الباشا نوري السعيد سياسي وأنسان من طراز نادر!

علاء كرم الله
لا اعتقد ان أحدا من الأجيال السابقة وحتى اللاحقة لم يعرف أو يسمع بالمرحوم (نوري السعيد) أو نوري باشا السعيد!، السياسي الأبرز والألمع بين كل رجالات العهد الملكي بالعراق، ولربما أكون مبالغا بعض الشيء أذا قلت بأن حقبة العهد الملكي عرفت بنوري السعيد!!. وصدقت (المس بيل عندما ذكرت في أحدى رسائلها التي كانت ترسلها الى بريطانيا عندما كانت في العراق بالقول عن نوري السعيد: بأننا نقف وجها لوجه أمام قوة جبارة ومرنة في آن واحد). ويرى الكثيرين ومنهم كاتب السطور أن نوري السعيد رحمه الله كان شخصية مثيرة للجدل!، حتى قال عنه (بيترسون) السفير البريطاني آنذاك : (أن نوري السعيد ظل لغزا كبيرا!؟). ويعود سطوع نجمه السياسي فترة الحقبة الملكية التي أمتدت قرابة (37) عاما من (1921 – 1958) الى حنكته السياسية ودهائه وذكائه الحاد وسرعة بديهته ولباقته وحسمه للكثير من الأمور السياسية وحتى الأجتماعية بالوقت المناسب، ولذا كان الأجدر والأكثر أستحقاقا بين كل رجالات وسياسي ذلك العهد أن يكون رئيسا للوزراء (14) مرة!!. وكانت للمرحوم نوري باشا السعيد صولات وجولات في عالم السياسة، ولم تكن هناك معظلة سياسية كانت أم أجتماعية ألا ولها ( أبو صباح) تيمنا بأبنه صباح رحمه الله ، ألا ووجد الحل الأنسب لها والذي يقتنع ويرضى به الجميع!. وعرف عن نوري باشا السعيد النزاهة والوطنية وحب العراق، أما ما يراه البعض بأنه كان عميلا للأنكليز ولبريطانيا فهذه مسألة فيها نظر!؟، لأن المرحوم نوري السعيد كان يعرف حق المعرفة بأن العراق بلد له أهمية كبيرة من الناحية الستراتيجية والجغرافية، كما أن الله عز وعلا جعل فيه من الخيرات والنعم الشيء الكثير، حتى أن الله جعل ثلثي خزائنه في أرض بابل! ولذا فالعراق ومنذ الأزمان السابقة كان محط طمع من قبل جميع دول العالم وخاصة الدول المجاورة له!، فكان لابد ومن وجهة نظر الباشا نوري السعيد من التعاهد مع الدول القوية والأستعانة بها في سبيل حماية العراق من تلك الأطماع وكذلك للحفاظ على ثرواته!، فكان لابد من أقامة أحسن العلاقات وأوثقها مع بريطانيا باعتبارها الدولة الأقوى في العالم لحين أنتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى، ولكن هذا لا يعني أفول نجم بريطانيا! كما يتصور الكثيرين، فمن وجهة نظري المتواضعة أرى أن بريطانيا لا زالت تحرك البوصلة السياسية لهذا العالم وأنها لازالت تقف وراء كل الأحداث التي جرت وتجري في العالم!، كما أن بريطانيا هي من أسست العراق بعد أندحار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، فما الضير أن يستقوي المرحوم نوري السعيد ببريطانيا! ولربما يتفق معي الكثيرين بأنه كان مصيبا في ذلك الى حد كبير!. وهذا برأي هو السبب الرئيسي في أتهامه بأنه عميل لبريطانيا!، ولا ننسى دور الأحزاب السياسة في ذلك الوقت ( الحزب الشيوعي تحديدا وحزب البعث) في ترسيخ مثل هذا المفهوم على شخص نوري السعيد تحديدا، بل وعلى عموم الحكم الملكي!. ويعرف عن نوري السعيد أيضا فيما يعرف عن شخصيته الكثيربأن له نظرة ثاقية في معرفته للأخرين، ويتداول الكثير من العراقيين الكثير من طرائفه وقصصه الأجتماعية بين الناس التي تدل على عمق نظرته وفهمه للشخص الذي يقابله، ومنها قصته هذه التي سأرويها مع الموظف الذي تقدم لشغل منصب مدير لأحد النواحي: (أراد نوري السعيد أن يشرف بنفسه لمقابلة المتقدمين لشغل وظيفة مدير ناحية، بعد أن أعلنت وزارة الداخلية عن حاجتها لعدد من مدراء