الصحافة الشيوعية في ذاكرة الطفولة الناضجة

محمد الكيم
لا اعرف ان كانت الذكريات الكبيرة قادرة على احتواء الذكريات الصغيرة والخاصة، للمحيطين والمرتبطين بمدياتها البعيدة، لكنني اعرف ذلك الطفل الذي يربط الذكريات مع بعضها ويصفُها جنبا الى جنب ويحتفظ بها لترافقه طوال الحكاية. في بيت الجد في الشارع الاكثر ازدحاما في مدينة الحلة يقف والدي امام باب المنزل، كان ذلك بداية التسعينات في فترة السكون المفروض دمارا وخيبة والم. يمر المدير الجديد لدائرة أمن البلدة في الحلة ويقف امام والدي ملقيا التحية وبابتسامة خفيفة: “استاذ شنو أكو بالطابق الثاني ببيت الحجي؟ من فترة واني هنا وما اشوف بي لا ضوة ولا حركة توحي بان الطابق مستخدم”، في هذه اللحظة بالذات يرجع والدي بالصورة عشر سنوات او اكثر الى تنور الحطب خلف المنزل والذي احرقت فيه جدتي اخر مجموعة من دفاتر فيها من الشعارات والاغاني الطلابية والشيوعية ما يجعلك تتعلق على مرجوحة الابطال بسرعة البرق، كان من ضمن المحروقات مناشير داخلية وصور وأعداد من جريدة طريق الشعب ((كان يحتفظ بها زوج ابنتها اي والدي في الطابق الثاني من المنزل))، كان السبب الرئيس لحفلة الحرق هذه هي سلسلة اعتقالات واعدامات لكوكبة من الشيوعيين في الحلة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لكنها لم تكن تعرف ان المجلات المرصوصة في الكارتونات الاخرى (والتي بدأتُ بإستكشافها في تلك الفترة) هي ايضا للشيوعيين تاركة اياها الى يوم التساؤل غير البرئ لمدير الامن، فما كان لوالدي الا وان يمسكه من يده قائلا “مادامك اجيت بدون موعد تعال نصعد فوك سوة وتشوف بعينك” رد المدير الشاب بخجل “لا العفو مو قصدي اتدخل او اتجسس، بس تعرف الوضع بعد الغوغاء (ويقصد انتفاضة آذار 1991) لازم نكون حذرين” فأجابه الوالد وقد تنفس الصعداء “نعم اعرف لكن الحجي مستخدم الطابق الثاني مخزن للحبوب والمواد اللي يتاجر بيها مثل ما تعرفون!” انتهى الحوار بينهما وانتهت الصدفة الهوجاء، والتي لم تدفع والدي الى حرق المتبقي من أعداد الثقافة الجديدة أو يفكر بنقلها الى مكان آخر، وكأنه كان يقول لي أكمل استكشافك بروية. بدأت القصة مع الثقافة الجديدة بالصدفة لكن هذه الصدفة كانت مخضوضرة، وأنا أبحث ان أي شئ مسل في نهارات العراق الصيفية، فقد عثرت على تلك الكارتونات التي تحوي اعداد كثيرة لا اتذكر عددها الان، قرأت في تلك الفترة عن المسرح وتعرفت على فرقة المسرح الفني الحديث والتقيت بغائب طعمة فرمان وسامي عبد الحميد وزينب في صفحات المجلة السمراء، قرأت عن الشعر وعرفت من هو يوسف الصائغ الحقيقي ومن هو الاخصر بن يوسف وتعرفت على النقد ايضا، قرأت في العلوم وعرفت انواع البيكتريا قبل ان ادرس ذلك في المدرسة. ربما كان الفهم والاستنتاج سطحيا بالنسبة لعمق الموضوعات وصعوبتها وخاصة على طفل لم يتجاوز العاشرة لكنه لعب دورا مهما واساسيا في تشكيل شخصيتي وذائقتي وتساؤلاتي. اعرف جيدا ان هذا الطفل استوى ونضج بالصحافة الشيوعية العراقية قبل ان يعرف ماذا تعني الشيوعية، وقبل ان تؤثر به كتبه المدرسية حتى.
فسلاما للصحافة الشيوعية العراقية في عيدها، مدرستي الاولى ومعلمي المهم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close