الإسلام والدولة المدنية في نظر المرجع اليعقوبي

علي الابراهيمي

سلب الروابط التاريخية عن الأسس المنطقية او ( النواة الجوهرية ) للعلمانية يستدعي عقلياً تطبيق هذه القاعدة على التجربة الدينية ، وبالتالي فصل الروابط التاريخية عن نواتها الجوهرية اذا وافقنا هذه الفكرة . وكذلك يقتضي ايمان البعض بضرورة وجود ترميمات خارج هذه النواة للقضية العلمانية ، من خلال ديموقراطية تتفاعل مع الزمان والمكان اسقاط هذه الفكرة على التجربة الدينية ومنحها الفرصة الدائمة للبقاء ، الامر الذي يكشف عن تناقضات تأسيسية لدى الفكر العلماني العربي تقوم على خصومة مع الدين فقط .

لقد استعرضت مسبقاً في كتاب خاص تحت عنوان ( صراع الحضارتين ) خلفيات قيام الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ، وانها ليست سوى الوريث المباشر للعقائد الفرعونية الباطنية ، من خلال تسخير دين مسروق هو المسيحية التي حرّفها الد أعداء حاملها وحواريه ، وتبني اشد الأعداء عنفاً ضد أبنائها وهي الدولة الرومانية لها ، ثم التغلغل الواضح والخطير ليهود السنهدرين في قيادتها ، وهم الذين قام أسلافهم بمحاكمة السيد المسيح عليه السلام لصلبه . لذا ليس الصراع بين دعاة العلمانية والكنيسة الكاثوليكية سوى صراع بين جهتين علمانيتين لكن بثياب مختلفة . وخارج السياق التاريخي والعقدي هذا ستكون محاولات بعض العلمانيين الفكرية التأسيسية مصادرة على المطلوب .

وبعد ان لمسنا الفكر المتطرف للبعض من دعاة العلمانية ، لا يسعنا الاستغراب من رؤيتهم للغرض الأخير للعلمانية ، حيث يرون ( ان هذا الغرض هو تقويض الأسس التي يقوم عليها مفهوم الدولة الدينية ) . وهم هنا يذهبون ابعد من المنشأ الأوروبي للعلمانية ، التي ناقشت طويلاً الأسس الفكرية للكنيسة ، ثم أبقت لها مساحة ترتبط بالزوايا التربوية والروحية . لكنّ هؤلاء العرب يريدون إزاحة اية نسبة مشاركة للنص الديني ، مهما كان ، حتى على مستوى ابداء الرأي كما هو الحال في البلدان العربية العلمانية رسميا ، وحتى على مستوى كونها جماعة بشرية لها حق التعبير .

ويفترض البعض الامكانية المنطقية لتأويل كل نص في الإسلام ، وبالتالي لا معنى لقاعدة ( لا تأويل بوجود نص ) ، ليسير من خلال ذلك لغايته في مناقشة النصوص التي يستعين بها المسلم لإثبات حاكمية الدين السياسية . ومثال ذلك أننا ملزمون بمناقشة تلك النصوص للوقاية من امر معارضتها لاعتقاد المسلم الأساسي القائم على وحدانية الله وكلية صفاته . ان هذا الافتراض مغلوط بثبوت النص ، لان المرجعية التفسيرية للنص هي ظاهره ، ومن ثم لا يمكن للعقل تصور وجود نص ثابت يتعارض مع الروحانية .

ومن المقدمات السابقة ننطلق نحن لمناقشة هل ان العلاقة بين الإسلام والسياسة علاقة مفهومية ام تاريخية ؟ بمعنى هل اقتضت الظروف التاريخية إقامة دولة للنبي ، باعتبار انه لولا الهجرة للمدينة لبقي القران كتاباً طقسياً فقط ، ام ان العقيدة الإسلامية هي التي تتضمن ضرورة إقامة دولة ؟

الإسلام – كعقيدة وتشريع – هو نتيجة سياق تاريخي لنضوج العقل البشري ، من خلال جهود الأنبياء السابقين ، لا كنتيجة للسياق التاريخي السياسي ، ف ( من يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه ) . من ثم لا يمكن لاحد اعتبار ان الله قد خالف الضرورة عندما امر المسلم بتطبيق الشريعة كحاكمية ، لأنه افتراض يقوم على افتراض اخر غير مثبت اساساً يقول بان الشريعة مخالفة لمصالح الانسان مع تغيّر الزمن ، وهو انقياد غير موضوعي وغير علمي للعاطفة العلمانية ، إذ يحتاج هذا الافتراض للثبوت كي يثبت ما يُبنى عليه من افتراضات ، وهذا ما يحتاج الى الإحاطة بمعرفة معيارية وشاملة بكل عالم الإمكان ، وهو امر مستحيل .

ان المفارقة الحقيقية هي ان يرى أولئك العلمانيين ان المنطق يستدعي انه اذا كانت مبادئ الإسلام كونية فلا ينبغي ان تكون له احكام عملية ، لان الأخيرة نسبية بنظرهم . ولا نعرف ما قصد هؤلاء بكونية مبادئ الإسلام ، هل بمعنى انها موجهة لعموم الكون الغير ناطق ، فحينئذ لا يكون من داع لوجود النبوات ، فما على الله الا تقنين هذه المبادئ بنحو فيزيائي ، اما اذا كانت هذه الكونية بمعنى العالمية ، عندئذ يجب ان تجد لها واقعاً عملياً عاقلاً ، والا لم يكن لها من داع معرفي .

ان الإشكال الأكبر الذي يطرحه بعض العلمانيين العرب يتمثل بقولهم ( اذا كانت المعرفة الدينية – وهي عنده مرتبطة بالله بصورة انطولوجية – ضرورية منطقياً ، فاشتقاق المعرفة العملية – التي هي جائزة منطقياً – امر غير ممكن منطقياً ، لان ” الضرورة المنطقية صفة وراثية ” بمعنى ان الضرورة يجب ان تسري الى الجائز ، وهذا قطعاً يجعله ضرورياً ، وهو امر غير ممكن ) .

ان هذا الإشكال باطل منطقياً ايضاً ، وباطل انطولوجياً ، فمن حيث المنطق اذا كانت المقدمات تقول ان كل موجود من مادة وفعل قد وجد بالله ، وان الله ضروري الوجود كما افعاله وصفاته ، وان الموجودات غير ضرورية منطقياً ، اذن تكون النتيجة المنطقية ان ( غير الضروري ) مشتق من ( الضروري ) . اما انطولوجياً فهو هو ذات الاستدلال المنطقي لكن يصلح هنا أيضًا ، إذ كل الوجود ( الإمكاني ) مشتق من ( واجب الوجود ) . من ثم لا تصلح استدلالات هؤلاء لإيجاد موانع منطقية بين المعرفة العملية والمعرفة الدينية ، الا اذا انكروا وجود الله ، او انكروا وجودنا .

