الموصل ( العملية قد نجحت لكن المريض قد مات )

الموصل ( العملية قد نجحت لكن المريض قد مات )
هو ليس في مجال الدفاع عن هذه المنظمة الأجرامية المسماة ( داعش ) و هو ليس كذلك ضد تحرير محافظة نينوى السليبة و عاصمتها مدينة الموصل ( الحدباء ) الرمز المميز لهذه المدينة العريقة والذي لم يعد موجودآ و قد كان الجميع في الأنتظار و ابصارهم شاخصة الى لحظة الخلاص من هذا المحتل الهمجي و الدموي الذي ( تفنن ) في القتل و ( ابدع ) في اساليب الجزارة البشرية .
احتفالات النصر ( المؤزر ) بين الأطلال من المباني و الخرائب من العمران و في الأزقة و الدور المهدمة ان لم تكن فوق رؤوس اصحابها لأنهم قد هجروها الى تلك المخيمات التي بنيت على عجل في الصحراء القاحلة و التي لا تقي من الحر و لا تحمي من البرد و لا تصون كرامة الأنسان الذي اضطرته ظروف الحرب للأقامة و السكن في تلك الخيم البائسة .
ما ان انجلى غبار المعارك و انقشع دخان الحرائق حتى انكشف حجم الخراب و الدمار الذي حدث و كأن هذه المدينة قد وقعت ضحية زلزال قوي و هائل ضرب المدينة و حول عماراتها الى مجرد اطلال و هياكل مباني مهشمة و انطمر تحت تلك الأنقاض المئات من البشر فيهم الأطفال و النساء و الشيوخ حتى صارت تلك البيوت المهدمة اضرحة و مقابر لقاطنيها و ساكنيها السابقين .
كان ذلك المنظر المرعب من الدمار الهائل الذي حل بهذه المدينة المنكوبة لايشي بأي حال من الأحوال ان كانت هناك حربآ و ان كانت شرسة و ضروس تدور رحاها فكل حروب البشر ( عدا العالمية منها ) لا ترى مثل هذا التدمير الذي لم يبق حجرآ على حجر و لا مستقر على آخر الا ان تكون ( داعش ) قد مرت من هذا المكان و لا تتركه الا و جعلت منه ركامآ و تلالآ من التراب و الحجارة في التمسك المستميت بالأرض حتى الجندي الداعشي ألأخير و لا يبقى امام القوات المهاجمة من ( حل ) سوى هدم البناء على عناصر ( داعش ) و المتواجدين معهم من الناس العزل و الذين قد تكون ظروف الحرب قد منعتهم من الهرب او اتخذتهم هذه العصابة طوق حماية و نجاة لها .
ذلك المشهد الكئيب و الحزين في هروب الأعداد الغفيرة من جحيم المعارك و حمم النيران و هي تنزل على رؤوسهم و من كل المصادر من جيوش الحكومة او من مسلحي عصابة ( داعش ) و في كل الأحوال ان من يدفع الثمن الغالي من الأرواح و العزيز من الأنفس هم المدنيين الذين لا حول لهم و لا حيلة في الخروج من هذا المأزق المميت فأن هم مكثوا في بيوتهم كان القصف الحكومي يترصدهم و ان هم فكروا في ترك دورهم و الهرب بأتجاه قوات الجيش كان قناصة ( داعش ) بأنتظارهم و هاهم قد اصبحوا في حصار بين نارين و كماشة الموت الأكيدة .
يحكى انه كان هناك مدينة عريقة و عتيقة دروبها ضيقة و ازقتها متشعبة و بيوتها متلاصقة تسند بعضها البعض تمتاز بمساجدها الكثيرة و كنائسها الجميلة و كان كثير من الأنبياء قد مروا بها و الآخرين حلوا بها و فيها كانت قبورهم و مثواهم الأخير كانت في يوم ما مضى عاصمة دولة مجيدة و حاضرة تليدة و كان فيها اقوى الممالك و اعرق الحضارات و كان ( الآشوريون ) الجبابرة بعرباتهم الحربية و التي تجرها الخيول المطهمة القوية عنوان العزة و العنفوان و كان ( الثور المجنح ) سيد الأرض و مالك السموات .
توالت الأزمان و مرت الدهور حتى هبت واقفة من كبوتها و صحت من غفوتها الا و هي عاصمة الحمدانيين و مرابع حكمهم الزاهر و مربط خيلهم الأصيلة و يقال ان خير الحكام هم الفلاسفة و افضلهم هم الشعراء فالفلاسفة يحكمون بالعدل و القسطاط بين الناس و الشعراء ليس للقسوة و الغلظة في قلوبهم مكان فقد كانت دولة الشعراء و الفلاسفة حين كان ( ابو فراس الحمداني ) السيد المطاع فيها , مدينة كانت عامرة زاهرة لم يغفل احدآ من المؤرخين عن الثناء على حسنها و تهذيب اهلها و هي الآن تئن تحت الأنقاض و الخرائب و الأطلال التي خلفتها الحروب الدينية و حوافر خيول ( فرسان ) المسلمين .
حيدر الصراف

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close