117 اختياراتي وتوعد القرآن لي بالنار والأكذوبة المقدسة

ضياء الشكرجي

[email protected]

www.nasmaa.org

هذه هي الحلقة السابعة عشر والمئة من مختارات من مقالات كتبي في نقد الدين، حيث سنكون مع مقالات مختارة من الكتاب الرابع «الدين أمام إشكالات العقل»، وفيها أربع مقالات قصار؛ «أسباب اختياري للإيمان اللاديني»، «أسباب إصراري على الإلهية اللادينية»، «الأكذوبة المقدسة الخالدة»، «لماذا أنا من اهل النار بحكم القرآن؟».

أسباب اختياري للإيمان اللاديني

بالرغم من أني وضحت ذلك في كتبي الثلاثة، ورابعهم هذا الذي بين يدي القارئ، أحببت أن ألخص ذلك عبر إضافات أضيفها مني إلى مطلع الخطبة الأولى من نهج البلاغة المنسوبة إلى علي، وبعض التحوير. جاء في الخطبة المذكورة:

«أَوَّلُ الدِّينِ مَعرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصدِيقِ بهِ تَوحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوحِيدِهِ الإخلاص لَهُ، وَكَمَالُ الإخلاص لَهُ نَفيُ الصِّفَاتِ عَنهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيرُ المَوصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوصُوف أَنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ. فَمَن وَصَفَ اللهَ سُبحَانَهُ فَقَد قَرَنَهُ، وَمَن قَرَنَهُ فَقَد ثَنَّاهُ، وَمَن ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَن جَزَّأَهُ فَقَد جَهِلَهُ، وَمَن جَهِلَهُ فَقَد أَشَارَ إلَيهِ، وَمَن أَشَارَ إلَيهِ فَقَد حَدَّهُ، وَمَن حَدَّهُ فَقَد عَدَّهُ. وَمَن قَالَ «فِيمَ؟» فَقَد ضَمَّنَهُ ، وَمَن قَالَ «عَلاَمَ؟» فَقَد أَخلَى مِنهُ.».

ومن وحيها وباقتباس بعض مفرداتها أقول:

«أَوَّلُ الإيمانِ باللهِ الشكُّ بِوجودِه، وذَروَةُ الشَّك بِهِ اكتِشافُ حَقيقَةِ وُجودِه، وَذَروَةُ اكتِشافِ وُجودِهِ مَعرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصدِيقِ بهِ تَوحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوحِيدِهِ اليَقينُ بِه، وَكَمالُ اليَقينِ بِهِ تَنزيهُه، وَكَمَالُ تَنزيهِهِ نَفيُ الدّينِ عَنه، لِشَهَادَةِ أنَّ كُلَّ دينٍ غَيرُ مُنَزِّهٍ لَه، وَشَهادَةِ أنَّ كلَّ غَيرِ مُنَزِّهٍ لَهُ مُمتَنِعٌ نِسبَتُهُ إِلَيه.»

أسباب إصراري على طرح الإلهية-اللادينية

هنا أحب أن أبين الدوافع والأسباب الرئيسة التي تجعلني مهتما جدا بطرح عقيدة التنزيه، والإفصاح بعقيدتي الإلهية-العقلية-اللادينية. لأن هناك من كان يتمنى عليّ أن أواصل عملية الإصلاح والتنوير الديني، ونقد الفكر الديني، لا الدين نفسه.

أهم هذه الأسباب هي:
1. إني أعتبر الحرية قيمة عليا، ولذا أريد مزاولة الحرية في الإفصاح كليا عن عقيدتي، ليس فقط لنفسي، أو من أجل الانتصار لحريتي أنا بالذات، ولا على نحو الدعوة أو التبشير، بل لإيماني بأن قيمة الحرية تستحق ذلك، ومن أجل أن أنتصر للحرية، كي يزاولها من لا زال لم يجرؤ على ذلك.
2. إني أمقت أشد ما أمقت الكذب، وكون الأديان حسبما وصلت إليه من قطع، والقطع حجة؛ كونها قائمة على كذبة، لدعوى أنها من الله، وما هي من الله، فمن موقع حساسيتي من الكذب، أعمل على نفيها.
3. وبالتالي فإني أحب الصدق، وأعتبر الصدق سيد الأخلاق، ولذا اخترت أن أكون صادقا مع ربي ومع نفسي ومع الناس.
4. إني أجد إن الإسلام غير قابل للإصلاح، كي أبذل جهدا في نشاط إصلاحي وتنويري، هذا إذا سمحت لنفسي بتمثيل دور الإصلاحي مع تخلِّيَ عن الإيمان بالإسلام، لما ذكرته في النقطتين آنفا.
5. إني أجد فائدة كبيرة للشعوب ذات الأكثرية المسلمة، وللبشرية عموما، أن يطرح الخيار الثالث بين (الدينية) و(اللاإلهية)، وهو خيار (الإلهية-اللادينية).
6. ثم أرى أن تكون لي مساهمة متواضعة، عسى أن تكون مؤثرة عاجلا أو آجلا، لترويض المسلمين على استقبال نقد الإسلام.