وبما سبق ايضاً – والاستعانة بالحقيقة التاريخية – يمكننا التأكيد على بطلان ادعاء بعض العلمانيين ( أننا كبشر امكننا انتاج معرفة علمية مستقلة عن النص الديني ، لا سيما في العصر الحديث ) . إذ هم هنا يستعينون بواقع تاريخي استقرائي لتقديم فرض منطقي يتمثل في الامكانية العملية لإنتاج معرفة علمية دون أساس ديني . والحقيقة ان الواقع التاريخي يكشف عن امرين : ان تأسيساتنا المنطقية العقلية كمجموعة بشرية نشأت في رحم المؤسسة الدينية ، وان الغالبية العظمى من واضعي أسس التاريخ العلمي الحديث كانوا من طلبة المعاهد الدينية ككوبرنيكوس وجابر بن حيان ، او وضعوا كتبهم لأسباب لاهوتية كنيوتن .

ان الإسلام لا يوازن بين مصلحة ومفسدة عند وضع الأسس المبدئية ، بل يحتكم مباشرة الى المثل العليا ، ( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ، ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) . الا ان اعتراض الانسان بمفسدة ما يقتضي معالجة الدين الآنية للقضية حتى يصل بالفاسد لمستوى المثل .

ومن الغريب ان يسأل بعضهم ( اذا كان الله ترك لنا معرفة الحقائق الرياضية والعلمية ، لماذا لا يترك لعقولنا ذاتها معرفة الحقائق الأخلاقية ؟ ولماذا نحتاج هنا فقط للاحتكام لأوامر الله ؟ ) ! . فمن الذي قال ان الله ترك لنا المعرفة العلمية دون بيان ؟ فربما جميع ما ورثناه من أسس علمية – وكما اشرنا لهذا الامر سابقاً – ناشئ عن معرفة دينية بمعناها الخاص والعام . كما ان المعرفة العلمية من نوع تحقيق المصلحة ، فيما تركُ المعرفة الأخلاقية يعني تحقق المفسدة ، ودفع المفاسد مقدّم على جلب المصالح ، لأسباب مرتبطة بالجانب العملي للإنسان ، لا بما يريده الله . ثم ان المعرفتين ممتزجتان متكاملتان من الناحية الدينية ، لان سلوك الانسان يؤثر في كل الأبعاد الوجودية ، لذا يقتضي ترابطهما ، مع بقاء نسبية ظهورهما ، وكما نرى ان الانسان حين وصل لمستوى عقلي يؤهله للاستحواذ على أدوات بمستوى خطير ظهرت المعرفة الأخلاقية بنحو يناسب هذه الخطورة من ناحية الفلسفة والتشريع . لكننا تنزلاً لو افترضنا ان الله سمح بمعرفة علمية مستقلة – وهي ليست كذلك فلسفياً – فهل هذا مبرر الاستقلالية الأخلاقية ايضاً ؟ الجواب كلا ، لان صناعة سيارة تخدم الانسان امر قد لا يضر بمستوى التأثير الذي يلعبه الوعي الفاسد على ابعاد مشتركة مع الانسان في الكون ، اذا وافقنا النظرية الكمومية على رؤيتها للوعي واثره فيزيقياً . ومن هنا نرى ان الاخلاق ذات جنبتين فيزيقية وميتافيزيقية .

( وقد حثّنا الله تبارك وتعالى على أن نتعامل بيننا –كإخوة مؤمنين- بهذا الأسلوب، قال تعالى: ” وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ” ، أي لا تنسوا معاملة الاخرين بالتفضل والتسامح في كل المعاملات والعلاقات ففي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: ” رحم الله عبداً سَمِحاً إذا باع، سَمِحاً إذا اشترى، سَمِحاً أذا قضى، سَمِحاً أذا اقتضى ” ، ولما كان الجزاء يوم القيامة منسجماً مع سلوك الإنسان وعمله في الدنيا، فإن كان متسامحاً في تعامله مع الناس حوسب باليسر والكرم، وإلا شدد عليه مقاصة له لأنه التزم بهذه الطريقة من التعامل في الدنيا، قال تعالى: ” فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ” ، وفي مقابلهم أصحاب الشمال ” فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً ” ).

من هذا المنطق التسامحي ينطلق المرجع الشيخ محمد اليعقوبي دام ظله لبيان أسس المدنية في الإسلام ، إذ هي المدنية القائمة على العلاقة بين عالمين ، احدهما ابدي .

لقد رأى سماحته انه في خضّم جهلها بما يجري من جدل في المؤسسات الغربية ذاتها المنتجة للأسس السياسية والعملية الحديثة باتت مؤسساتنا وجماعاتنا الثقافية والسياسية تعيش الازدواجية في موقفها من الدين ، حيث يعمد البعض الى إقصائه تماماً عن الساحة العملية .

ان التقدم العلمي والصناعي الاوربي احتكاري وماص للثروات – لاسيما في الحقبة الاستعمارية – فقد حصل العلمانيون العرب على ( الفكر العلماني ) , ولم يحظوا بما ارادوا من التقدم التقني الذي احرزته العلمانية في اوربا . وهي قسمة ضيزى , لا يخرج بأمثالها الا اجهزة الاستنساخ الموجودة بدلا من العقل في رؤوس بعض العرب . لذا أوضح سماحته ان العلمانية اذا اريد منها حسن التنظيم والتوزيع الامثل للكفاءات وادارة المشاريع والمؤسسات من قبل ذوي التخصص , بمعنى انها مشتقة من كلمة العلم , وتهدف الى رقي المجتمعات ,فهي امر مرحب به كثيرا . لكنها اذا كانت بقصد زعزعة عقائد الناس , عبر تصوير معاداة الدين الاسلامي للعلم , او تسببه بالتخلف , فهي امر مرفوض ومغلوط كليا . كما كانت الحوزة العلمية – وهي المؤسسة الدينية العراقية – السبب الاساسي في ايجاد الدولة العراقية الحديثة , والعامل الاول في تثبيت حقوق المواطنة , واستنقاذ حقوق الجماهير , التي كادت تضيع بسبب اخطاء ورؤى – وربما عمالة – الجيل الاول من العلمانيين العرب . وكذلك انشئت المؤسسة الدينية العراقية مجموعة ضخمة من المؤسسات التعليمية والاكاديمية الاهلية , والتي تدرج فيها الكثير من رجالات العلم والمعرفة والصناعة والفكر العراقيين والعرب , حتى تمت ابادتها على ايدي منتحلي الفكر العلماني في العراق .

