اراس حبيب .. الظرف المغلق

بقلم : عصام اكرم الفيلي

منذ فترة وتحديداً بعد وفاة الجلبي، أخذت أسهم اراس حبيب تتصاعد في سماء السياسة العراقية رغم انه بدأها بنشاطات مجتمعية كان لها صدى واضح وواسع، ليس لتفردها وريادتها بل لحجم المبالغ التي لم يتعود المجتمع العراقي على التبرع بها من قبل فرد، فمن المائة وخمسون مليوناً لبناء حسينية في كربلاء الى المائتي مليون لمستشفى أطفال الكانسر في البصرة إلى قوافل مساعدات غذائية عملاقة، وإقامة بطولة رياضية عالمية عجزت ميزانية الدولة عن تحمل تكاليفها، مروراً بما سواها من فعاليات ونشاطات أهمها بناء مؤسسات متكاملة للشباب تارة وللمرأة تارة اخرى، تلك النجومية التي بدأت تتصاعد بالمال لطالما أخذت مني بعض الوقت للتفكير فيما ومن وراء هذا الرجل، وما هو القادم ؟

قبل شهور من الآن حين أعطاني احد الأصدقاء مسودة مشروع قانون انتخابات مجلس النواب، قال لي حتى قبل أن اطلع عليها إن فيها مقعداً فصل خصيصاً لـ ( كرايبك ) ولما سألت من يعني من أقربائي قال اراس حبيب، وهذه كانت أول التفاتة إلى غرائبية ما يحدث، أما لماذا فلعدة أسباب، أولها إن اراس حبيب لا يحتاج إلى مقعد برلماني يتيم بأي حال من الأحوال، فما يوفره هذا المقعد لا يتعدى أمرين، الحصانة التي لا يحتاجها الرجل كون ما لديه من أسرار ورثها عن الدكتور الجلبي وبالوثائق يكفي ليوفر له حصانة مدى الحياة، ثم انه لم يعادي أحداً كي يحتاج إلى حصانة ولا ينوي محاربة احد كي يحتاج إليها، والأمر الثاني هو المال الذي لا يحتاجه حبيب أيضاً كون الرجل عبارة عن إمبراطورية مالية يمسك بزمامها ويتحكم في خيوطها بشكل جيد منذ عقدين من الزمن، فلماذا هذا المقعد !؟

ثم جاءت بعد ذلك تحركات غريبة، صحيح إن حبيب قد ورث عن الجلبي قيادة المؤتمر الوطني العراقي، ولكن في حسابات البيدر التي تختلف عن حسابات الحقل نرى إن الجلبي بكل تاريخه وثقله لم يحصد ما يؤهله للجلوس تحت قبة البرلمان إلا بشق الأنفس ولم تتعد أصواته ( 10349 ) صوتاً بالضبط، فهل يطمح خليفته إلى أكثر من ذلك ؟ تلك المعطيات من الطبيعي إن تثير لدى المتابعين بعض التساؤلات التي تستدعي التركيز فيها والاقتراب منها لمعرفة كنهها الغريب، خاصة بعد ان عرضوا عليه رئاسة جهاز المخابرات ووزارة المالية وكالة ورفض الاثنين، فماذا يريد أو ماذا يريدون له ؟

لنفترض جدلاً إن الرجل يهوى المقعد البرلماني وهذا ما استبعده تماماً، فهل من المنطق أن يقوم بتأسيس أحزاب لتنافسه على حصد الأصوات ؟ وهل من المنطقي أن يطلب من شخصيتين متنافرتين على الدوام أن يقوما بتأسيس حزبين في محافظة صغيرة واحدة مثل واسط !؟ كيف لنا أن نلغي عقولنا ونتصور أن صقور اليوم المتضادة ستتحول إلى حمائم متوادة في الغد وما هو هدف اراس حبيب من ذلك ؟ كما إن الحزب الثالث المدعوم من حبيب في طريقه إلى التأسيس في بغداد، وربما خلف الكواليس غير هذا الكثير، فمن الذي يحتاج إلى تأسيس أحزاب تخرج من عباءته وتنطلق من إمبراطوريته .؟

في الحقيقة لا يمكن أن ينتج هذا إلا كخطوة اولى نحو تأسيس نظام حكم شمولي، ولا احد يفعل هذا إلا الحزب القائد الذي يتولى السلطة بطريقة أو بأخرى وغالباً ما تكون غير شرعية ولكن تفرضها الظروف، ذلك الحزب الذي تعودنا انه لا ينتج سوى دكتاتورية يتم تجميل صورتها بعدد من الأحزاب الصغيرة التي تمجد بالحزب القائد وتدور في فلكه، خاصة إن التجربة أثبتت إن العراقيين بشخوصهم وأحزابهم لم يتعلموا ممارسة الديمقراطية الحقيقية، ولم يفهموا من الحرية سوى إنها تعني الفوضى، وهذا ما لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، كما إن واقع الحال أثبت فشلاً ذريعاً للإسلام السياسي في إدارة شؤون البلاد والعباد، وأفرز رفضاً شعبياً كبيراً ستظهر نتائجه واضحة للعيان من خلال العزوف شبه التام عن المشاركة في الانتخابات القادمة، وفي نفس الوقت انحسرت الأحزاب الليبرالية إلى زاوية التقوقع البارد الذي يسبق الموت الرحيم، والدول التي تمسك بخيوط اللعبة السياسية في العراق لا يمكن أن تسكت عن هذه الفوضى المجنونة التي أنتجت طبقة من السياسيين الفاسدين، وكيانات وتجمعات بشرية داعشية بامتياز على اختلاف الطريقة والممارسات.

