سفرة عائلية عند رأس الطرف

اذا طلبت من روائي كتابة خاطرة عن اوضاع العراق الحالية، لعله يكتب شيء من هذا القبيل:

سفرة عائلية عند رأس الطرف

في حارتنا الصغيرة هناك ازقة عديدة، أقدمها زقاق اسمه الرافدين، يحتوي على بعض البيوت القديمة والصغيرة فقط، يسكنها منذ زمن طويل عوائل كل من الحاج التاجر عباس والأستاذ المسلكي ابو فاروق وكاكا حمه، صاحب المتجر الصغير، ومدرس العلوم في مدرسة الحارة السيد عمانوئيل، والصائغ سعدون.

في الأسبوع الماضي مرت على حارتنا عاصفة هوجاء ملوثة بدخان اسود، وكان زقاق الرافدين أكثر الازقة تضرراً، ونتيجةً لقدم منازل الحارة وعدم تحصنها بإجراءات الصحة والسلامة، أدت هذه العاصفة الى تساقط سقوف وجدران بعض البيوت بالإضافة الى فقدان حياة بعض من اولاد الحارة نتيجةً لتفشي بعض الامراض مثل الالتهاب الرئوي الحاد وغيرها.

اجتمعت بيوت زقاق الرافدين والأزقة الاخرى لدراسة تداعيات العاصفة وإمكانية تكوين جمعية خيرية لمساعدة المحتاجين والمتضررين. بشأن زقاق الرافدين تبرع اربعة من الاثرياء من اصحاب البيوت الكبيرة برعاية ابناء الزقاق، كلٌ حسب طريقته وأسلوبه، وهم الحاج فارس تاجر السجاد والعم ابو سام صاحب المول الكبير والشيخ ابو فهد صاحب الاراضي والاملاك بالإضافة الى ارسلان بيك صاحب الفندق في مركز المدينة، ومن المفارقة ان الاثرياء الاربعة لا يتوددون الى بعضهم البعض كثيراً، إلاّ ان حجم كارثة العاصفة الهوجاء جعلتهم يركزون على زقاق الرافدين وابنائه ووضعوا خلافاتهم وعدائهم على الرف مؤقتاً ولو لفترة قصيرة، والتقوا لتداول شؤون الزقاق واتفقوا على توجيه اقتراح إلى أبنائه بتنظيم سفرة جماعية لعوائل الزقاق الى احدى المرافق السياحية كنوع من الترفيه واستعادة العافية قبل البدء بالعمل الجاد في اعادة بناء بيوتهم، وطُلب من عوائل الزقاق تداول الامر فيما بينهم بخصوص تفاصيل السفرة وشؤونها الاخرى.

اتفق الحاج عباس وأبو فاروق وكاكا حمه والسيدين عمانوئيل وسعدون على المضي بالسفرة بعد يومين سويةً الى المرفق السياحي والالتقاء عند رأس الطرف وبالتحديد بعد صلاة الظهر، وذلك بعد نقاش طويل وساخن حول طبيعة الأكلات التي يريدون ان يحضروها ويأخذوها معهم وغيرها من مستلزمات السفرة المهمة (من وجهة نظرهم) ورجع الرجال الى بيوتهم وأبلغوا عوائلهم بالقرار الجماعي للسفرة لغرض الاستعداد لها.

بعد يومين، وبعد صلاة الظهر مباشرةً، وعند رأس الطرف، التقت عوائل الزقاق لغرض التحرك الى المرفق السياحي إلاّ انهم اكتشفوا ان نقاشاتهم الساخنة لم تتضمن أمور أساسية مثل آلية السفر ان كانت بالطائرة او السيارة؟ ومدة السفرة؟ وهل تم حجز الغرف في المرفق السياحي لعوائلهم أم لا؟ بالإضافة الى ذلك وبعد السلام والتحية الحارة تبين ان كاكا حمه كان متعجل بالسفر الى درجة انه لم يجلب معه الملابس المناسبة للسفرة والمعيشة في المرفق السياحي وعندما سُئل عن السبب أجابهم “ندبرها والله كريم”، ومن جانب اخر تبين ان الحاج عباس قرر ان يصطحب معه بعض من أفراد عائلته فقط وترك المرضى منهم في الزقاق وذلك لأنه لا يملك “الخلگ” لرعايتهم. كاكا حمه والحاج عباس انتظرا استاذ ابو فاروق وإذا به يأتي اليهم ومعه الأولاد فقط وعند السؤال عن باقي أفراد عائلته من السيدات اجاب انه لا يرى الحاجة اليهم وخصوصاً وان العلاقة بين زوجتيه غير ودية ولا يريد ان “يدوخون رأسه”، وهكذا الامور كانت بالنسبة لعائلتي عمانوئيل وسعدون ايضاً.

حضر الحاج فارس والعم ابو سام والشيخ ابو فهد وأرسلان بيك عند رأس الطرف لتوديع العوائل المتوجهة الى المرفق السياحي واذا بهم يَرَوْن ان أبناء زقاق الرافدين يفرشون الارض ويأكلون سوياً ما جلبوا معهم من الأكلات الشعبية مثل الدولمة والهبيط والكباب…الخ ويناقشون بحدة أسباب العاصفة الهوجاء السوداء ويدعون اولاد الأزقة الاخرى لمشاركتهم الاكل والنقاش الحاد ناسين خراب بيوت الزقاق وضياع فرصة سفرة المرفق السياحي. بعد شربهم الشاي استفسر الاثرياء الاربعة من عوائل زقاق الرافدين عن أسباب عدم سفرهم واستمعوا بتعجب الى ردود ابناء الزقاق غير المقنعة وإذا بهم ينظرون الى بعضهم البعض ويقولون………((ساترك للقارئ الكريم حرية وضع النهاية المؤملة لهذه الخاطرة القصيرة)).

مع تحياتي

لقمان عبد الرحيم الفيلي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close