ان الدين ليس مجالاً لممارسة العلوم التطبيقية ، وليس هو عقيدة مناقضة لها ، فالقران مثلاً ليس كتابا في العلوم التطبيقية ، وإلا كان حجمه بحجم الكون كله . القران كتاب للكليات الذهنية والكونية ، او لنقل انه دليل المخلوق لمعرفة خالقه ونفسه ومحيطه ، وبذلك فهو السراج او النور في طريق السائر بآلة العلم ، لذلك نرى الآيات التي تحثّ على العلم فيه كثيرة :

( اقرأ باسمِ ربِّكَ الَّذي خلَق * خلَقَ الإنسانَ من علَق * اقرأ وربُّكَ الأكرم * الَّذي علَّمَ بالقلَم * علَّم الإنسانَ ما لم يعلم ) العلق

( يرفع الله الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العِلمَ درجاتٍ ) المجادلة

( إنَّ في خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ واختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأولي الألباب الَّذين يَذْكُرونَ الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم ويتفَكَّرونَ في خلْقِ السَّـمواتِ والأرضِ ربَّـنـا مـا خـلَقْت هذا باطلاً سـبحانَك فَقِنَا عذابَ النَّار ) آل عمران

( وقل ربِّ زدني علماً ) طه

( أَمَّنْ هو قانتٌ آناءَ اللَّيلِ ساجداً وقائماً يَحذَرُ الآخرةَ ويَرجو رحمةَ ربِّهِ قلْ هل يستوي الَّذين يعلمونَ والَّذين لا يعلمونَ إنَّما يَتَذكَّرُ أولوا الألباب ) الزمر

( ألم تَرَ أنَّ الله أنزلَ من السَّماء ماءً فأخرجنا به ثمراتٍ مُخْتلفاً ألوانُها ومن الجبالِ جُدَدٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانُها وغرابيبُ سُودٌ ومن النَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلك إنَّما يَخشى الله من عبادهِ العلماءُ إنَّ الله عزيزٌ غفور ) فاطر

وهذا شيخ الكيميائيين في العالم ( جابر بن حيّان ) يقول في رسائله : ( ( وهذا – وحق سيدي – وأمثاله سبب كشف العلوم المستصعبة في العالم وتقريب الأزمان الطوال فيها وفي ذلك بلاغ لأولي الألباب . فإن كنت إنساناً فستعلم ما فائدة ذلك وتحرص على جمع كتبنا هذه وتأخذ منها : علم النبي ، وعلي ، وسيدي ، وما بينهم من الأولاد ، منقولاً نقلاً مما كان وهو كائن وما يكون من بعد إلى أن تقوم الساعة. وبذلك أمرني سيدي أن أقول في هذه الكتب المائة والأربعة والأربعين … وعليك بالهندسة تصل إلى ما تحب من هذه العلوم ، وهذا من خواص الخواص إن فطنت والسلام ) .

وبالتالي كان الاسلام داعياً للعلم والتقدم ، خلاف المنهج الذي سارت عليه الكنيسة من قمع الحركة العلمية ، لأنها كانت تخشى على العقائد التي أوجدتها يد التحريف ضمن الكتاب المقدس ، كما انها ارادت ابقاء دائرة الجهل حفاظاً على تيجان الملوك الذين تتحالف معهم . وفي الوقت الذي امتزجت فيه العلوم التطبيقية مع العلوم الانسانية والدينية على مرّ العصور في المؤسسة الاسلامية فأنتجت مجموعة كبيرة من العلماء العاملين في المجالين الارشادي والتطبيقي نرى اليوم انّ هناك مؤسسات إسلامية كبرى تشترط ان يمتلك طلّاب العلم المتقدمين اليها بعداً أكاديمياً جامعياً ، كجامعة الصدر الدينية في العراق ، وفي ايران تحتضن عدة جامعات كبرى مزيج الاتجاهين العلميين ، كجامعة الامام الصادق في طهران ، وفي مصر هناك جامعة الأزهر .

في العام ١٩٢٠ كان قيام الدولة العراقية الحديثة بعد ثورة الشعب العراقي الكبرى بقيادة الحوزة العلمية والنخب الاجتماعية ، وتم تسليم السلطة من قبل الاحتلال البريطاني الى عناصر ( جمعية العهد ) ، التي كانت تقيم خارج العراق ولا تحظى بوجود على الارض ومصابة برفض ونبذ اجتماعي ، بسبب تكوّنها من الضبّاط الذين خانوا الدولة العثمانية وأيَّدوا الوجود البريطاني الاستعماري ، كما انهم كانوا جزءا مهما من ماكنة سحق طائفية في زمن العثمانيين . في الوقت ذاته قامت القوات البريطانية بالتعاون مع المرتزقة الجدد بمحاربة وإيذاء كوادر ( جمعية الاستقلال ) التي قادت جهود محاربة الاحتلال البريطاني ودعمت ضمنيا القوات العثمانية لاعتبارات دينية واقليمية ، وكانت ( الاستقلال ) تتمتع بدعم ووجود جماهيري كبير بسبب ارتباطها الوثيق بالقيادة الدينية العراقية وتشكّلها من عناصر نخبوية بعيدة عن الغنائم العثمانية او المصالح البريطانية ، فيما كانت ( العهد ) خاوية الفكر .

هذا كلّه جعل من السلطة العراقية – بكل كوادرها الإدارية والعسكرية – تعيش عقدة النقص والحاجة امام بريطانيا والأجنبي عموما ، كما تعيش عقدة العداء للشعب . واستمرت هذه العقد بالتطور والتعقيد مع مرور الزمن ، ومع استمرار المقاومة الشعبية لهذه الظاهرة الدخيلة والمفروضة ، ومع ازدياد الوجه الطائفي للحكومة العراقية البريطانية .

وقد عملت السلطات المشتركة على دمج مجتمع البداوة في صحارى العراق ضمن الحكومة والادارات المختلفة في المدن والقرى ، واعتماد الإبعاد الكلي لمن يعارض او عارض الوجود البريطاني ، مستغلة الرؤية الدينية لغالبية الشعب العراقي آنذاك التي تحرّم العمل تحت ولاية الظالم والسلطات الجائرة ، الامر الذي افرغ الساحة تماما امام عناصر البداوة والطائفية ، وامام صنائع بريطانيا .

