القوة ثم القوة ثم القوة

علي علي

نسمع دوما عن القوة ودورها في أكثر من جانب من جوانب حياتنا، فبها -القوة- نشأت دول وصمدت أمام اعتداءات ومحاولات إسقاط عديدة، وبها أيضا تمكن أشخاص من اعتلاء مراكز سلطوية، وبها أيضا قاد ثوار شعوبا وأمما، متحدين معوقات وعراقيل لم يكن من السهل عبورها ولا توافر عنصر القوة. والقوة التي أقصدها ليست القوة العضلية، كما ليس مقصودي قوة المال وعديد الرجال، فالأمر ليس أمر أرقام وأعداد بقدر ماهو أمر إدارة وسياسة وقدرة على الحكم، بشكل يأتي بنتائج إيجابية ذات جدوى.
ولما كان الشيء بالشيء يذكر، فقد سئل برناردشو يوما عن أسس السعادة فقال: “أسس السعادة خمسة؛ المال.. المال.. المال.. المال.. المال”. ولو أردت استعارة مقولته هذه، فبإمكاني القول ان أسس النجاح في إدراة البلد وأسّ الحفاظ عليه عشرة؛ “القوة، القوة، القوة… وعاشرا القوة”.
أقول رأيي هذا ونحن في القرن الواحد وعشرين، في عصر ارتقت فيه وسائل العيش وتقنياته الى مايقرب من الخيال. ففي قانون الغاب حيث أجناس الحيوانات كثيرة، تتنوع القدرات فيما بينها في الدفاع عن النفس، إلا أن القاسم المشترك الذي يجمعها هو عنصر القوة، وبذا يكون البقاء في عالم الحيوان للأقوى. أما نحن أبناء آدم، فقد ميزنا خالقنا عن باقي المخلوقات واختصنا بالعديد من النعم، أولها العقل ومايحمله من حنكة وأفق في التفكير والتدبير والتخطيط لخطواتنا وماتؤول اليه أعمالنا، وبهذا ما عاد البقاء في المجتمع البشري يقتصر على دور الأقوى فقط، لاسيما ونحن في عصر العلم والتكنولوجيا، فحلّت وجوبا أدوار الأصلح والأفلح والأفضل والأكمل والأتقى والأنقى والأفهم والأحكم والأقدر والأجدر، مجتمعة جميعها في آن واحد وآنية واحدة من غير إسقاط أي دور منها، ليكتمل بناء المجتمع ويطّرد تقدمه ورقيه مع تقادم الزمن كمّا ومع باقي المجتمعات نوعا. شريطة ان يبقى دور القوة ملازما للأدوار كلها.
اليوم في عراقنا الجديد أرى ان جميع الأدوار التي ذكرتها موجودة بشكل كامن داخل كل فرد سوي من أفراده، وبامكانه بذرها على أرض الواقع، شريطة ان تكون تلك الأرض خصبة ومهيأة لاستقبالها. باستثناء نفر ليسوا من الصلاح والفلاح بشيء لأنفسهم او لأخوانهم العراقيين او للبلاد. ومن سوء حظ العراقيين عقب تحريره من براثن النظام السابق، ان يكون لهذا النفر منصب ومقعد وحقيبة، وبالتالي تكون لهم كلمة وموقف وقرار. وهم ألد أعداء العراق قلبا وقالبا ومخبرا ومظهرا، حيث يتدرعون بحجج الوطنية والحرص على مصالح البلد وفي الحقيقة هم يتأبطون له شرورا، فيما هم يرتدون زي الصديق والمحب، وهم كما قال ابو نؤاس:
إذا امتحن الدنيا لبيبب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
وقطعا هم يتخذون من الحرباء ونهجها نقطة شروع، ينطلقون منها في تحديث أساليب العداء وأدواته وأنواعه، فيستحدثون من فنونه الجديد والغريب، وهنا ينحسر علاجهم فيقتصر على دور القوة فقط، ولن يجدي الكي حينها إن كان آخر الدواء..! بل يجب ان يكون أوله.

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close