مع هذا أرى من يزاول إصلاح الدين أو إصلاح المذاهب فهو عمل مشكور ومفيد، لكنه ليس دوري. طبعا ليس دوري، ليس بسبب إني أرى ما أمارسه هو الأفضل لي، ولا لأن مزاجي يرفض أن يكون هذا دوري، بل أيضا بسبب تمسكي بقيمتي الحرية والصدق، ولكوني طوال حياتي وعبر كل تحولاتي كنت لا أستطيع إلا أن أكون أنا، ولأني «لا أحب المشي في الأنفاق»، كما جاء في إحدى نصوصي في «عصفورة حريتي».

22/06/2015 (روجعت في 14/11/2016)

الأكذوبة المقدسة الخالدة

هناك قاعدة فقهية مفادها «كل دليل تطرق له الاحتمال بطل به الاستدلال». وبهذه القاعدة تبطل كل الأدلة عـلى صدق الدين، لأنها جميعا وبلا استثناء أدلة احتمالية، وعـلى رأسها احتمال بعث الله رسلا وأنبياء، لكونه من الممكنات العقلية، وكل ممكن محتمل الصدق، ومحتمل الكذب. وحتى لو افترضنا تساوي كفتي احتمال صدق واحتمال كذب دعوى صدور الدين عن الله، فيكفي، حسب هذه القاعدة الفقهية الدينية الإسلامية، اشتمال الدين عـلى أي نسبة مما فيه انتقاص من كمال الله، أو خدش في جماله، سببا للمؤمنين بالله المنزهين له أن تأبى عقولهم، كما يأبى حبهم لله وتقديسه وتنزيهه أن يصدقوا نسبة الدين إليه.

كما إن هناك قاعدة فقهية أخرى مأخوذة من حديث نبوي، ألا هي «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وحيث أن الكثير مما في الدين، من عقائد وأحكام وتصوير للجزاء الأخروي المتعارض مع العدل الإلهي؛ كل ذلك يُعَدّ أمورا مثيرة للريبة والشك، وهذا يُعَدّ دعوة إلى ترك الدين المثير للريبة إلى الإيمان الإلهي اللاديني غير المثير للريبة، حسبما يأمر أو ينصح به نبي الإسلام نفسه.

ماذا لو علم المؤمنون بالديانات عـلى اختلافها، أنها ليست إلّا أكذوبة، مع اعتذاري للمؤمنين بمختلف الأديان؛ أكذوبة ضحيتها الله والإنسان. لكنها أكذوبة تتصف بصفتين، القداسة والخلود، فهي (الأكذوبة المقدسة الخالدة)، مقدسة لا تقديس حقيقة، بل تقديس وهم، أو تقديس تصور، أو تقديس ادعاء، وخالدة لا خلود تأبُّد، بل خلود مكوث طويل يبدو مُتأبِّداً، لكن في آخر المطاف لا بد من أن يمكث في الأرض ما ينفع الناس ويذهب ما دونه جفاء.

لماذا أنا من أهل النار بحكم القرآن؟

بكل تأكيد أنا من أهل النار، لكن الحمد لله، ليس بحكم الله بما هو الله، بل بحكم الله القرآني، أي بحكم القرآن، أو بحكم مؤلف القرآن.

الذي حثني على كتابة هذا الموضوع، هو حوار لي مع صديقين من عقلاء المتدينين، ذكرت لهما أني بحكم القرآن من أهل النار، فاستغربا مني ذلك، نافيين أن يكون مثل هذا مثبتا في القرآن. وانقطع الحديث عند هذه النقطة، ففكرت بعدها أن أكتب لهما مقالة، أبين لهما، لماذا أنا من أهل النار، فاستخرجت عددا من آيات الوعيد بالنار تنطبق علي، دون القيام بمسح شامل لكل آيات القرآن ذات العلاقة، بل اكتفيت ببعضها. ولعلي إذا قمت بهذا المسح لكانت الآيات التي أستدل بها على صحة ما أذهب إليه تمثل ثلث القرآن أو ربعه أو خمسه. وسأقوم بهذا المسح في وقت لاحق.

آل عمران: «إِنَّ الَّذينَ كَفَروا بَعدَ إيمانهِم ثُمَّ ازدادوا كُفرًا لَّن تُقبَلَ تَوبَتُهُم وَأُولئِكَ هُمُ الضّالّونَ (90) إِنَّ الَّذينَ كَفَروا وَماتوا وَهُم كُفّارٌ فَلَن يُّقبَلَ مِن أَحَدِهِم مِّلءُ الأَرضِ ذَهَبًا وَّلَوِ افتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُم عَذابٌ أَليمٌ وَّما لَهُم مِّن نّاصِرينَ (91)».