النخب العراقية كانت في الغالب ضمن الدائرة المعارضة للوجود الاستعماري ، وكان الاقتصاد العراقي في نطاق هذه الدائرة ايضاً وهو الأفضل لخصوبة الارض وحركية المجتمع وتمدّنه ، لذاك كان ابتعادهم – لأسباب دينية او سياسية – فرصة لاستيلاء المتعاونين مع بريطانيا على الادارة ، مما سمح بدوائر ومؤسسات تحمل عقل الصحراء الغريب .

ورغم انّ الشعب العراقي انطلق في ثورة العشرين – وقبلها ثورة بني مالك ١٩١٩ – تحت تنظيرات دينية ووطنية تقودها الحوزة العلمية ، الا انّ المرجعية الدينية التي كان لها اليد العليا فوق المراجع الموجودين آنذاك لم يكن لها مشروع سياسي ولا اداري ، وإنما كان تساير الحركة العشائرية النخبوية للمجتمع العراقي بعفوية فقط ، وهذا ما لا يتناسب والعقل البريطاني ، ولا يمكن له صدّ غنائمية وانتهازية البدو . كما تم لتلك الأسباب مجتمعة تصفية النخب والقادة الدينيين المعارضين خلال فترة وجيزة ، دون وجود مشروع مرجعي او سياسة مرجعية موازية وواضحة تناسب الحدث او تكافئ الدم العراقي المواجه . هذا أنتج سرقة الثورة والدم من قبل الذين خانوا بلدهم وتعاملوا مع المحتل البريطاني ، والذين لم يكن أمامهم من خيار سوى تأهيل المزيد من البدو لإدارة المؤسسات .

قد يتساءل البعض عن استخدام مفردة ( البدو ) وجدّية إشكاليتها الوطنية ، والاجابة عن ذلك تكفي عبر استخدام مثال واحد ، فحين عقدت القوى الوطنية والعشائر العراقية الكبرى مؤتمر كربلاء للضغط على الملك ومطالبته باحترام السيادة الوطنية وتقليل خضوعه للإنجليز قام ( علي السليمان ) شيخ الدليم بعقد مؤتمر الحلة بالضد من مؤتمر كربلاء ، وقام بكتابة عريضة تطالب الملك باحترام بريطانيا وزيادة التداخل معها ، وهي العريضة التي أخجلت السفير البريطاني ، حيث طلب الى شيخ الدليم ان يجعل هذه المطالَب امام الملك شفوية فقط ، لأنها ستسبب له وللدليم ومن اجتمع معهم حرجا عشائريا ، لكن ( السليمان ) ظل ضمن أربعة يستلمون راتبا شهريا علنيا من بريطانيا ، فيما كان غيره من شيوخ البدو يفضلون السريّة ! .

هذا الغياب الديني من حيث المشروع – رغم التاريخ والعزم والهمة الشعبية – وكذلك الانتهازية الصحراوية ووجود الخونة في السلطة واختلاف مصالحهم ، كما تبدّل مصالح البريطانيين ، أدّى الى مجموعة من الانقلابات العسكرية السلطوية ، العاملة تحت الراية البريطانية بكل صورها . لتنتقل الدولة العراقية – بمؤسساتها – من مبادئ المدنية الى حاكمية مجالس قيادة الثورة ورؤى العسكريين ، ومن ثم – مع ازدياد الاختلاف – استعان كل جنرال عسكري بعشيرته او من يتحالف معه . وبسبب استمرار الانتفاضات المنطلقة من بعد ديني ممتزج بالعشائرية والنخبوية ضد الوجود البريطاني او النفوذ الأجنبي لاحقا وضد غلواء البداوة وانهيار المدنية العراقية ورفضا لانهيار البنى الاخلاقية التي كانت تحكم المشهد العراقي تاريخيا ، بسبب ذلك زاد اعتماد الجنرالات ومجالسهم على العشائرية ، وتم ربط الدوائر والمؤسسات بحركة المؤسسة العسكرية ذاتها .

ومع ازدياد اختلاف القادة العسكريين فيما بينهم وخروج الجندي البريطاني كان لابد من الاعتماد على مبدأ العشائرية . هذه العشائر كانت في الغالب غير مؤهلة حضاريا وعلميا لإدارة الدولة ، لكنها كانت تتمتع بميزة احترام السلطان التي يوفرها العقل البدوي نوعاً ما لأسباب اعتقادية، وعليها يتم انشاء الأجيال المختلفة ، على عكس عشائر الأغلبية القادمة من مدنية تاريخية التي تنشأ على مبدأ رفض حاكمية الظالم ، ذلك منح العشائر الصحراوية صكّ إدارة مؤسسات الدولة العراقية ، وهذه العشائر جاءت حاملة كل الروح الغنائمية الانتهازية والدكتاتورية التي يتصفّ بها طيفها .

ومع ذلك كانت الحكومات العراقية المتعاقبة تعاني انّ غالبية الشعب العراقي هم من ذوي التاريخ المدني والديني، وهم قد تربّوا على رفض حاكمية الظالم ، لذلك ليس من السهل إخضاعهم لرأي العسكر . لكن كانت المؤسسات بحاجة الى خدماتهم ، فتمّ تطويقهم اقتصاديا وتجويعهم ، ومن ثمّ دمجهم ضمن الدوائر الحكومية ، لكن تحت إشراف وإدارة العسكر والعشائريين – الذين تمّ اعادة تأهيل الكثير منهم – ، فكانت الصورة تظهر قواعد ويد عاملة تختلف جذريا عن اداراتها ، وكان الإبداع يأتي من القواعد لتتباهى به الإدارات الدكتاتورية .

في خضم ذلك كان التعليم قد جمع بين ظواهر العسكرة والطائفية والعشائرية ، لكن وفق القواعد المرسومة بريطانياً ، وتم انشاء اجيال من العقول المشوهة ، وأنتج الصراع الاجتماعي اجيال من المضغوطين نفسيا ، وتسببت الدماء السائلة بشرخ وجرح اجتماعي خطير ، وتسبب الانتقال من ريف الجنوب الى المدن المحاصرة – بسبب السياسة التطويقية المتعمدة – الى انهيار النفس والقيمة لدى الانسان الجنوبي ، كذلك فعل دمج الصحراء باللون الأخضر ضمن قطاعات مباني واحدة ، واقصد هنا ديموغرافيا ، الى بروز ظواهر وامراض اجتماعية كبيرة .

