هولاء في حياتي (٥) الشهيد زهير المرهج

هؤلاء في حياتي (٥)
الشهيد زهير المرهج.. من زمن الدعوة
سليم الحسني

في شباط عام ١٩٩٩، كان يحدثني القيادي الكبير المرحوم (مهدي عبد المهدي/ الحاج أبو زينب الخالصي) وبحضور صهره الصديق العزيز (أبو عصام) عن ذكرياته مع الشهيد الكبير المفكر (محمد هادي السبيتي) ومنهجه في كتابة نشرات حزب الدعوة، وطريقته في فهم العمل الإسلامي الحركي.

ومما قاله: إن السبيتي كانت له علاقة بسيطة ـ تعود الى سنوات الدراسة ـ مع وزير التخطيط العراقي في زمن النظام البعثي (عدنان الحمداني)، فكان السبيتي يقوم بكتابة مشاريع إعمار وتطوير المدن، ويرسلها الى الوزير الحمداني. وكان يسعى من وراء ذلك، الى خدمة الشعب العراقي بهذه الطريقة، لعلمه بأن الحمداني سينسبها لنفسه، وسيعمل بذلك على تنفيذها، لكن في النتيجة ستعود الفائدة الى الشعب العراقي.

وكان السبيتي يوصي الحاج مهدي عبد المهدي الخالصي، بتعميم هذه الفكرة على أعضاء حزب الدعوة، لأن مهمة الدعوة خدمة والانسان والمجتمع.

أعاد كلام المرحوم الحاج الخالصي، ذاكرتي الى عام ١٩٧٦، ففي يوم بارد ممطر من تلك السنة، كنت أسير مع الشهيد الحاج (زهير المرهج) في أحد أروقة كلية العلوم جامعة بغداد بموقعها السابق في الأعظمية، ولشدة البرودة، كان يضع يديه في معطفه المختبري الأبيض، فأخرج يده وسقطت من جيبه قطعة حجرية على شكل أصبع الطباشير، تحطمت على الأرض، فاكتسى وجهه بالحزن، وعض شفته السفلى بقوة، مما جعلني أسأله:

ـ هل هي باهظة الثمن بحيث ستكلفك تعويضاً كبيراً؟

أجاب بالنفي، فهو يجري أبحاثه لنيل شهادة الماجستير، وهناك نسبة مسموح بها من التلف في الأدوات والمعدات، لكن الذي أحزنه أن هذه من الممتلكات العامة، وعليه أن يكون في غاية الحرص عليها باعتباره داعية. ومضى يتحدث عن ضرورة أن يكون الدعاة أحرص من غيرهم على الممتلكات العامة، وأن يكونوا قدوة للآخرين في هذا المجال، وأن يبحثوا عن أي طريقة لخدمة المجتمع والانسان، حتى لو قدّموا مقترحاتهم ومشاريعهم لمسؤولي السلطة طالما كانت تصب في مصلحة الناس.

كانت تلك المرة الوحيدة التي رأيت وجهه بهذا القدر من الحزن، فلقد كانت الابتسامة الهادئة هي صفته المعروفة، يقابل بها أصدقاءه بصرف النظر عن توجهاتهم السياسية والفكرية، ينشر التسامح والمحبة من حوله، فأحبه الأصدقاء والعمال والمنظفون في الكلية.

ولأن تخصصه في الجيولوجيا، وكان يجري في مختبره، تجاربه وابحاثه على الأحجار والطين والتربة ومياه موحلة، فقد كانت تتناثر على الأرض، مخلفات عمله، وكنت في أيام عديدة أزوره في المختبر في نهاية ساعات عمله، فأجده يتحدث بابتسامته المعتادة مع عامل التنظيف وهو يساعده في غسل الدوارق والأنابيب الزجاجية، وكان يمنعه من كنس الأرض، بعبارته المتكررة:

ـ عمي، لماذا تحرمني من الأجر والثواب؟

فيأخذ المكنسة منه، ويقول له اغلق باب المختبر، حتى لا يراك هؤلاء ويعاقبونك بحجة الإهمال.

كنت اقضي معظم أوقات الاستراحة بين المحاضرات مع الصديق الشهيد (حسن عبد الجبار) فقال لي مرة:

ـ أنت تعرف كم أنا أحب (حسن) وبمقدوركما أن تقضيا الساعات الطويلة معاً خارج الكلية، لكننا هنا يجب أن نتواصل مع الآخرين، فمسؤوليتنا التأثير عليهم، وحين نعتزلهم، فاننا نفرط بحقهم علينا.

كلمات صادقة هادفة، تخرج من قلبه المرسوم على وجهه، فتدخل السمع وتستقر في أعماق الروح ناعمة ندية.

في يوم ربيعي كنت أجلس معه على نهر دجلة خلف كلية العلوم، وكنت أفرط في التدخين، فألقيت عقب السيجارة في النهر، فابتسم قائلاً:

ـ هذا نوع آخر من تلويث دجلة.

فقد كانت رسالته عن التلوث في نهر دجلة، وقد أخذ نماذج من المياه والطين والحجارة من أعالى دجلة في كردستان الى بغداد، ليقدم رسالته التي أراد منها أن يخدم العراق ويحفظ مياه دجلة الخير.

كانت مناقشة رسالته حدثاً مشهوداً في الكلية، فقد ازدحمت قاعة المناقشة بالحضور، وكان يجيب على أسئلة لجنة المناقشة بأجوبة الخبير الضليع في تخصصه.

بعد فترة من حصوله على الماجستير، تناهى لي خبر مفجع من أحد الأصدقاء، لقد تم اعتقال الحاج زهير، بعد أيام تأكد الخبر بأكثر مرارة، فلقد تم إعدامه. كان صدمة كبرى، وسرحت امشي بخطوات حزينه ثقيلة، فصادفني الدكتور ضياء المولوي وكان وقتها يستعد لنيل شهادة الدكتوراه في الكيمياء، فربت على كتفي مواسياً:

ـ رحمه الله، هذه مسيرة لن تتوقف.

رويتُ ذلك للحاج مهدي عبد المهدي الخالصي رحمه الله، وقلت له:

ـ كان الشهيد الحاج زهير مسؤولي في الكلية.

أجاب:
ـ وأنا كنت مسؤوله التنظيمي، هكذا كانت تربية الدعوة، تنتشر تعاليمها بسرعة، ويلتزم بها الدعاة، وهذه مسيرة لن تتوقف.

الحاج الأستاذ أبو زينب رحمك الله
عزيزي الدكتور ضياء المولوي
يبدو لي أنها توقفت.. هكذا أرى.
أخي الشهيد الحاج زهير.. دجلة التي حرصت على نقاء مياهها، امتزجت بها دماء شهداء سبايكر.

لإستلام مقالاتي على قناة تليغرام اضغط على الرابط التالي:
https://telegram.me/saleemalhasani

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close