هؤلاء في حياتي (٨) موحان معدي، قيادة العمل المسلح في بغداد

هؤلاء في حياتي (٨)
موحان معدي.. قيادة العمل المسلح في بغداد
سليم الحسني
عندما دخلت الجامعة عام ١٩٧٥، تباعدت لقاءاتي مع الشهيد (موحان) نتيجة ظروف الدراسة وساعاتها الطويلة. وحين كنت ألتقيه، لا أجد تغيراً عليه، فهو نفسه صاحب الهمة العالية، والنشاط الفياض، والنكتة الظريفة، والهدفية النابضة في كلماته وتصرفاته.

مضت السنوات متلاحقة في الأحداث، وكانت الأوضاع تتجه نحو التصعيد مع السلطة البعثية، وحين حدثت الثورة الإسلامية في إيران، دخل العراق مرحلة جديدة، وأعلنت قيادة حزب الدعوة الانتقال عام ١٩٧٩ من المرحلة التغييرية الى مرحلة الصراع مع السلطة، وكان ذلك يعني المواجهة المفتوحة مع النظام البعثي.

صار العراق ضيقاً، وكانت أجهزة الأمن تلاحق أي نشاط معارض، وكل يوم نتلقى خبراً عن اعتقال صديق داعية. وكل أسبوع تصلنا الأخبار عن إعدام نخب الدعاة في سجون صدام.

في ١٧ رجب ١٣٩٩ هجرية/ ١٩٧٩ انتشر خبر اعتقال الامام الشهيد الصدر، فانطلقت عدة تظاهرات في مدن مختلفة من الوسط والجنوب. وفي تظاهرة صغيرة تم محاصرتها في باب القبلة في الصحن الكاظمي من قبل قوات الأمن، حدثت صدامات بالأيدي وتدافع شديد، تمكن قسم من الإفلات منها، وألقي القبض على مجموعة من المتظاهرين. وقد كنت ضمن الناجين مع الصديق الشهيد (جمال عبد الرضا البناء) وشقيقي الشهيد (سلمان).

وفي اليوم التالي، كانت جموع من الدعاة والمتدينين، قد جرى اعتقالها وزج بها في مديريات الأمن البعثية، وصدرت أحكام الإعدام بحق مجاميع من الدعاة الصابرين.

كان من بين الذين استشهدوا مسؤولي التنظيمي (الحاج زهير المرهج)، وقد بدأت الخطوط التنظيمية تتقطع بسبب المطاردة والاعتقال والاعدام. وكان (موحان) يعمل على ربط الخطوط وإعادة تشكيلها، فأخبرني في لقاء سريع بأن أحد أصدقائي المقربين سيتصل بي باسم حركي (أبو شيماء) ولم يخبرني باسمه. كما طلب مني تشكيل لجنة لتوزيع المساعدات المالية على عوائل المعتقلين والشهداء، وكان المكان المقرر لجمع الأموال، هو معمل الشهيد علي الكتبي في منطقة الحيدرخانة، معمل في أحد الأزقة لصناعة الدفاتر، وكان في نفس الوقت مخبأ لبعض المطاردين من الدعاة، وهناك تعرفت على الصديق العزيز ورفيق الروح فيما بعد (مصطفى الركابي/ أبو سحر). وكان في اللجنة الصديق الغالي الشهيد (حسن عبد الجبار) والشهيد (جمال البناء)، وكان مصدر التبرعات من الأصدقاء وفي حدود امكاناتنا الشخصية.

بعد أيام من لقائي السريع مع (موحان)، التقيت بالصديق العزيز (جعفر باقر) فاخبرني بأنه (أبو شيماء) فأصبح هو مسؤولي الحزبي، وكانت حلقاته على نفس الطريقة التي اعتدتها مع حلقات الشهيد موحان.

تولى (موحان/أبو إيمان) في تلك الفترة مسؤولية العمل الجهادي في بغداد وما حولها، وقد كان يقوم بتهيئة ما تحتاجه المواجهة من أسلحة وسيارات ومعدات وأماكن اختفاء. وكان على تنسيق مع الشهيد الكبير الشيخ (حسين معن) في النجف الأشرف. وقد اختفى الشهيد حسين معن عدة أيام على غير عادته، فانتاب القلق الشيخ (عبد الحليم الزهيري)، وكان عضو الارتباط بين قيادات الدعوة وبين الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، إضافة الى عضويته في اللجنة الخاصة التي شكلها الامام الشهيد لإدارة شؤون العمل الإسلامي ضد النظام. وقرر الذهاب الى الكاظمية للاستفسار من (موحان) عن الشيخ حسين معن.

تحرك الشيخ الزهيري بسيارة الحاج (أبو وليد الزهيري) وبصحبة الحاج (مناحي اليعقوبي)، وكانا يقيمان في الكويت وقتها، لكنهما جاءا الى العراق لفترة وجيزة، وكانت السيارة برقم كويتي، فاتجهوا من النجف صوب بغداد، والتقوا بالسيد (محمد الحيدري) في جامع الخلاني، وكان السيد الحيدري عضواً في اللجنة الخاصة أيضاً. وقد استفسرت المجموعة منه عن طريق للعودة يمكن فيه تجاوز منطقة الدورة لوجود نقطة تفتيش شديدة، واستفسر منه الشيخ الزهيري عما اذا كان يعرف جماعة تبيع السلاح لشرائه ونقله بالسيارة الى النجف.

ثم توجهوا الى الكاظمية، لمنزل موحان الجديد، فقد أبدل مكان سكنه من منطقة البستان قرب معمل الدبس الى منطقة حي الضباط على الطرف الشمالي من الكاظمية.

أخبرهم موحان بأن ليس من عادة الشيخ (حسين معن)، أن يغيب هذه المدة، وعليه فأن الأمر خطير، وقد يكون معتقلاً. وعند خروجهم من المنزل، كان أحد الأشخاص يراقبهم بعين مريبة، فسارعوا الى مغادرة المكان لكن هذا الشخص بقي يتعقبهم بسيارته.

توجهوا لزيارة الإمامين الكاظم والجواد عليهما السلام، وحين خروجهما من الصحن، شاهدوا نفس الشخص يتعقبهم، فاستقلوا سيارتهم مسرعين باتجاه النجف عبر الطريق البديل الذي يخترق البساتين، وهناك كانت أصوات الرصاص تنطلق من اتجاهات عديدة وسط الظلام، ولم يعرفوا سببها ومصدرها، فأكملوا رحلتهم نحو النجف الأشرف. حيث تأكد لهم فيما بعد أن الشهيد حسين معن قد تم اعتقاله.

للحديث تتمة عن الشهيد موحان معدي النصّاري.

لإستلام مقالاتي على قناة تليغرام اضغط على الرابط التالي:
https://telegram.me/saleemalhasani

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close