سيرة لم تكتب د. محسن الموسوي يكتب ذكرياته ومذكراته عن شقيقه المفكر (3)

سيرة لم تكتب د. محسن الموسوي يكتب ذكرياته ومذكراته عن شقيقه المفكر العراقي المناضل عزيز السيد جاسم (3)
د. محسن الموسوي / خاص بالصفحة

لم تَغب هذه اللحظة في الصراع الذي يدور في داخله بين ظاهره وباطنه: وعندما المحت الى لزوم ترك المجتمع العام ومعاقرة الخمرة، وكنا في موقف الأمن العامة سنة 1988، قال لي: أتعلم اني اغالب اختيار الجانب الاخر على مضض؟ اتعلم ان انغماسي هو درع أتوقى به من نفسي؟ الا ترى أن التصوف سيكون خياري الذي ماطلته طويلاً والذي سيأتيني بما هو أخطر من الخمر، كلاهما خمر، كلاهما محنة. وكان أن استعاد باطنه متصوفاً بعدما اكتفى بالتصوف مشهداً نظرياً يهدم به حدود الفكر المادي في كتابه (ديالكتيك العلاقة المعقدة في جدل المادية والمثالية) الذي نشرته دار النهار بعدما انجز كتابته في نهاية السبعينات. هذا التصوف الغامر اجتاحه منذ زمن عندما كتب مراجعاته للفكر المادي، وانتمائية الاحزاب المادية والمثالية، الشيوعية والقومية على حد سواء، منذ عام 1960. التصوف الذي ماطل ظهوره تبدى جلياً ونحن نترك (الموقف) سنة 1988. وتتابعت كتاباته على هذا المنوال مستكملة ما جاء به في كتابه (محمد الحقيقة العظمى) سنة 1987، (علي بن ابي طالب: سلطة الحق) سنة 1988، و(التصوف والالتزام في شعر عبد الوهاب البياتي) سنة 1987، وقبله كتابه عن الشريف الرضي الذي نشرته دار الأندلس ببيروت. كان يكتب كل ليلة عندما يهجع الناس وتنام الخليقة، ويبقى الأمر للخالق وحده، ولبعض العسس فقط. كان يكتب، وقلما يقرأ ما كتب ثانية. اتذكر انني قرأت مرة ما كتب وصححت كلمة مستبدلاً اياها بأخرى: قال، لا، ما أقوله غير ما تقوله، ومفرداتي غير مفرداتك. وهكذا هو أبو خوله: مفرداته غير مفردات الآخرين، وسكّته غير سكّتهم، وهاجسه غير هاجسهم. انه بامتياز المثقف الصانع، لا المثقف الضالع، انه الظليع لا التابع. لكني استبق قارئي بالتعريف، ولربما بدا كلامي ضرباً من وفاء الشقيق لشقيقه، وتعويضاً عن قصور، واعترافاً بالجميل الذي غمرني به محبةً ورعاية. قال طهمازي وأنا التقيه بعد قرابة عشرين عاماً في نوفمبر (تشرين الثاني 2008) في لقاء في فندق دار السلام (بجميرة في دبي 26- نوفمبر- 28 منه): كان أبو خولة يكن لك حباً كبيراً. هذا ما أعرفه، وما سعيت لتحجيمه. حبه يخيفني لا لانه يجعلني رهينة لهذا الحب، ولكن لاني خشيت ان يقوده ذلك الى تضحيات عُرف بها: فلئلا يكون سبباً في ايلام الآخرين. واشقائه بخاصة، كان يدفع بنفسه الى النار. كانت التضحية هي أول اختياراته. دعوني اذن استطرد قليلاً لآتي الى حادث جرى ونحن في موقف (الامن العامة) سنة 1988: فبعد ان اقتدت الى هناك، لم أكن أدري سبب ذلك. و ضربت اخماساً باسداس. فلا شيء غير تحذيرات الدكتور عصام عبد علي التي قد تنبئ بخطر. كنت نائماً مبكراً عندما كثر الطرق على الباب، ولم يزل اطفالي يقرأون استعداداً للامتحانات. لكن الطرق تواصل. واذا بمفرزة تداهم مكتبتي الشخصية وأخرى تقتادني الى هناك. في الطريق كنت ما بين راغب في الانتهاء من حياتي ورمي نفسي من السيارة وبين المطمئن غير العابئ. ولا بد أن يكون آخرون قد مروا بمثل هذه التجربة: فلا أنا عارف بالسبب ولا أنا مطلع على أمر. هناك رأيت محفظته وعليها بعض أدويته، فعرفت أنه موجود هو الآخر. ثم تكررت المهاتفة بين ضابط وآخر مكلف بتفتيش مكتبتي: عرفت حينذاك انه لم يجد نسخة من كتاب (علي بن ابي طالب: سلطة الحق) في مكتبتي الشخصية. كان البحث جاريا عن اداة (جرمية). والكتاب هو المقصود، والقضية مبنية عليه. على قارئي ان يتذكر اني كنت رئيس مجلس ادارة الشؤون الثقافية العامة، واميناً عاماً منتخباً ثلاث