صدام حسين وكان يعقد فيها اجتماعاته المهمة ، القاعة محصنة تماماً ، الجدران والسقف من الكونكريت المسلح وبسمك لا تؤثر فيه الصواريخ ولهذا لم يقصفها الامريكان ايام الحرب رغم كونها مهمة وفي موقع وبناية مهمة ، مغلفة من جميع الجهات بمواد كاتمة للصوت وارضيتها مضادة للنيران مهما كانت شدتها ، ابوابها محصنة وثقيلة ولا يمكن فتحها بسهولة  ، فيها منظومة متكاملة للصوتيات والمرئيات والاتصالات وكانت تحوي في زمن المقبور كما سمعت منظومات متطورة جداً للقيادة والسيطرة ، بالاضافة الى العديد من المميزات والامكانات التي تتيح لصدام حسين التحكم في كل شيء وهو جالس في قاعته تلك دون ان يخترق اسرارها احد ، ولهذا كان صدام حسين يسميها ( القاعة العمياء ) .

طالما تعجبني الدلالات الرمزية للأشياء والاماكن ، واحب الربط الروحي بينها وبين الاحداث ، ففي هذه القاعة كان يجلس صدام حسين ليتحكم بمصيرنا ، وفي هذه القاعة بالذات كان اجتماع الفيليين بعد زمن تغير ونظام ذهب الى مصيره المحتوم ليقرروا صفحة من مستقبلهم ، لقد كان سبب نقلي لمحل الاجتماع رسالة روحية لها دلالات زمنية ورمزية لأوضاع مختلفة ، فهنا كان يجلس صدام حسين ليتخذ قراراته الاجرامية بحق الكُرد وكردستان والبيشمركة والفيليين ، وهنا كان اجتماع ابناء البيشمركة سروه عبد الواحد وكاوة محمد وامين بكر وهوشيار عبد الله ومحمود رضا وشيرين رضا ونوزاد شواني ومسعود حيدر الذي قدم من عائلته 282 شهيد بيشمركة ، وهنا جلس الفيليون طالب وياسر وعامر وستار وناظر ومحمد وعلي حسين وحيدر هشام ومحمد كوران وشاكر النعماني الفيلي ليبحثوا ويتدارسوا الحلول لجرائم صدام بحقهم ، في نفس القاعة ، القاعة العمياء .

6 تموز 2017

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close