انّ ضياع التاريخ والجهد الثوري الديني واستلابه والحصار المفروض على اقتصاد المنتمين اليه وغياب المشروع المرجعي المنقذ وصعود الانتهازيين والنفعيين في كل الاطياف تحت ظلّ الظروف المشوهة تلك ، وكذلك عقدة التاريخ والحاجة للأجنبي التي عاشها الطرف السلطوي وما جلبه من أمراض الصحراء ، كل ذلك أنتج شخصية ادارية وسياسية عراقية مريضة ومشتتة .

في السبعينات وبعد تكريس السلطة لصالح حزب البعث كان الوضع يشهد موقفا طريفا ، حيث وصلت قيم البداوة والانهيار القيمي والمهني – بفعل هذا التيار الصحراوي المائج منذ قيام الدولة العراقية الحديثة – الى مرحلة الصراع بين طرفي نقيض في الحزب ، فمن جانب كانت هناك الكوادر الأكاديمية التي تمثّل واجهة الحزب الفنية والإدارية ، ومن جانب اخر كانت هناك الكوادر العشائرية الصحراوية التي كانت تشغل مراكزا أمنية واستخبارية ، وجميعها تحت نظر الادارة العسكرية التي ضعفت كثيرا بسبب انهيار القيم العسكرية تحت ضغط الغنائمية والانتهازية الصحراوية . وفي كل تلك المراحل كان من الضروري لدى السلطة وحلفائها الدوليين فصل الدين عن الدولة ، باعتباره يقود المواجهة ضد ديكتاتوريتهم واستبدادهم ، لا كما كان في أوربا من حدوث العكس ، ومن هنا نشأت العلمانية العربية .

هذا المثال يكشف لنا بوضوح حقيقة الظرف التاريخي الذي قُدّمَ من خلاله النموذج العلماني للمنطقة العربية ، لا سيما ونحن نتحدث عن اكثر حواضرها إشراقاً وهو العراق ، لتكون النتيجة انّ العلمانية العربية جاءت مشوهة وزُرعت في غير ارضها وسُقيت بالجور والازدواجية والفوضى ، ليتحصّل من ذلك مجتمعات مصابة بأمراض فكرية عديدة .

غير ان هذا لا يمنع الإسلام من الدعوة لقيام دولة مدنية ، وهو ما دعا اليه سماحة المرجع اليعقوبي ، لا بالنحو الذي يعيد صياغة العلمانية من خلال التلاعب بالمفاهيم ، وإرادة حبس الدين في المسجد ومن ثم الاحتكام الى رؤى وضعية متناقضة ومتبدلة ، بل من خلال احترام مبادئ التمدن كحرية الاعتقاد والعلم والمواطنة.

ان دول الأنبياء عليهم السلام لم تكن يوماً دولاً ثيوقراطية بالمعنى المتداول ، ومن الظلم ادعاء ذلك ، إذ ان الدول الثيوقراطية تختزل الدولة في مقام الحاكم ، بينما تخدم الدولة الدينية الانسانَ . فدول الأنبياء انتقلت ببني الانسان من واقع البداوة والرعي الى مقامات مدنية عليا أسست لثقافتنا المعاصرة ، ولم نشهد في التاريخ تأسيساً فلسفيا انتج المدنية المعرفية كما كان من حركة الأنبياء .

لذا فالخوف من وصول الإسلاميين للحكم ليس مبرراً ، الا فيما يخص التطبيقات المتطرفة للنصوص من قبل بعض الإسلاميين المتطرفين ، والخوف من توابع الافشال الذي سيحاوله الكثيرون من الداخل والخارج لأسباب مختلفة[1] .

لقد أصبح مصطلح الدولة الدينية محملاً بمعاني لا تحتملها اللغة، ولا ترتبط بالمشروع الإسلامي، ولكن تم صياغة هذا المصطلح لتكوين صورة سلبية يتم إلصاقها بالمشروع الإسلامي، حتى يحاصر بمعان سلبية، وتدخل الحركات الإسلامية في دائرة الدفاع عن مشروعها.

لقد أوجز بعض المفكرين معالم الدولة المدنية بالآتي : ( بشرية الحاكم وعدم قداسته ، الشعب مصدر السلطات ، حرية إبداء الرأي ( الشورى أو الديمقراطية بدرجاتها) ، الفصل بين السلطات ، التمثيل النيابي للشعب ، حق المواطنة ) . لكن مع احترام عقائد المجتمع .

اما وصف ( الإسلامي ) فتأتي أهمية تحديده من أنه برغم تخصيصه لمفهوم الفكر السياسي فإنه مفهوم إشكالي يثير معيار الحكم على فكر ما بأنه إسلامي لأن كلمة إسلامي قد تستخدم لوصف أفكار وممارسات لا ينطبق عليها هذا الوصف. ولما كان الإسلامي نسبة إلى أسلم أي انقاد وأخلص الدين لله تعالى وأسلم أمره إلى الله أي فوضه ورضي بحكمه فإن الإسلامي في صورته المثلى ما كان هدفه وغايته وسلوكه منهجا متوافقاً مع الأصول الإسلامية التي أجمع عليها القرآن والسنة فهناك أحداث في التاريخ الإسلامي تتناقض مع هذه الأصول ولكنها قد تنسب إلى الإسلام باعتبار أنها وقعت في دولة الإسلام أو في حضارة الإسلام وكذلك الأفكار المنسوبة إلى مفكرين مسلمين باعتبار الديانة لكنها تتضمن خروجاً على أصول الإسلام كأفكار بعض الفلاسفة فالفكر السياسي الإسلامي لابد أن تكون مرجعيته الإسلام معبراً عنه بالقرآن والسنة[2].

اما المواطنة التي هي بمعنى الانتماءِ إلى دولة ذات حدود جغرافية وكيان سياسي تترتب عليه حقوق وواجبات ، فهي مسألة مستحدثة في التاريخ البشري ، إذ كانت الشعوب في الغالب تتداخل بلا تجنيس ، رغم حفظ العناوين الانتمائية من منطلق قبلي . والإسلام عموماً دين عالمي يدعو الى الوحدة على أساس التوحيد ، وبذلك هو يسير باتجاه الغاء العصبيات القومية والفواصل الجغرافية بين بني الانسان . إضافة لما سبق يجب أن نقول أن فقهاء الشريعة لم يكونوا راضين عن تجزئة الدولة الإسلامية وتقسيم الأمة الواحدة ، ولم تكن نظرتهم لقيام الدولة القطرية نظرة إيجابية ، وخاصة وأن التجزئة والتقسيم كان بتأثير أجنبي استعماري ، مثل اتفاقية (سايكس بيكو). كما أن نوعية الحكومات والأنظمة التي قامت في البلاد الإسلامية لم تكن كلها موقع رضا من الفقهاء ، لذلك صمت الفقهاء عن الحديث السياسي ومنه فقه المواطنة[3]. الا ان ذلك لا يمنع الإسلام من دعوته لحب الأرض ، التي من مات دونها – في حكمه – فهو شهيد .

