رسالة للأخوة الكرد من مغترب على وضع مضطرب

جواد وادي

تتصاعد الأصوات التي كانت فيما مضى، إما خجولة أو خائفة من الأكراد وحتى ممن يناصرهم بالسعي، للاستفتاء ثم الانفصال، ولكوني عاصرت هذا الحراك منذ بدايته، أي منذ ستينيات القرن الماضي، أجد أن من يرفع عقيرته باتجاه تحقيق هذا المطلب المشروع نظريا، على أقل تقدير، يغيّب الكثير من المعطيات التي يضعها جانبا أو يتنكر لها، أو حتى يتجاهلها لأسباب عدة، إما أنه يسعى لكسب انتخابي، او يبحث عن حظوة من لدن الساعين لهذا المطلب، وهم بعيون مغلقة وبأحاسيس لا تقرأ ما يحيط بها، أو بجهل مطبق، لا ينبغي بسببه أن يطلق العنان لأمنيات قد تسبب له ولأقرب الساكنين معه وللمحيط الأوسع محليا وإقليميا، الكوارث والويلات، بعد أن يقع المحظور، وتتوالى الاضطرابات وما لا يحمد عقباه، وهذا الكلام ليس تهويلا، ولا تثبيطا للهمم المخلصة، ولا انقاصا لمشروعية المطلب الوطني الذي أحسبه من الناحية النظرية مشروعا وبصدق وطني وأمل يتمناه كل من مر بمحن وكوارث، كما مر بها الشعب الكردي المظلوم.
لكن السياسة بألاعيبها وحيلها واباطيلها وتعميتها للحقائق وعدم التنبه لخطورة قراراتها، والتي تكون أحيانا بنوايا تتجاهل كل النتائج الكارثية التي قد تتسبب للناس والأرض والمستقبل، وينحصر تفكير السياسيين بالمكاسب الآنية التي سرعان ما تتبخر وتصبح في خبر كان، لتلحق بمشعلي حروبها وبمفككي لحمة الشعب الذي يكفيه من المآسي ما يبتلي بأخرى قد تكون أشد وطأة عليه، وهو الخارج للتو من محارق صدام وكوارثه، واستهدافه للشعب الكردي وهو الشوفيني والقاتل الذي لم يتوان في استخدام كل أشكال الإبادة ضد الشعب الكردي المظلوم، ولا يمكن أن ننسى ما فعله بحلبجة والأنفال وتشريد الشعب الكردي المنكوب في الوديان والشعاب وأعالي الجبال، تاركين وراءهم خراب مدنهم وفاقدين لأي أمل بحياة حرة كريمة والطغاة متسلطون على رقابهم مثلما على رقاب الشعب العراقي الجريح برمته.
من الأقوال التي بقيت معتزا بها واعتبرها دليلا ينبغي لأي سياسي حر ووطني شريف أن يتخذ منها بوصلة ومعيارا للعمل السياسي، قول الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، حين خاطب صدام حسين طالبا منه الانسحاب من الكويت، وقد أغلق طاغية العراق كل مجساته باتجاه العقل والمنطق ومراجعة أخطائه، وهو يخاطبه، بأن الحمية غلبت الأسد، أي أن ما للتحالف القادم القدرة لتدمير العراق لا يمكن أن تغلبه البلطجيات والعنتريات الفارغة، لكن طاغية العراق أدار ظهره لكل المناشدات، ووقع المحظور، فكانت الكارثة التي يعانيها العراقيون حتى لحظتنا هذه، حين تحركت خفافيش الفساد والنهب بكتلها واحزابها واكملت خراب الأبله صدام حسين.
خاطب ملك المغرب صدام حسين قائلا له ” ينبغي أن تقاس السياسة بميزان بيض النمل” وهو قول حكيم ومتعقل، بمعنى أن من يريد أن يتخذ أي قرار سياسي، ان يكون من التعقل والكياسة وشم رائحة الخطر عن بعد، وأن يحسب للنتائج بدقة متناهية، لا أن يجتمع بمجموعة من الأغبياء من المقربين له وهو على رأسهم ليتخذ قرارا كارثيا، مثل الحرب ضد إيران أو احتلال الكويت أو غيرهما من المغامرات التي كانت سمة القرارات الصدامية المضحكة المبكية.
ينسحب هذا الكلام على ساسة إقليم كردستان اليوم وعلى رأسهم السيد مسعود البارزاني، رئيس الإقليم غير الشرعي حاليا، ومن يصفق ويطبل ويزمر ويشطح له على الوحدة ونص، وهم يلعلعون بعلو الأصوات باتجاه الاستفتاء ومن ثم قرار الاستقلال، ناسين أو متناسين كل الظروف والمعطيات والحقائق المحيطة بهم وبقرارهم الخطير، وفي ظني أن من ينادي بهذا الهدف “الذي اعتبره مشروعا نظريا، ولكنه صعب التحقيق لا الآن ولا مستقبلا” وإذا ما شرع الكرد في التنفيذ، فانهم سيفتحون نيران قد تفوق نيران جهنم عليهم وعلى مستقبل الاقليم.
