انتصر العراق على داعش وفشل في جذب الاستثمار الخارجي

محمد رضا عباس
لقد انتصر العراق على داعش لأنه اصبح هناك ثقافة عامة بين أبناء الشعب العراقي بان داعش مرض خبيث يجب استئصاله من اصله , وهكذا اشتركت جميع مكونات الشعب العراقي بمحاربته و دحره في عقر داره , الموصل. ولكن مازال العراق يعاني من غياب ثقافة الاستثمار بين مواطنيه وقبول نقل حالة البلد الاقتصادية من مرحلة الخمول والتخلف الى مرحلة النهوض والتقدم. لقد مول العراق الكثير من مؤتمرات الدولية في لندن وباريس , وفي الأردن والامارات العربية , وفي مصر وبيروت , وفي بغداد واربيل من اجل اقناع المستثمر الأجنبي الدخول والاستثمار في العراق , الا ان هذه المحاولات باءت بالفشل . السبب هو ان الاستثمار الأجنبي ليس قرار حكومي , وانما قرار مجتمعي لم يزل غير ناضجا في العراق.
العراق ومنذ التغيير حاول اقناع المستثمر الأجنبي بكافة السبل بالاستثمار وأعلنت الحكومة اكثر من مرة ان سياستها الاقتصادية هو الانفتاح على الخارج وتبني نظام السوق , الا ان الاستثمار الخارجي مازال يترنح والسبب هو نقص ثقافة المواطن العراقي قبول الاخرين , قبول الاختلافات الدينية والقومية والمذهبية , احترام قوانين الدولة والأجهزة الرقابية والتنفيذية , احترام المسؤول الحكومي , الدقة في العمل , احترام الوقت ,الولاء للعمل , الولاء للنظام او العلم. ولاء المواطن العراقي ما يزال قويا تجاه العائلة , والعشيرة , والمذهب , والدين, والقومية. الاستثمار الأجنبي يتطلب احترام المواطن لقوانين دولته , استقرار امني وسياسي, التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الواحد , إضافة الى توفر الخدمات المختلفة التي تتعلق بحياة المواطنين مباشرة.
يضاف الى قائمة ضعف ثقافة المواطن , ضعف واضح في قدرة دوائر الدولة والمؤسسات الداعمة للاستثمار . هل فكر , على سبيل المثال , السيد سامي الاعرجي , مسؤول ملف الاستثمار في العراق , عدد خطوات والوقت اللازم لبدء مشروع اقتصادي في العراق ؟ هل يعلم السيد الاعرجي ان نقل ملكية عقار من اسم البائع الى اسم المشترى يتطلب أكثر من تسعة أشهر؟ وهل يعلم السيد الاعرجي ان في العراق لا يوجد قوانين تحمي المستثمرين من عماله , مجهزيه , وكثرة الإجراءات الحكومية ؟ هل توجد محاكم تتعامل مع المشاكل التي تنتج عن العمل؟ هل يوجد حكام اكفاء قادرين على التعامل مع المشاكل المستجدة في العمل؟ هل تتوفر في العراق ايدي عاملة خبيرة تستطيع التعامل مع حاجات العمل الجديدة والمتطورة؟ اذا سئلت أي مواطن ابتلاه الله في بناء دار سكن له , سوف يسرد لك الف قصة حزينة عن تعامل العمال معه . كل من التقيت به في العراق كان يشتكي من رداءة العمل وعدم التزام العمال بالوقت والمواعيد. هل توجد بنوك تجارية من السهل التعامل معها او الاقتراض منها لأجل جمع رأسمال كافي لتأسيس مشروع زراعي او صناعي؟ وما هي الضمانة ان لا تهجم أحد المجامع المسلحة المنتشرة على المشاريع الأجنبية مع كل خلاف مع الحكومة او من اجل الفدية ؟ أبناء العشائر اصبحوا يشكلون أفواج وكتائب مسلحة جاهزة للقتال , حتى ولو كان بسبب شجار بين أطفال , على لعبة كرة القدم . بعض من أبناء العشائر اصبحوا يقتلون الطبيب في عيادته والمعلم في مدرسته , بينما يبحث الاستثمار الخارجي عن مدن هادئة , يحترم سكانها القانون والبشر , لا تتكدس فيها الاوساخ والنفايات , عامرة بالحدائق العامة , توفر دوائر الرعاية الصحية , ومتانة النظام التعليمي . هذه شروط الاستثمار الأجنبي عندما يريد ان يدخل بلد معين , يبحث عن الامن والسلام , ويبحث أيضا عن الصحة والتعليم , عن توفر الطرق والجسور , وعن توفر المؤسسات الترفيهية والثقافية . لحد هذا اليوم لم يستطع البلد حتى من تأسيس دار سينما حديث يليق بتاريخ العراق الحضاري سواء كان مكان هذه السينما البصرة او الديوانية او بغداد.