ان سماحة المرجع اليعقوبي يدرك ان اهم أسس المواطنة هي الحقوق ، لذا يناقشها حتى على مستوى الجنسين ، ومن ذلك قوله (فالآيات الشريفة واضحة وصريحة في تكافؤ الفرص والاستحقاقات بين المرأة والرجل، إلا أنه قد يختلف الرجال عن النساء بنوع المسؤوليات والواجبات بحسب اختلاف تركيبتهم التكوينية أي الفسيولوجية، وبحسب الدور الذي أنيط بهم في هذه الحياة قال تعالى [ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ] )[4] .

وهو كذلك يعلم ان الشباب هم ركيزة بناء الوطن ، لذلك يخاطبهم قائلا ( إن عليكم أن تبنوا أنفسكم ثم تنطلقوا الى مجتمعكم فتبذلون وسعكم في توعيته وإصلاحه والمطالبة بحقوقه وأن توفّروا له القيادة الصالحة التي تؤسس له الحياة الكريمة كما أرادها الله تعالى لعباده، ولا تتقاعسوا أو تشعروا بالإحباط أو تنزووا أو تعتزلوا مجتمعكم، فإنكم تضرّون بذلك أنفسكم، وتحرمون أُمتكم من هذه الطاقات الخلاّقة التي عندكم، فأنتم محركو الامة وباعثو الحياة فيها )[5] .

الركيزة الأخرى التي يراها المرجع اليعقوبي ضرورية لتنظيم أسس صالحة للمواطنة هي العلاقات الاجتماعية ، وضرورة معالجة التنافر الاجتماعي ، لذا هو يقول ( يجب علينا أن نميّز بين حب وبغض الشخص وحب وبغض عمله فقد نرفض عمل شخص لأنه غير صالح ولا يسري ذلك الى الشخص ذاته بل يبقى محبوباً لأنه متقي صالح فاعل للخير، وهذا معنى الحديث (إن الله قد يحب العبد ويبغض عمله) وهذا الأدب الرفيع لا يلتزم به الا من ندر، حيث أن السائد في المجتمع أنه يكره الشخص وينبذه ويسقطه ويسحق كرامته لأجل عمل شيء أو موقف خاطئ صدر منه )[6].

لكنّ القضية الأساس التي تشغل الكثيرين هي فكرة المواطنة في ظلّ رؤى إسلامية ، وآثارها من حقوق الأقليات ومراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ونجاسة الكافر وانشاء دور العبادة لغير المسلمين . وقد عالج سماحة المرجع اليعقوبي هذه الاثارات اخيراً بقوله ( الدولة الإسلامية تكفل حقوق جميع الأقليات على اختلاف عقائدهم وايديولوجياتهم، وهكذا كان الأمر في زمان حكومة النبي وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) بل حتى في زمان الحكومات المنحرفة كالأمويين والعباسيين، فلم يُقتل أحد لأنه ملحد أو كافر أو مشرك، وكان الملاحدة يحضرون موسم الحج ويسخرون من عقائد المسلمين وشعائرهم ولم يتعرض لهم أحد، ودخل الائمة (سلام الله عليهم أجمعين) معهم في مناظرات مفصّلة تجد جملة منها في كتاب (الاحتجاج). اما عمليات الخطف والقتل والإرهاب التي تحصل اليوم ويراد ألصاقها بالإسلام السياسي فانه بريء منها، وان الحصة الأكبر من ضحايا العنف هم من غير العلمانيين، فهذه العمليات ليست جزءاً من الصراع بين الإسلام والعلمانية وانما هي صراعات سياسية بين اجندات داخلية وخارجية وحرب مصالح وتقاسم مغانم وتوسيع نفوذ ونحو ذلك ).

وقوله ( ان استعمال اليد بالضرب ونحوه مرتبة متأخرة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تبدأ بالموعظة الحسنة والإرشاد والتوجيه والتوعية، وان مرتبة اليد مشروطة بإذن الحاكم الشرعي، وهو لا يأذن باستعمالها لأنه لا يملك هذا الحق وفق القوانين النافذة ولما فيها من اختلال النظام الاجتماعي العام والفقهاء مجمعون على ان حفظ هذا النظام أولى بالمراعاة وأهم من سائر الاحكام الفرعية فيقدَّم عليها، وقد أقام الائمة (عليهم السلام) ومراجع الدين عبر التاريخ مشروعهم ومؤسستهم في ظل الدولة القائمة والقوانين التي تراعي مصالح العباد ).

وكذلك فتواه في نجاسة الكافر ( بالنسبة لي فقد بحثت المسألة في موسوعة (فقه الخلاف) وذكرت الأدلة على طهارة كل إنسان الا اذا خرج عن القانون الذي ارتضاه الناس واقروّه واصبح عنصر إفساد وفتنة في المجتمع فيحكم بنجاسته كإجراء رادع من خلال تطويقه وعزله اجتماعياً واشعاره بالدونية وانه خارج عن الاطار العام للمجتمع، فالكافر لا يحكم بنجاسته من جهة انه مختلف عقائدياً مع المسلم وانما اذا اصبح عنصر إفساد وفتنة في المجتمع المسلم ).

وأخيرا قوله في الاعتراض على انشاء دور عبادة جديدة للملل الأخرى في بلاد المسلمين او التبشير بعقائد وايديولوجيات مخالفة للإسلام ( ان هذا الاشكال نظري لا موضوع له في الخارج لان الفقيه ليست لديه سلطة حتى يمكن ان ينفّذ مثل هذه الاحكام، وإنما يذكرها بعض الفقهاء في بطون الكتب فقط ولا واقع عملي لها، والأمر يتبع القوانين المعمول بها في تلك البلاد والتي تمثل توجّهات الأغلبية مع احترام حقوق الأقليات بحيث لا يكون فيها تجاوز على حقوق الأكثرية. وهذا معمول به في البلدان المتحضرة، مثلاً هل تسمح القوانين الألمانية بالتبشير للنازية وتمجيد هتلر، أو هل تقبل القوانين الاسرائيلية نفي مذبحة الهولوكست مثلاً، وان عدداً من الدول الأوربية منعت ارتداد الحجاب في المؤسسات الرسمية لأنه يخالف منهجها العلماني مثلاً ).

