السعودية ودورها المختلف بالملف العراقي في ظل صراع النفوذ بينها وبين ايران

بدافع الحفاظ على الامن القومي وفي اطار صراع النفوذ المحموم بين الجارتين المثيرتين للجدل ايران والسعودية يسعى كل طرف منهما الى اعادة تموضع في الحالة العراقية وفقا لمتغيرات الاحداث، واستعدادا للمواسم الانتخابية القريبة يجري الطرفان مراجعة شاملة لادوات النفوذ بهدف اجراء ما يلزم من تحديثات عليها. واذا ما كان الجانب الايراني يعوّل كثيرا على موقفه الاخير المناصر للعراق بالعدة والعدد في الحرب ضد داعش ولها مناصرون كثر يتذكرون له ذلك الموقف اضافة الى اوراقه الكثيرة في العراق، فان السعودية وجدت نفسها ملزمة حيال ذلك باستبدال تكتيكاتها فيما يتعلق بالعراق سيما وان العراق يشارف على تجاوز عنق الزجاجة الذي وضع فيه بسبب اجتياح تنظيم داعش لمناطق غرب العراق.
ان السعوديين وجدوا ان صراع المحاور يحتدم في العراق وانهم ان استمروا في استراتيجية المراهنة على القوائم السنية فقط مع هذا الخطاب العدواني تجاه الغالبية من الشعب العراقي فانهم سيخسرون المزيد في العراق لصالح ايران، وليس بوسعهم اكثر من ادخال العراق في حروب الاستنزاف بهدف عدم الاستقرار، وهي استراتيجية جربت بعض الفترات لكنها لم تحدث تحولا لصالح السعوديين.
ان الجبهة الخليجية عموما والسعودية بشكل خاص حرصت على دعم القوائم السنية باشكال مختلفة، عام 2005 دعمت جبهة التوافق التي تضم اطرافا سنية عديدة، ثم بعد ذلك عملت المملكة عام 2010 على ترتيب قائمة سنية “القائمة العراقية” مع رأس شيعي “اياد علاوي” وكانت تعول كثيرا على تلك القائمة في الوصول الى رئاسة الوزراء وبسط نفوذها في العراق، القائمة التي تفككت لاحقا كانت هدفا مستفزا للخنادق الاخرى مما ساهم باعادة ترميم التحالفات الشيعية من جديد وضياع فرصة القوائم الوطنية التي كان المواطن العراقي يعول عليها قبيل انتخابات العام 2010.
السعوديون كانوا محبطين جدا من تلك التجربة وكانت لهم ردة فعل سياسية كبيرة مع خطاب تحريضي كبير ساهم بشكل او بآخر بما حصل من فوضى في العراق بعد انتخابات العام 2014.
السعودية منذ قرابة العام وبتشجيع من الجانب الامريكي تحاول جاهدة اعادة النظر في سياساتها السابقة تجاه العراق، ان الجانب السعودي والامريكي اساسا بدى مقتنعا ان الصراع مع ايران يقتضي تقوية بعض الصفوف الشيعية التي توصف عادة “بالمعتدلة” من وجهة نظر الجانب الامريكي والسعودي بهدف دعم موقفها وتقويتها لتحصينها من الضغوط الايرانية. ويتمثل ذلك الدعم باعادة العلاقات السياسية بين البلدين، فتح الحدود البرية مع العراق، وتخفيف حدة الخطاب الديني والاعلامي السعودي تجاه العراق.
ان الجانب السعودي يجرب هذه المرة ان يكون اكثر مرونة مع العراق ينفتح على بعض القوى السياسية العراقية بهدف ترميم جبهة العبادي “بشرط عدم دخول المالكي معه” والتي تضم مبدئيا كلا من: علاوي وفريقه، مسعود بارزاني ومن يتحالف معه من الاكراد، بعض السنة، اضافة الى التيار الصدري وتيار الحكمة الذي تخلص من الحرس القديم والخيمة الايرانية واصبح جاهزا للدخول بتلك الجبهة.
ان الدعم السعودي لجبهة العبادي لا يمانع من استعانة الاخير ميدانيا بحشد “العتبات” الذي يضم “لواء علي الاكبر، فرقة العباس القتالية، لواء الطفوف وما شابه” في مقابل حشد الفصائل “بدر، كتائب حزب الله، العصائب وفصائل اخرى” في تحرير المدن او حتى مسك الارض، وقد شاركت بعض فصائل حشد العتبات في تحرير الجانب الايمن والايسر من الموصل وتستعد الان بضوء اخضر خليجي للمساهمة في تحرير تلعفر وايضا الدخول الى غرب الانبار والمساهمة في حماية وادي “قدف” وهذا موقف في نهاية المطاف اكثر مرونة بالقياس لمواقف السعودية السابقة تجاه الحشد الشعبي بشكل عام.
وبالمجمل العام فان هذا التقارب السعودي العراقي مع المؤسسات الرسمية وكذلك مع بعض القوى العراقية الشيعية فضلا عن السنية اذا ما اقترن برؤية واضحة ومتوازنة من قبل الطرفين قد لا يمثل بالضرورة حالة سلبية بل ربما خطوة ايجابية عسى ان تساهم بردم الفجوة بين الجانبين، وقد ينعكس بشكل ايجابي على عموم المنطقة، لكن يبقى على القوى العراقية المراهنة على تلك العلاقة ان تؤدي دورا اكبر بان يكون الدور السعودي مؤثرا بشكل ايجابي في الساحة العراقية، وان يلمس المواطن العراقي ذلك على الارض، والجانب الاقتصادي مدخل مهم لتحسن العلاقات. في ذات الصدد ان كانت النوايا جادة فعلا فان المؤشر الاهم على حسن النوايا هو تفعيل الانبوب النفطي العراقي المصادر رسميا من قبل السعودية منذ العام 2001، الانبوب بني باموال عراقية عام 1989 وينقل النفط من البصرة الى ميناء “ينبع” السعودي بطاقة لكن ذلك الملف الجاد لم يتم التفاهم حوله حتى الان من قبل الطرفين للاسف الشديد.
في نهاية المطاف قد يكون الحكم مستعجلا حاليا على طبيعة الدور السعودي ومدى انعكاسه ايجابيا على الواقع العراقي، ويبقى الرهان على خروج الملف بين البلدين من دوامة التصريحات الروتينية وترطيب الاجواء فقط.. الى خطوات عملية على الارض تخدم مصالح الطرفين.
جمال الخرسان

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close