الفيسبوك يثير خلافات عشائرية في العراق


محمد الزيدي

مرَّ يوم الخامس عشر من حزيران (يونيو) ثقيلاً على الموظف الحكومي علي ناجي، ففي ظهيرة هذا اليوم اضطر هذا الموظف إلى دفع “حشم” عشائري قدره (عشرة ملايين دينار)، بسبب تعليق كتبه ولده المراهق (سجاد) في إحدى صفحات الفيس بوك، أُعتبر في حينها إساءة ونيلاً من سمعة إحدى العائلات التي تسكن على مقربة من داره.

قد يبدو الأمر مستغرباً، لكن هذه الواقعة ليست الأولى التي تضطر فيها عشائر الجنوب إلى معاقبة مرتكبيها، بعد أن أصبحت -أمثال هذه الموضوعات- سبباً رئيساً لخلافات عشائرية متنوعة في تلك المحافظات ، تطور بعضها إلى نزاعات مسلحة أودت بحياة أبرياء.

“الله يرحم أيام الكلية وسوالف أيام زمان” نص التعليق الذي كتبه الشاب المراهق على موضوع نشره أحد أصدقائه على صفحته الشخصية، يتضمن نيته خطبة واحدة من فتيات الحي الذي يسكنان فيه، هذه العبارة سرعان ما وصلت إلى أهل الفتاة بوشاية من الشاب الخاطب، كانت كافية لإدانة المراهق صاحب التعليق، وأبيه.

إقرار والد المراهق بالخطأ الجسيم الذي ارتكبه ولده، لم يشفع له في التقليل من مبلغ الحشم العشائري، ما اضطره إلى بيع سيارته الشخصية لسداد المبلغ، الذي ألزمته به العشيرة الخصم.

قيمة الحشم العشائري الذي فرض على عائلة الشاب المراهق، هو جزء من اتفاق وقعته العشائر القاطنة في الجنوب العراقي، يتضمن إلزام من يثبت تورطه بكتابه تعليق “غير مقبول اجتماعياً” بدفع مبلغ قدره (1000000) عشرة ملايين دينار، فيما تضمن الاتفاق -أيضاً- أن تكون غرامة من يضع إعجاباً فوق أي موضوع يستهدف النيل من اشخاص بأسمائهم الشخصية (5000000) خمسة ملايين دينار.

“تتنوع الدواعي التي بموجبها تم هذا الاتفاق العشائري، بين اتهامات بالتحرش، ومحاولة سرقة صفحات شخصية، أو اختراق خصوصية الأفراد” يضيف الموظف الحكومي.

قصة هذا الرجل وما لاقاه لم تكن إلا واحدة من حالات عديدة تقع بين الحين والآخر في المحافظات العراقية بسبب الاستخدام السيئ لمواقع التواصل الاجتماعي والتي باتت سبباً في تصاعد حدة الخلافات العشائرية في محافظات جنوب العراق.

وضع علامة الإعجاب (لايك) على تعليق نشره احد أصدقاء علي ياسر حول موضوع عن فسادٍ مالي يمارسه مسؤول حكومي محلي في المحافظة كان سببا في تغريم علي مبلغا ماليا.

يقول علي لـــ”نقاش” نشر أحد المدونين على الفيس بوك موضوعاً يتضمن اتهامات بفساد مالي مارسها مسؤول حكومي، فنال الموضوع استحساني وضغطت على زر اعجبني”.

ويتابع “بعد يوم واحد فقط فوجئت بطرق بابي من قبل مجموعة من اشخاص لا أعرفهم وأخبروني بأنني مطلوب عشائرياً لعشيرة المسؤول الحكومي الذي أتهمه صاحب المنشور بالفساد المالي، ودعوني إلى الجلوس والحوار والتصالح”.

يضيف “بالفعل ذهبت إلى مضيف تلك عشيرة المسؤول بمعية أقاربي ووجهاء القوم، وبعد أخذ ورد ادانوني بدفع فصل عشائري قدره خمسة ملايين دينار، بسبب ذلك الإعجاب الذي وضعته فوق الموضوع الذي تضمن الفساد”.

وبينما يعدَّل علي ياسر البالغ من العمر (45 عاماً) من جلسته، يكشف بأنه تعرض لابتزاز مالي ممنهج على يد مجموعة من شيوخ العشائر يزعمون مهمتهم تقريب وجهات النظر في المنازعات العشائرية التي تحدث بين الأهالي.

والفصل والحشم العشائري هو غرامة مالية تدفعها عشيرة إلى عشيرة أخرى بسبب ارتكاب جريمة جنائية او تجاوز على الاعراف العشائرية، كخطوة تهدف الى تهدئة النزاعات وتمنع حدوث الثارات الدامية.

وتشهد بعض المحافظات العراقية بين الحين والاخر خلافات عشائرية تتطور في بعض الأحيان إلى نزاع مسلح، كان آخرها ما شهدته العاصمة بغداد من حادثة مقتل شاب وجرح آخرين، بعد نشوب خلاف بينهما بسبب منشور على الفيسبوك فيما أسفرت حادثة مماثلة في جلسة عشائرية في محافظة البصرة عن إلزام شاب بدفع مبلغ مقداره 20 مليون دينار جراء اتهامه بالتحرش بفتاة من خلال الموقع ذاته.

وعلى الرغم من الانتقادات التي توجه لبعض الممارسات العشائرية، الا أن بعض المثقفين يدعمون تدخلها ويصرون على الاعتقاد بأن العشائر استطاعت اخماد الكثير من الخلافات والنزاعات التي يمكن لها أن تتطور إلى نزاع مسلح في أي لحظة.

حسنين سعدون ناشط مدني يرى بأن ظاهرة تدخل العشيرة بشكل كبير في المجتمع ولعبها دور القاضي برزت في أوساط المجتمع العراقي بعد تراجع ثقافة الفرد في استخدام وسائل الاتصال الحديثة” معتبراً بأن “بروز مثل هذه الظواهر في اوساط الناس يمثل غياباً واضحاً للقانون”.

ويتابع “لو اطمأنت الناس إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر القضاء، لما برز هذا الدور المحوري للعشيرة على حساب القانون”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close