ببساطة ودون الدخول في تفاصيل التعقيدات الجيو سياسية، نقول أن ملايين الأكراد القاطنين في البلدان المجاورة للعراق، مثل تركيا وإيران وسوريا وغيرها، ينتمون للأنظمة هذه الدول، سيما تركيا وإيران، الدولتان اللتان ترفضان وبشدة أقامة الدولة الكردية، أو حتى مجرد التفكير بها، لأنها ستجلب لهم الاضطرابات والتحرك الداخلي الذي قد يؤدي لنزيف دماء، حين يحذوا أكراد تلك الدول بذات المسعي، حينها ستتغير خريطة المنطقة بكاملها، وهذا ما لا ترتضيه، بل وستحاربه تلك الدول بشدة، وإذا استلم أكراد العراق تطمينات مرائية وكاذبة بلا أباليتهم بمطلبهم هذا، فأنهم في حقيقة الأمر ينصبون لهم فخا، ويقع المحظور، فهل أن ساسة الإقليم يعرفون تفاصيل نوايا هذه الدول؟ وهل هم قد شموا رائحة المكيدة؟
والأبعد من ذلك أن الساسة الكرد قد استلموا خطابات مباشرة وغير مباشرة برفض دول كبرى بفكرة الاستفتاء.
برأيي الشخصي أن على الأخوة الكرد أن يتريثوا في قرارهم وأن يتركوا قرار الاستفتاء والمطالبة بتأسيس دولتهم للمستقبل، لأن الاوضاع برمتها، سياسية أو عسكرية أو إقليمية أو دولية وغيرها، لا تساعد أبدا بتحقيق هذا الطموح الذي أعيد وأكرر أنه مشروع نظري تماما وبعيد كل البعد عن التحقق عمليا، وأظن أنهم ينبغي أن يوجهوا كل اهتمامهم حاليا لتقويم الوضع السياسي المشتبك في العراق، خدمة للشعب العراقي، والشروع بانطلاق مستقبل سياسي صحيح، بعيدا عن المحاصصة والطائفية والفساد، سيما أن للساسة الكرد أذرع مؤثرة في السياسة العراقية الداخلية، في السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية وحتى العسكرية، وإذا ما شرعوا بهذا التوجه المشروع، فأنهم سيقدمون لكافة العراقيين خدمة سديدة وتحويل العراق إلى واحة من الأمن والتطور والنهوض الاقتصادي، بتأسيس دولة وطنية فيدرالية ديمقراطية، وهو مطمح الجميع، بعد أن نفض العراقيون أيديهم من ساسته الحاليين الذين فقدوا كل شرعية من جميع العراقيين، وقد فاحت روائح فسادهم الكريهة وتسلطهم على مقدرات البلاد وتوزيع الامتيازات بين من ينتسب لأحزابهم وكتلهم ومن يقترب منهم، أما غالبية العراقيين فيعانون الحرمان والفاقة والعوز والبطالة، ببنى تحتية تسير من سيء الى أسوء.
وأؤكد لكم بأنكم لن تجدوا أرحم وأنقى وأحرص من العراق، بناسه وخيراته ومقوماته التي إذا ما وجدت الأيادي البيضاء لتصحيح المسارات، ستعيشون جميعا ككرد عراقيين، برخاء وطمأنينة وسلام وتقدم، ومن ثم تتركون الطموحات للقادم من الأيام.
أقول أخيرا أن مفاتيح المستقبل بيد الساسة الكرد، إذا ما اتحدوا مع القوى الوطنية الخيرة في عموم العراق، شريطة أن يصلحوا البيت الكردي أولا والذي يعيش حالات من التفكك واللا استقرار الذي أذا ما استمر على هكذا مناكفات وعداء غير مبرر بين الكتل والأحزاب الكردية، فأن الخلافات تتفاقم أكثر، لأن الامتيازات زائلة والوطن باق. ما تحتاجونه نقاء السرائر والعقول وتغليب العام على الخاص.
وأخيرا ومن باب التذكير أقول للاحبة الكرد، أنتم لم تنالوا استقلالكم الآن والعداء بين مكوناتكم على أشده، فماذا لو تحقق الاستقلال؟

عودة للحكمة التي اعتز بها جدا:
عليكم أن توظفوا ميزان بيض النمل قبل أن تتخذوا أي قرار ستندمون عليه أيما ندم
مع محبتي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close