واحة الاستقرار الوحيدة في العراق معرضة للخطر

محمدواني
لم تغب ايران يوما عن المشهد السياسي الكردي في اقليم كردستان ، كانت حاضرة بقوة في صياغة القرارات وتوجيه السياسات والتدخل في خصوصيات البيت الكردي وتشكيل لوبي قوي داخل الاحزاب الكردية المتنفذة ومن بين قادتها الكبار ، ورغم وجود علاقة دبلوماسية اعتيادية مع حزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس الاقليم “مسعود بارزاني” ولكنها لم تصل الى المستوى الذي يسمح لها بفرض الاجندة والاملاءات السياسية المباشرة ، وقد حاولت التغلغل الى داخل حزب بارزاني الذي يمسك بالسلطة الحقيقية في الاقليم والوصول الى مصدر قراراته السياسية المهمة كما هو الحال مع الكثير من الاحزاب العراقية في بغداد والاحزاب والميليشيات التابعة لها في الدول العربية ولكنها فشلت بسبب متانة الحزب الديمقراطي الداخلية ومركزيته القوية التي تخضع مباشرة لـ” بارزاني” ، كل خيوط اللعبة السياسية الاساسية في الاقليم بيده وغير مسموح لاحد مهما كان منصبه الكبير في الحزب والحكومة ان يتلاعب بثوابت الشعب ويعرض امن الاقليم ومستقبله الى الخطر ، وهذا ما جعل الاقليم من اكثر مناطق العراق امنا واستقرارا يتوجه اليه العراقيون وغيرالعراقيين هربا من اوضاعهم المتردية، وما يجدر ذكره ان قرابة المليوينن من النازحين واللاجئين موجودون في اقليم كردستان.
ومع اندلاع الثورة السورية الشعبية ضد سلطة “بشار الاسد” الطائفية في 2011 وتدخل طهران فيها بقوة ، ازداد الاحتياج الى ممر آمن لنقل المساعدات اللوجستية والعسكرية الى سوريا باقصر الطرق واسهلها ولم يكن اقليم كردستان وخاصة المناطق التي تخضع لنفوذ حزب بارزاني مدينتي (اربيل ودهوك)تمثل تلك الاهمية الاستراتيجية لايران التي استطاعت ان تخضع اماكن كثيرة في المنطقة الى نفوذها المباشر فحسب ، بل مثل تحديا صارخا لمخططاتها التوسعية وجدارا صلبا بوجه اطماعها السياسية والفكرية والمذهبية .
وازاء رفض “بارزاني” لمطالب ايران المتكررة في السماح لها بالتواصل مع حليفتها سوريا عبر الاقليم لامداد الدعم اللوجستي والعسكري لها ، واقدامه على عقد تحالف استراتيجي مع عدوتها التاريخية اللدودة “تركيا” وفتح ابواب الاقليم على مصراعيها لشركاتها ومشاريعها الاستثمارية وارتقاء العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين الى مستوى استراتيجي عال حيث بلغ الحجم التبادل التجاري بينهما في يوم من الايام الى 10 مليار دولار ، والاهم والاخطر ان اقليم كردستان تحول الى مجال جيوسياسي حيوي للامن التركي ، لايمكن اختراقه او تجاوزه ، وهذا ما دفع بايران الى تصنيفه كعدو تجب محاربته ومعاقبته من خلال حلفائه في بغداد وعلى راسهم رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” الذي خاض صراعا عبثيا طويلا مع “بارزاني” استمر لسنوات تخلله تهديد عسكري مباشر لقوات البيشمركة المرابطة على تخوم مدينة “كركوك” المتنازع عليها عام 2012 من خلال استحداثه لقيادة عمليات دجلة عام 2012 ، وكذلك تحريك دبابته وآلياته العسكرية تجاه مدينة (خانقين) عام 2008 بسبب رفع الكرد للعلم الكردستاني من على دوائر ومؤسسات المدينة! ـــ نفس الازمة التي كرروها في كركوك عندما قرر مجلس المحافظة في ابريل من هذا العام رفع العلم الكردي على مؤسسات المدينة جنبا الى جنب مع العلم العراقي الامر الذي اثار حفيظة بعض الفصائل التركمانية والعربية ودفعها الى مطالبة حكومة العبادي باستقدام قوات امنية نظامية الى المدينة للحد من النفوذ الكردي الواسع فيها ومنع اجراء الاستفتاء المزمع اجراءه تمهيدا لضمها الى اقليم كردستان فيما بعد ــــ ولكن عندما وجد”المالكي” ان قواته غير قادرة على مواجهة القوات الكردية وسيؤول مصير مغامرته الى الفشل ، لجأ بايعاز من ايران طبعا الى فرض حصار اقتصادي شديد على الاقليم ومنع عنه الميزانية الحكومية المخصصة له بذرائع نفطية واهية ، رغم ان الكتل الشيعية في البرلمان هي التي عطلت تشريع القوانين المهمة ووقفت حائلا دون اصدارها ومن اهمها قانون النفط والغاز الذي لو اقرته لحلت مشاكل كثيرة عالقة بين اربيل وبغداد ولكن اصرارها على الهيمنة وفرض اجندتها الطائفية الخارجية على الاخرين هو الذي وضع العراق في ازمة دائمة قد لايخرج منها ابدا..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close