ما العمل؟ هل يستسلم المخطط العراقي والانزواء في أحد غرف وزارة التخطيط المظلمة؟ الجواب هو لا. هناك فرصة ذهبية امام العراق لتثقيف المواطن العراقي ومجلس النواب وموظفي الدولة على أهمية الاستثمار الخارجي للبلد , وذلك عن طريق تنفيذ قرار مجلس الوزراء الداعي بتوزيع قطع أراضي سكنية لذوي شهداء القوات المسلحة العراقية والتي حاربت داعش في الموصل والرمادي , في جرف الصخر وعامرية الفلوجة , في تكريت والفلوجة , وفي المقدادية و طوزخرماتو . لم يكشف القرار عن عدد الأراضي السكنية التي من المقرر توزيعها على ذوي الشهداء , كما لم يشمل القرار الجرحى والمعوقين , ولو شمل قرار مجلس الوزراء هذه الشريحة لكان العدد اكبر وتأثيره على الاقتصاد العراقي اعم واشمل.
ان توفير قطع سكن للمواطن وقروض ميسرة من اجل بناءها سوف يوفر فرص عمل لألاف من العمال بكافة اختصاصاتهم , وسيزيد من خبرتهم , ويعزز من ثقتهم وقابلتهم على التنافس . العاطل عن العمل ليس له منافس الا عاطل اخر , ولكن من يعمل وينجح في عمله سيجد العشرات من المنافسين له . عامل البناء الناجح هو من تتوفر به الكفاءة والقدرة والخبرة والدقة في العمل. رب العمل سوف لن يمنح فرصة عمل لمهندس جاهل بمهنته فاشل في عمله , وسوف لن يمنح فرصة عمل لبناء ( خلفه) لا يعرف كيف يضع طابوقتين بصف واحد , ولا يعطي فرصة عمل لصباغ لا يعرف كيف يتعامل مع الاصباغ وترتيبها .العمل يكشف عن قابلية العامل التقنية وعن معدنه في التعامل مع الاخرين ,من حيث احترامه للوقت ومن حيث كسب رضاء رب عمله . هذه الشريحة هي التي ستخلق الظروف الموضوعية لجذب الاستثمارات الأجنبية او المحلية. هذه الشريحة ستعرف قيمة العمل واهميته لعائلته واطفاله وستكون القوة الضاغطة على الحكومة والبرلمان في الاستعجال بتشريع القوانين والأنظمة التي تسهل دخول الاستثمارات الخارجية وتحفيز الاستثمارات الداخلية. هذه الشريحة ستقف بالضد مع التقاليد العشائرية الغير مرغوب بها , وسوف لن تتقبل الا الخطاب الديني المعتدل , لان التطرف والمغالات لم يجلب على العراق الا البلاء والشقاء وطاردا لفرص العمل ويفقر العائلة وتخلف أبنائها .
تعميم ثقافة استقبال المستثمر الأجنبي والوطني سوف يقضي على القضاة المرتشين , وسوف يكشف عن الأجهزة الحكومية الفاسدة التي تؤخر انجاز معاملات المواطن من اجل الرشاوى , وسوف تضطر دوائر الدولة العراقية على وضع الرجل (المرأة) المناسب في المكان المناسب , لان ثقافة الاستثمار سوف تكشف عن المدراء الفاسدين والذين يتخذون وظائفهم مصدرا لمال الحرام واتعاب المراجع. في العراق سيكون هناك استثمار اجنبي مرحب به عندما تعلن كبرى الصحف العراقية عن قرب افتتاح مشروع استثماري اجنبي في احدى المدن العراقية وان أبناء هذه المدينة يتحضرون بأطلاق مسيرات الفرح والابتهاج بهذا الافتتاح , وعندما تنتشر الفرق الموسيقية وقرع الطبول لاستقبال قادة المشروع , عند ذلك سيكون العراق مكة و الفاتيكان وحائط المبكى المستثمرين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close