النواحي على أن يكون المتقدم حاصل على شهادة (البكلوريوس) بالحقوق أضافة الى كونه حسن السيرة والسلوك وما الى ذلك من شروط. وبدأ نوري باشا يقابل المتقدمين ويفحصهم ويدقق في مدى أنطباق شروط التعيين عليهم، ويكتب عبارة ( يعين مديرا للناحية الفلانية بعد أكمال دورة التدريب) وهكذا. الى أن تقدم للمقابلة شخص كان البؤس والفقر واضحا عليه! هندامه، صفار وجهه، ضعف شخصيته، ولكن لفت أنتباه نوري السعيد بأن المتقدم فيه كل المؤهلات المطلوبة أضافة الى كونه موظف بأحدى دوائر الدولة بعنوان (رزام)!. فسأله الباشا 🙁 أبني أنت وين تشتغل، فاجابه بأرتباك: باشا بالدائرة الفلانية، عاد الباشا ليسأله، وليش عنوانك الوظيفي ليهسه رزام وأنت مخلص كلية وصارلك أربع سنين بالوظيفة؟، سكت صاحبنه ولم يجب بأي شي!،سحب الباشا ورقة وكتب عليها يراجعني بعد (6) أشهر! وأشر ذلك على أضبارته ولم يكتب له بالألتحاق بالدورة التدريبية كبقية المتقدمين؟!، أخذ صاحبنا الورقة وعاد لدائرته. فما كان من الباشا ألا أن طلب مدير الدائرة التي يعمل بها هذا المتقدم، فأرتبك المدير بعد أن أخبره موظف البدالة بأن الياشا وياك عله الخط!؟، سأل الباشا مدير الدائرة قائلا: عندك موظف أسمه فلان شعجب الى هسه باقي عنوانه (رزام) وصارله (4) سنين بالوظيفة وهوخريج حقوق؟، فأجابه المدير بأرتباك: بصراحة باشا ما عنده واسطة!؟، رد عليه الباشا هسه تعدل درجته الوظيفية الى ملاحظ حسب الأستحقاق الأداري وطبعا تعدل راتبه ها افتهمت!، نعم باشا تأمر باشا صار باشا! ، كان هذا جواب المدير.وسرعان ما أنتشر خبر أتصال رئيس الوزراء نوري باشا بالمديرالعام من أجل ترقية الموظف الفلاني!.وأنكلبت الدائرة وساد لغط كبير بين الموظفين وكثر القيل والقال والتكهنات! والتعليقات ( هذا الموظف اللنكة! طلع يعرف رئيس الوزراء! وما الى ذلك من حكايات، ومعروف عنا نحن العراقيين التعليقات بهكذا أمور ومواقف؟!.وكل هذا يحدث (والموظف الرزام) الذي في طريقه للعودة الى الدائرة، لا يدري بكل ما جرى، وما أن وصل الى الدائرة حتى أستقبله موظف الأستعلامات( عمي هاي شنو نوري باشا بزرة يخابر عليك)! و و و وغيرها الكثير من التعليقات، حتى أرسل في طلبه المدير العام الخائف!!؟، وسأله أبني أنت منين تعرف الباشا؟، فأجابه والله أستاذ لا أعرفه ولا يعرفني! بس اني أخذت ساعتين أجازة زمنية لأن عندي مقابلة مال تعيين مدراء نواحي وقابلني نوري باشا بنفسه!، هذا كل ما في الأمر. بعد يوم صدر أمر اداري بتعديل درجته الوظيفية من رزام الى ملاحظ!، وتم نقله من مكانه البائس تحت الدرج الى غرفة أنيقة ومكيفة في الطابق الثالث مع أثنين من الموظفين فقط ورتبوا له مكتبا لطيفا، وكذلك تم تعديل راتبه تبعا لذلك من (8) دينار الى (30) دينار، والكل يعرف كم كانت القوة الشرائية قوية للدينار العراقي في تلك الفترة وقس كم تحسنت احواله!.وفي أول راتب جديد أستلمه، بانت النعمة عليه وتحسن هندامه وشكله وتورد وجهه، حيث أخذ يأكل ويشرب ويلبس بشكل جيد، كما أن الوظيفة الجديدة أضفت عليه شيئا من الشخصية! وصار يتكلم مع الموظفين ويناقش أمور العمل ويكتب الهوامش والمطالعات على الكتب الواردة للدائرة ويبدي ملاحظاته عليها!، بعد أن كان لا يجيد ألا لغة الكلام مع الأضابير وأرشفتها منذ بداية الدوام حتى نهايته حتى كاد أن يصاب بالخرس!ناهيك عن الأتربة والأوساخ التي تغطي الأضابير والتي لا يستنشق غيرها!. وبعد مرور (3) أشهر وأذا بتلفون آخر الى المدير العام من الباشا!، يسأل فيه عن صاحبنه الموظف وما هي أخباره وسلوكه وأنضباطه وأداءه الوظيفي؟ فأجابه المدير العام بأنه والله نعم الموظف الكفوء الملتزم المنضبط و و و ، عندها طلب نوري باشا من المدير العام أن يرقيه الى درجة رئيس ملاحظين!، فما كان من المدير العام ألا السمع والطاعة وتنفيذ أمر الباشا. فتم نقل صاحبنه! الى غرفة لوحده، وأصبح أتصاله بالمدير العام مباشرة، ووضحت أثار النعمة عليه أكثر وأكثرخلال هذه الفترة وبشكل ملفت، حتى أصبح من كبار موظفي الدائرة لا سيما وهو لا يخلوا من الكفاءة والذكاء!. ولأنه لا ينسى أن سبب كل هذا الخير الذي ظهر عليه وأصبح فيه هو الباشا!، لذا فأنه كان حريصا على لقاء الباشا ثانية! وكان يعد الأيام عدا بأنتظار انقضاء فترة (6) أشهر للقاء الباشا. وحان الموعد وأذا هو وجها لوجه أمام الباشا ثانية!، ولكن الأمور اختلفت هذه المرة؟!، فنظر أليه الباشا من خلف نظارته ورأى أثار النعمة وقد بانت عليه بوضوح، ملبس أنيق مع ربطة عنق ووجه حليق متورد وعطر نفاذ، وشخصيته بدت أكثر وقارا وأتزانا، فما كان من الباشا ألا أن يؤشر على ملفه بعبارة يعين مديرا للناحية الفلانية، وسلمه الملف وقال له سلمه للقسم الأداري لكي يصدروا الأمر الأداري لك وتباشر عملك، ولم يقل صاحبنا أي شيء سوى كلمة نعم باشا. وما أن هم صاحبنا بالخروج من مكتب الباشا حتى سأله الباشا:( أبني شو أنت مسألتني ليش أخرتك كل هذه المدة دون أقرانك الي تقدموا معك لوظيفة مدراء نواحي؟ فرد عليه صاحبنا بشيء من الأرتباك، باشا والله ما أعرف غير هي بكيفك وأنت الأعرف!. فأجابه الباشا: (أبني تذكر من أجيتني أول مرة شلون جان حالك، جنت هلكان ومبهذهل وكاتلك الفكر وجان وجهك أصفر من الجوع لان جنت حتى أكل مشبعان!، وجنت خايف من خيالك وشخصيتك جانت ضعيفة!، فتدري يا أبني لو بوكتها دازك وصاير مدير ناحية، جان نهبت الناحية نهب، وجان تنشغل وتفكر شلون تبوك وتشبع نفسك من كلشي ولا جان فكرت أبدا شلون طور الناحية وتخدم أهلها!، بس هسه أمورك تحسنت وتغيرت أحوالك وشفت النعمة وشبعت منها أن شاء الله، وشفت المنصب والجاه والراتب الزين. فأريدك أبني هسه من تروح للناحية تخلي بالك عليها وتحصر كل تفكيرك شلون تطورها وتخدم ناسها وأهلها بأخلاص وفي كل المجالات، يله أبني توكل بالتوفيق والنجاح.) الى هنا أنتهت قصة الباشا ونظرته في الأنسان وقراءته للشخصية التي يتعامل معها وبناءه لها من اجل خدمة العراق. وأعتقد ان قصة الباشا هذه ونظرته للأمور فيها الكثير من العبر، فمن الصعب أن تنتظر الخير والعطاء من بطون جائعة ومن أناس صعدوا من قاع المدينة وحضيظها الى أعلى المناصب. قال الأمام علي عليه أفضل السلام حينما: لا تطلبوا الحاجات من بطون جاعت ثم شبعت فالخير فيها دخيل، بل أطلبوا الحاجات من بطون شبعت ثم جاعت فالخير فيها أصيل. وقصة الباشا مع هذا الموظف ألها رباط كما يقال: فأن السبب الرئيسي لتحطيم بلدنا ونهب ثرواته منذ 2003 ولحد الان ولحد هذه اللحظة! هو أن غالبية سياسيينا والكثير ممن ظهروا على المشهد السياسي من بعد سقوط النظام السابق هم كانوا على شاكلة صاحبنا! بل أسوء منه بكثير من ناحية الخبرة والشهادة الجامعية، ولكنهم في غفلة من الزمن وبسبب الوضع السياسي البائس والمحاصصة الحزبية والطائفية والقومية وحتى العشائرية! تبؤوا أعلى المناصب والوزارات والدرجات الوظيفية العليا! بلا أية تدرج وظيفي ولا نصيحة ،يعني كما يقال عفوا ( أجوي من وره الهوش!!) فعاثوا في العراق نهبا وفسادا ودمارا ولازالوا على هذه الحال؟؟! وحسبنا الله عليهم!.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close