ان سماحته ينطلق من رؤية إسلامية تؤمن بحرية المعتقد تستند الى قوله تعالى ( لا اكراه في الدين )[7] ، وقوله جلّ شأنه ( ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدي من يشاء )[8] . على ان تحاط هذه الرؤية بقاعدة احترام الاخلاق العامة وأعراف المجتمع . لا ان تكون الحريات سبباً للفوضى والانحلال .

ان انحسار العلمانية في العالم العربي احرى ان يكون دليل فشل لمشروعها ، ومن ثم لا تكون الأسس التي بنيت عليها بالمتانة التي تمنحها صفة البناء الثابت الشامخ ، الامر الذي يستدعي فسح المجال لمشاريع أخرى تحظى بالتجربة ذاتها لإثبات وجودها .

ولم تكن العلمانية مشروعاً شعبياً في يوم من الأيام العربية لكنها كانت على الدوام سلاحاً سياسياً لقمع الانتفاضات والتجمعات المناوئة للسلطة ، فهي مشروع سلطة بدءاً وانتهاءً ، ظهرت كبديل عسكري لمظاهر مقارعة الاستعمار التي حملت وجهاً اسلامياً في العراق ومصر والجزائر وغيرها من البلدان . فكان من نتائجها نظام البعث في العراق وسوريا ، ونظام بن علي في تونس ، ونظام مبارك في مصر ، كما كان من نتائجها نظام الشيوعيين في كوريا الشمالية وتطرف أتاتورك في تركيا ، او حتى هتلر في ألمانيا .

وقد يجد بعض الكتّاب الشديد التطرف في انتمائه للعلمانية من الغرابة ان يحظى الفكر الديني باي مستوى من الاحترام القانوني ، رغم ان العلمانية تفترض احترام حرية التعبير ، لذا يمكن عدّ الفكر العلماني العربي في كثير من الاحيان متطرفاً اخر يضاف للساحة المتشنجة في العالم العربي ، لذا نراه يكتب ( ومن التنازلات الكبيرة التي تقدمها المؤسسات الرسمية في العالم العربي من مشرقه الى مغربه لهذه الجماعات ، ان على الصعيد السياسي او الصعيد القانوني او على الصعيد التربوي) .

ومن خلال الفقرتين أعلاه نرى ان الفكر الديني يقع بين المطرقة والسندان بالنسبة للفكر العلماني السلطوي والفكر العلماني التنظيري ، يساعد في ايذائه ولادة الجماعات الإسلاموية المتطرفة على يد السلطة السياسية العلمانية ذاتها ، او نتيجة قمعها وتجهيلها المتعمد والممنهج للناس ، ومنعها من سريان الفكر الديني الواقعي الصالح ، لأنه سوف يهدد الأسس الفكرية لوجودها ، باعتبار ان الإسلام الحقيقي ضد الدكتاتورية والإفساد .

لذا يقول المرجع اليعقوبي ( العلمانيون يتهمون المتدينين بفرض الرأي على الآخر وعدم فسح المجال للمخالف للتعبير عن رأيه، لكنهم في الحقيقة هم من يمارس ذلك ويعملون بكل وسعهم لإقصاء الدين من الحياة ولا يكترثون لرأي الأكثرية ولا يعبأون بالدستور الذي ينص على عدم سن أي تشريع يخالف ثوابت الإسلام، ومن تجاربنا معهم ما حصل بالأمس القريب عند تقديم مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، وواضح من عنوانه انه يتعلق بالأحوال الشخصية التي يحق لأي أحد ان يمارسها حسب ما يعتقد فله ان يورّث أمواله ويتزوج ويوصي ويوقف حسب معتقده، والقانون الوضعي فيه مخالفات لأحكام المذهب الشيعي، لذلك فان الشيعة يجرون أمورهم الشخصية خارج المحاكم على حسب الشريعة ثم يسجلّونها لدى المحاكم فاردنا ان نقَّنن الحالة، ويعطى الشيعي حقه في ذلك كالطوائف والأديان الأخرى، فيدرج مع مواد القانون المخالفة للشريعة الخيارات التي يعمل بها الجعفري، فيوضع حكم (أ) و (ب) والمواطن الذي يراجع المحكمة يخيرّه القاضي بينهما، أي ان مقترح القانون الجعفري لم يطالب بإلغاء القانون الوضعي الموجود، واذا وجد اعتراض على بعض فقراته فيمكن ان تناقشها اللجان المختصة في البرلمان عند تقديم المشروع لهم لاجراء التعديلات المناسبة . لكن العلمانيين لم يكونوا منصفين ولم يحترموا الآخر ولم يقبلوا بان يتمتع كل مواطن بحريته في أموره الشخصية فمارسوا عملية التسقيط والتشويه والرفض وادعّوا أموراً غير موجودة كتزويج البنات القاصرات وهذا افتراء على القانون الذي يشترط في عقد النكاح أن تكون الزوجة بالغة – أي غير قاصرة – ورشيدة ويشترط اذن ولي أمرها ).

ونحن لا نعرف من أين نشأت الأهمية العالية للعلمانية في العالم العربي ، وحجم الخراب الذي تعانيه البلدان العربية الخاضعة كلياً للمنظومة العلمانية منذ الاستقلال ، لاسيما في المجالين التربوي والثقافي ، وحجم الانفصام الناشئ عن رفض الأغلبية من الجمهور العربي لهذه العقيدة السياسية الوافدة بواسطة السلطة ورجال المال ، يكفيان لإقناع أي باحث موضوعي بإزاحة هذه التجربة الفاشلة عن الساحة ، وفسح المجال لتجربة اكثر واقعية ونضجاً وتماسكاً في هذه الأرض .

واذا كانت للكثير من النصوص الدينية معان لم نفهمها بعد ، فقد تم فهم معان أخرى كالسماوات التي هي اليوم في ذروة المعرفة العلمية البشرية من خلال نظرية الأبعاد ، الامر الذي يسري – لوحدة المصدر والموضوع – الى التشريعات العملية ، وبالتالي ان المشكلة في محدوديتنا لا في النص الديني ، وفي استعجالنا الغرائزي المحتاج الى تهذيب .