مرات لاتحاد الادباء والكتاب. وكان عزيز السيد جاسم محالاً على المعاش منذ زمن، وهامش رزقه محاصر تماماً، وضنك العيش هو ميزة حياته وامتيازه أيضاً: (تحسبهم أغنياء من التعفف). بعثت الى زنزانة في مبنى مجاور، و جيء بفراش من ملحفة وغطاء من داري، وتوسدت ما توسدت ونمت تحت وهج ضوء حاد كان ينتصف السقف. ولم أنم كثيراً، فالتقطع صفة ملازمة لمثل هذه المناسبات. وكانت هذه تجربتي الأولى. ويبدو ان (العين الراصدة) كانت تقارن بيني وبين شقيقي: فشقيقي، كما يذكر النقيب أبو نور، وهو محترف يختلف عن غيره في الشعب المختصة، شقيقي توسد ونام غير مكترث ولا عابئ. يقول ابو نور: عرفت انه اعتاد على السجون والمواقف. ولربما كانت هذه هي المرة السابعة في حياته التي يسجن فيها لأسباب فكرية أو سياسية. قرأت الجريدة، وكانت (الثورة) هي التي توزع من هوة في باب الزنزانة. قرأت كل سطر، من اول صفحة الى آخرها، لأغالب الوقت. لم أترك اعلاناً أو تعليقاً. وقررت الاغتسال في مرحاض ارضي خلف الزنزانة، وثمة قطعة صابون (رقي) كانت هناك. والماء موفور. وعندما انتهيت، وأديت الصلاة، جاءني من الهوة ايضاً الفطور، وبعده الغداء، وعرفت أوقات الوجبات التي تحضر في مواعيدها كل يوم. أدركت منذ اليوم الأول أمرين: عندما تركت قطعة الخبز (الصمونة) على الجدار النصفي الذي يفصل الزنزانة عن المرحاض وجدتها كالحجر بعد ساعات. فقررت الاكثار من شرب الماء. وعندما رميت بقية (المرق) في المرحاض خرج جرذ كبير فرحاً ليجوب الزنزانة. عرفت انه لا ينبغي رمي فضلات هناك. استمر الوضع، واستدعيت للتحقيق: وترأس التحقيق العقيد فاضل عباس. بحضور سكرتير مدير الامن العام السابق، وكان من تلامذتي في كلية الآداب. كما حضره المقدم قيصر الحديثي، والذي كان يكتب وينشر في الصحافة. وهناك من لا أعرفهم، ويبدو انهم من اجهزة أمنية أخرى. لا شيء جديد: الكتاب الذي اصطنعت الطبخة من أجل تقديمه أداة جرمية هو الموضوع. لم أقرأه. وكنت صادقاً. قالوا: هل عاونت في نشره. قلت لهم: الناشر هو الدكتور سهيل ادريس، وهو ابن عالم ديني لبناني لا علاقة له بالفكر الشيعي، اذا كان المراد اسقاط تأويل (طائفي) على الكتاب. والدكتور سهيل ادريس (رحمه الله- توفي سنة 2007) هو صاحب دار الاداب ومؤسسها سنة 1953. هي اكبر مشروع ثقافي قومي قام بمجهود فرد واحد. وأصدر أبرع المجلات الأدبية وأكثرها متانة بعد مجلة (الرسالة) المصرية لأحمد حسن الزيات والمقتطف ليعقوب صروف. قلت لهم: لم يكن عزيز بحاجة إليّ. ولكن الكتاب كتب بلغة ورأي كانهما من مؤلفات مدرسي. هذا ما قاله العقيد. قلت له: أنا لم أقرأ الكتاب، واشك في هذا التفسير. أضفت ان عزيزاً صاحب فكر عتيد يريد استرجاع المواصفات القوية والمثالية للتأويل التاريخي لشحذ الفكر اليساري والقومي وشحنه بطاقة خلا منها كثيراً طيلة الثلاثين عاماً. لم يكن معنياً بالتفسير الديني. انه معني باستدعاء العوامل الفاعلة في الصراع التاريخي. لا يمكن ان يكتب عزيز شيئاً مغايراً. صمت. أضفت: تذكروا ان الكتاب لم يبعث الى دار الشؤون الثقافية على الرغم من ان الكاتب طلب من وزارة الثقافة نشره. كما لم يرفض الكتاب. وبقي أمره معلقاً. سأل العقيد فاضل: من الخبراء الذين تقترحهم لو بعُث الكتاب الى قراء؟ قلت له: هناك الدكتور عصام عبد علي، والدكتور عزمي الصالحي، والدكتور نزار الحديثي. ثلاثتهم ينتمون الى الأيديولوجية التي تلتزمها الدولة. سأل: ورأيك في الدكتور بشار والدكتور رشدي؟ قلت: كلاهما عالم في اختصاصه، وكلاهما محاصر بطريقة ما في قراءة النصوص. لم أجب على السؤال بشأن معاونة شقيقي في نشر الكتاب. وسعت الوزارة الى تقديم تفسيرها للأمر.
المشرق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close