وحيث إننا علمنا بأن مفردة الكفر واشتقاقاتها المستخدمة في القرآن، وكما فصلت ذلك في كتابي «مع القرآن في حوارات متسائلة»، تعني عدم الإيمان بالإسلام. وهنا تتحدث الآية «الذَّينَ كَفَروا بَعدَ إيمانِهِم»، إذن ينطبق هذا عليّ، لأني كنت مؤمنا بالإسلام، فكفرت بعد إيماني، فرغم كل إيماني بل ويقيني بالله وحبي وتنزيهي له، أعد كافرا، ما لم أشهد «أَنَّ مُحَمَّدًا رَّسولُ الله»، وحيث أنه من المستحيل أن أعود إلى الإسلام، إذن سأكون من «الَّذينَ كَفَروا وَماتوا وَهُم كُفّارٌ»، ومن هنا فـ «أُولئِكَ [وأنا منهم] لَهُم عَذابٌ أَليمٌ وَّما لَهُم مِّن نّاصِرينَ».

البقرة: «وَمَن يَّرتَدِد مِنكُم عَن دينِهِ فَيَمُت وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَت أَعمالُهُم فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ (217)»

وبلا نقاش ولا شك في أني معني بهذه الآية وما فيها من وعيد بالخلود في النار، لأني ارتددت عن ديني الذي كنت أدين به. أليس كذلك؟

التوبة: «قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِاللهِ وَلا بِاليَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسولُهُ وَلا يَدينونَ دينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَّدٍ وَّهُم صاغِرونَ (29)»

صحيح إن آية الدعوة للقتال هذه موجهة لـ(الكافرين) من أهل الكتاب، وأنا لست منهم، لكني بكل تأكيد من الذين «لا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسولُهُ»، فأنا وإن كنت أحرِّم ما حرَّم الله، لكن وفق معايير المثل الإنسانية والأخلاقية، وليس وفق معايير الشريعة الإسلامية، ثم إني بكل تأكيد من الذين «لا يَدينونَ دينَ الحَقِّ»، إن كان دين الحق معنيا به الإسلام، وهو بلا شك ما تعنيه الآية.

النحل: «وَإِذا قيلَ لَهُم مّاذا أَنزَلَ رَبُّكُم قالوا أَساطيرُ الأَوَّلينَ (24) لِيَحمِلوا أَوزارَهُم كامِلَةً يَّومَ القِيامَةِ وَمِن أَوزارِ الَّذينَ يُّضِلّونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرونَ (25)»

ولست بعيدا عن كوني أعتبر الكثير مما ورد في القرآن، ولا أقول كله، ما هو إلا «أَساطيرُ الأَوَّلينَ»، فكيف لا أكون ممن تعنيهم الآية الذين قالت عنهم أنهم سيحملون «أَوزارَهُم كامِلَةً يَّومَ القِيامَةِ»، بل سأكون من الذين سيحملون «مِن أَوزارِ الَّذينَ يُّضِلّونَهُم»، حيث لا أستبعد أن يكون الواحد أو الآخر قد تأثر، أو ربما سيتأثر في المستقبل بما أطرحه من فكر اللاهوت اللاديني التنزيهي في كتبي.

النساء: «إِنَّ الَّذينَ آمَنوا ثُمَّ كَفَروا ثُمَّ آمَنوا ثُمَّ كَفَروا ثُمَّ ازدادوا كُفرًا لَّم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم وَلا لِيَهدِيَهُم سَبيلًا (137)».

وهذه ليست بدلة جاهزة، جربتها، فوجدت إن حجمها يناسبني صدفة، بل هي قد فُصِّلت على مقاساتي تماما، وبمنتهى الدقة. فأنا كنت كطفل وصبي وفي مطلع شبابي على دين البيت الذي فتحت عينيّ عليه ككل الناس تقريبا، وبالتالي كنت مسلما، أي من «الَّذينَ آمَنوا» حسب المصطلح القرآني. ولأني تحولت في السابعة عشرة من عمري إلى الإلحاد، إذن أصبحت من الذين «ثُمَّ كَفَروا». ثم عدت في الثانية والثلاثين من عمري إلى الإيمان بالله وبالإسلام، إذن غدوت من الذين: «ثُمَّ آمَنوا». ثم تحولت في الثانية والستين من عمري إلى المذهب الظني، الذي يحتمل إلهية أو بشرية الإسلام، إذن أضحيت من الذين: «ثُمَّ كَفَروا». وفي نفس السنة عندما أكملت الثالثة والستين، تحولت إلى الإيمان اللاديني، أي ما أسميته بلاهوت التنزيه، إذن أنا من الذين: «ثُمَّ ازدادوا كُفرًا». ومن هنا سأكون حسب هذه الآية من الذين «لَم يَكُنِ اللهُ لِيَغفِرَ لَهُم وَلا لِيَهدِيَهُم سَبيلًا»، إلا سبيل جهنم. إذن حَكَمَ عليّ قرآنُ محمد بالخلود في نار جهنم. تعالى الله عما وصفه الواصفون.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close