اما الشك والنسبية وتعدد الآراء البشرية حول قضايا الالوهية والدين والمعرفة العملية ، التي أراد البعض تجاوزها لما هو اهم بنظره ، فليست سوى دليل اخر على الحاجة الدائمة لمصدر خارجي اكثر حيادية ومعرفة في توجيه البوصلة الابستمولوجية ، كان هو الله المطلع على السرائر . ولا يمكننا مطلقاً الاحتجاج بضعف ادراكنا لكُنْهِ الخالق للإفلات من حاكميته ، فليس للمتناهي ادراك اللامتناهي منطقيا .

ومن هنا يقول سماحته ( فاذا تحققت هذه العناصر الثلاثة (قابلية الاجتهاد، اعتماد النصوص الشرعية، العمل وفق القواعد والأصول المقننة شرعاً) كانت الاحكام الناتجة هي ما يطلب العمل بها والهيكل العام للدين وهي تضمن الوصول الى معظم الاحكام الواقعية المعلومة عند الله تعالى وهي كافية لحفظ دين الله تعالى فيها ويتحقق العذر عن الوصول الى الباقي ولم يكلفنا الله تعالى اكثر من ذلك بل أمرنا ان نأخذ ديننا عن هذا الطريق وليس علينا ان نصل الى الحكم الواقعي.

ومن هنا يعلم ان اختلاف الفقهاء هو اختلاف داخل اطار الدين وليس في الدين نفسه، ورغم ان الاختلاف موجود في معظم المسائل الشرعية، الا ان صورة الدين والمتديّن محفوظة ومعروفة للجميع فالمتدينون يشتركون جميعاً بأن الواحد منهم يؤمن بالله ورسله والمعاد يوم القيامة ويصلي ويصوم ويحج البيت الحرام ويقرأ القرآن ويساعد الفقراء ويحب الناس ويحترمهم ولا يزني ولا يشرب الخمر ولا يلوط ولا يكذب ولا يظلم الآخرين وغيرها كثير من الأمور الثابتة رغم الاختلافات الواسعة بين الفقهاء، فهذا هو الدين الثابت وهو محفوظ ولا تضرّ فيه اختلافات الفقهاء، ولتقريب الفكرة أضرب مثالاً من علم الطب، فان الأطباء يختلفون في فهم الحالات المرضية وأعراضها وتشخيص الامراض وعلاجها لكن علم الطب يبقى محفوظاً ويبقى يؤدي دوره المهم في حفظ حياة الانسان ولا يجوز اقصاءه بحجة وجود الاختلافات بين الأطباء وعدم معرفتنا بحقيقة الحالة المرضية، وكذلك الدين يبقى صالحاً لأداء دوره في إسعاد الإنسان وكماله على مر الازمان ولا يضرّ فيه اختلاف الاجتهادات ).

ان بعض العلمانيين يرى ان الإسلام يخلو من سلطة دينية عليا شبيهة بالكنيسة ، لكنه يرفض الإسلام اعتماداً على تأسيسه السابق برفض مجمل النص الديني . لكننا نقول ان في الإسلام ما هو اعلى من الكنيسة سلطة – ولا نخجل ان نشير اليه بل نفخر – المتمثل بفكرة ( الإمامة ) . ( النصوص الشرعية صمّمت من قبل الله تعالى ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى بحيث تستوعب كل تغيرات الزمان والمكان ومواكبتها للظروف المستجدة وتلبيتها لحاجة البشرية الى القوانين التي تنظم حياتها، ولذا لم يتوقف الفقهاء عن إعطاء الحكم الشرعي في أي أمر مستحدث، فخلود الشريعة بمعنى توفر هذه القدرة والقابلية فيها أمر ممكن بل واقع وما علينا الا ان نحسن قراءة هذه النصوص واستعمال الآليات الصحيحة لاستنطاقها، والشيعة الامامية يتميزون عن بقية طوائف المسلمين بفتح باب الاجتهاد بمعنى أخذ الاحكام الشرعية من نصوصها الاصلية وعدم الانغلاق على فتاوى العلماء السابقين مهما ارتقت درجاتهم العلمية، وهذا كله بفضل تعاليم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) )[9] .

ان اعتراض هؤلاء العلمانيين الدائم كان على الله ذاته ، وتشكيكهم صراحة او ضمناً بمفهوم النبوات ، اما لعدم ايمانهم بهما مطلقاً ، واما لتوهم انهما لم يعودا يفهمان المسار البشري ، واما لأنهم يرون ان البشرية بلغت من التطور مرتبة اعلى من الاله ذاته ، ومن ثم هم يخلقون كهنوت وثيوقراطية باطنية تسري داخل النظرية العلمانية دون شعور . ان بعض العلمانيين الفكريين يقترب كثيراً من قداسة الانسان حد التصنيم دون ان يلاحظ . لذا يقول المرجع اليعقوبي ( العلمانيون يتهمون المتدينين بفرض الرأي على الآخر وعدم فسح المجال للمخالف للتعبير عن رأيه، لكنهم في الحقيقة هم من يمارس ذلك ويعملون بكل وسعهم لإقصاء الدين من الحياة ولا يكترثون لرأي الأكثرية ) .

فهم لم يجلسوا يوماً الفقهاء لطرح اشكالاتهم تجاه النظرية الدينية ، او بيان مخاوفهم بشكل عقلاني من قضية الحدود الشرعية الإسلامية مثلا ، حيث يقول المرجع اليعقوبي ( يوجد من الفقهاء من ينظر الى تنفيذ الحدود الشرعية المقررّة لبعض الخطايا الكبيرة كالزنا واللواط والسرقة على انها صلاحيات بيد الفقيه فله ايقافها او اسقاطها وقد دلّت بعض الروايات على ذلك، وليست هي احكاماً شرعية ثابتة، وبذلك يستطيع الفقيه من مجاراة الأعراف والقوانين الإنسانية الجارية ).

[1] إبراهيم خليل عليان

[2] ويكيبيديا

[3] الشيخ حسن الصفار

[4] الشيخ محمد اليعقوبي/ الأمراض المعنوية للنساء

[5] من حديث سماحة المرجع اليعقوبي (دام ظله) مع حشد كبير من الشباب وطلبة الجامعات الذين شاركوا في فعاليات دينية وتوعوية في مدينتي النجف وكربلاء يومي عرفة والعيد والتقاهم سماحته يوم الجمعة ١١ ذي الحجة ١٤٣٦ الموافق ٢٥/٩/٢٠١٥.

[6] الشيخ محمد اليعقوبي/ الخطبة الاولى لصلاة عيد الاضحى المبارك عام ١٤٣٦ الموافق ٢٤/٩/٢٠١٥ .

[7] البقرة 256

[8] البقرة 272

[9] المرجع اليعقوبي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close