كركوك من التعريب إلى الاستفتاء … (2)

تتمتع هذه المدينة ومنذ زمن بعيد بنسيج اجتماعي مكون من العديد من القوميات والمذاهب والديانات المختلفة ، إلا إن الكورد شكلوا فيها ولعدة قرون ماضية غالبية واضحة يليها التركمان ومن ثم القومية العربية ، وكانت اللغتان الكوردية والتركمانية هما السائدتين فيها حتى العقود الأخيرة ، قبل إن تطلها حمالات التعريب وعلى مراحل متعددة فالمدينة تعد من أغنى مدن العراق بالنفط إذ يوجد فيها خامس أغنى حقل نفطي في العالم ، وبقيت نقطة جوهرية في المشكلة الكوردية والحكومات العراقية المختلفة ، فالأولون يطالبون إدخال المدينة ضمن المناطق الكوردستانية استنادا إلى تاريخيها الحديث والمعاصر واعتمادا على إحصائيات عام 1957 والثانية لا تنفذ الدستور وخاصة المادة (140) منه .
بعد سقوط النظام البائد ومنذ ذلك الحين بداء صفحة جديدة في تاريخ هذه المدينة التي بدأت تستعيد أصالتها المسلوبة منه يوما بعد يوم حتى أصبح مصيرها بيد أبناء شعبها خاصة بعد إحداث داعش الإرهابي وكانت كركوك قاب قوسين أو ادني من السقوط بيد داعش لو لا تدخل البيشمركة لحماية المدينة ، وعلى أثرها بات من الضروري البت في مصير هذا المدينة من خلال استفتاء يبين عائديتها ، و هو ما تمخض عنه في الاجتماع الذي عقد بين رئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني والإطراف والأحزاب السياسية الكوردية ما عدا التغير والجماعة الإسلامية في 7 من حزيران 2017 ، حيث تقرر تحديد يوم 25 من أيلول المقبل موعداً لإجراء الاستفتاء لتقرير المصير في جميع محافظات الإقليم من ضمنها محافظة كركوك والمناطق الكوردستانية خارج أدارة الإقليم ( المتنازع عليها ) .
بعد إقرار مجلس المحافظة إجراء الاستفتاء مع باقي محافظات الإقليم جاء رفض الحكومة معترضا هذا القرار ، الاستفتاء الذي يندرج في إطار مادة دستورية تقضي بضرورة إجرائه لحسم الخلاف حوله عائديه المدينة سوءا لحكومة الإقليم أو الحكومة العراقية وهو ما نص علية في المادة (140) من الدستور العراقي لسنة 2005 ، والتي كانت من المفترض إن تطبق في عام 2007 ، للبت في مستقبل مدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها الأخرى وعلى ثلاثة مراحل هي تطبيع الأوضاع وإجراء الإحصاء ومن ثم الاستفتاء ألا أن الحكومة العراقية لم تطبق هذا المادة على الرغم من مطالبة الكورد مرارا وتكرارا ، وكان لبغداد كلام أخر وهو أن المادة قد عفا عليها الزمان و انتهت قانونياً ، وبسقوط الموصل بيد داعش الإرهابي وانسحاب الجيش العراقي من ثلاث ارضي العراق ، أبقت القوات الكوردية كركوك بعيدا عن خطر ذلك التنظيم الإرهابي الذي احتل أجزاء من المحافظة لا سيما المحيطة بها ، وهي أراضي تقطنها أغلبية عربية كالحويجة والقرى المحيطة بها ، وبالرغم من هذا كله هناك معارضة من قبل بعض الكتل السياسية العربية والتركمانية لإجراء الاستفتاء في كركوك في حين يرى الكورد أن هذا الإجراء حق دستوري وهو ممارسة ديمقراطية لمعرفة أراء الموطنين ناهيك عن إن غالبية أهالي المدينة يؤيدون الاستفتاء لان بغداد لم تقم بشي يذكر للمدينة وخاصة ما يتعلق بالأمن ، فضلاً عن عدم تنفيذ المادة (140) مؤكدين بأن الاستفتاء سيجري حتى وان لم توافق الحكومة المركزية على ذلك .
أما فيما يخص رأي المكونات الأخرى كالتركمان والعرب من الاستفتاء فهم منقسمين في المدينة إلى فريقين منهم من يؤيد بأن تكون إدارة كركوك تابعة للإقليم فيما يطالب القسم الأخر بأن تكون إدارتها تابعة للحكومة المركزية في بغداد ولن يحسم هذا الخلاف إلا الاستفتاء فهو الفيصل والحكم وهو الذي سيرسم مستقبل هذه المدينة ذات الغالبية الكوردية والذين يرون إن المشكلة تكمن في العراق وتفسيرها الخطأ للاستفتاء وتصوره على انه خطوة سلبية وما يتم من تضخيم من هنا وهناك في سبيل عدم إجراء الاستفتاء بالإقليم عامة و كركوك خاصة ما هو الا مماطلة كما حصل مع المادة (140) من الدستور وفي حقيقة الأمر يعتبر الاستفتاء إحدى أهم وانجح الوسائل العالمية لحل إي مشكلة عالقة تخص بلد أو شعب بأكمله .
لقد فقد سكان كركوك ثقتهم ببغداد وان قوات الأمن الكوردية والبيشمركة هي من تحمي حدود كركوك وأمنها ألان ، ناهيك عن المعاملة المزدوجة التي تتعامل بها من قبل بغداد حيث تعتبرها جزء من الإقليم في حال الحرمان من المستحقات المالية والخدمات و ترها تابعة للمركز في التصريحات والخطابات السياسي .
المحامي يوسف عبدالباقي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close