ولو عطفنا النظر على المتغيرات الإقليمية من الأوضاع في سوريا إلى الدخان الذي يتصاعد من دول الخليج منذراً بزوبعة ستعصف بتلك الكيانات والمشيخات بتدبير وتوقيت لن يكون من قبيل المصادفة أبداً، سنجد إن الحاجة الى شرق أوسط جديد وخليج جديد قد وصلت الى أقصى مدياتها، خاصة إن اللاعبين الكبار قد أصابهم الملل من هلامية نتائج الأحداث الدراماتيكية التي وضعوا مخططاتها بأيديهم ونفذتها أيادي سواهم من الكتل البشرية التي لا يجمعها جامع إلا العنوان الطائفي، ذلك الوتر الذي أجاد الغرب وايران العزف عليه، ولكنه خرج عن السيطرة وتحول في نهاية المطاف الى لحن نشاز عنوانه الأبرز هو حالة اللا حسم، ولهذا لابد لهم ان يتفقوا ويتدخلوا لاختلاق الحسم الضروري لاستقرار المنطقة ككل.

كما ان العزف على الوتر القومي بالنسبة للاكراد قد وصل الى ختام سمفونية التغيير السياسي والمناطقي، ولن ينتج الاستفتاء المزمع إجراؤه في ايلول القادم سوى التحول من الفدرالية الى الكونفدرالية في أحسن الأحوال واكثرها تفاؤلاً بالنسبة للكُرد، اما حلم الدولة القومية الكردية فقد تأجل في المرحلة الحالية بعد زوال إمكانية فتح منفذ بحري كان مخططاً له أن يكون بامتداد المناطق ذات الغالبية الكردية على الشريط الحدودي السوري التركي وصولاً الى البحر المتوسط، والساسة الكُرد لن يغامروا ابداً في إنشاء دولة وليدة محاصرة من جميع الجهات، والا فهم يغامرون بشعبهم ويضعوه في عزلة جغرافية وسياسية واقتصادية قاتلة، ولا خيار امام الكُرد الا القبول بالأمر الواقع والظروف المحيطة كون اقليم كردستان العراق مغلق جغرافياً، والرضوخ لإرادة الدول المتحكمة في المنطقة ولمعطيات الجيوبوليتيك هو الخيار الأفضل الذي سيقبلوه ولو على مضض.

هذه الأحداث والمتغيرات تفصح وبكل وضوح عن الحاجة الى قلب قوي يضخ دماء التغيير في شرايين المنطقة وليس أفضل من لاعب يجيد هذا سوى عراق قوي يديره فكر جديد ويحكمه نظام جديد، ولا يمكن أبداً أن تكتمل هذه اللعبة الدولية إلا بنظام شعبي في ظاهره ودكتاتوري في حقيقته يحكم بلاد الرافدين ليكون شرطي المنطقة المقبل، وعلى الصعيد الداخلي فربما تكون الدكتاتورية التي ينتجها الحزب الواحد هي أحوج ما نكون اليه الآن، مع تشظي الاحزاب الكبيرة المعروفة وانحسار مقبوليتها وتدنيها الى مستوى الرفض الشعبي، وخاصة في ضل الإنفلات الأهوج الذي يحيط بالمجتمع وبحياتنا اليومية في كل المستويات ومن كل الاتجاهات.

وبناءً على ذلك، فربما يكون الظرف المغلق اراس حبيب هو الدكتاتور اللطيف الذي سيحكم العراق القادم بعد مزاوجة المال بالسياسة التي تربى في بيتها، وربما إن الرجل يتم إعداده كصفقة توافقية بين الولايات المتحدة وايران وفق منهج مدروس ليكون الرابط الأعلى شأناً بين مكونات العراق في المستقبل القريب، استثماراً لمذهبيته الشيعية من جهة، ولقوميته الكردية من جهة اخرى، خاصة انه لم يعرف عنه يوماً لا طائفية متطرفة ولا قومية متطرفة، وإنما الانطباع المعروف عنه هو الوسطية الوطنية المعتدلة، وغير هذا فلا يمكن وصف ما يقوم بهِ من تأسيس أحزاب ومؤسسات وكيانات وتبرعات بمئات الملايين إلا بالتصرفات الخرقاء، والرجل متميز في مجالات عدة وليس اخرقاً بأي حال من الأحوال، وليس أمامنا إلا الانتظار لنرى أي الاحتمالين اصح.

عصام أكرم الفيلي

29 تمـــــــــــــــــــــــــــوز 2017

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close