عندما يحل السلام

محمد رضا عباس
عند زيارتي الأخيرة الى كندا , وبالتحديد مدينة مونتريال , وجدت ان الكثير من معالمها المعمارية قد تغيرت و مازال التغيير جاريا على قدم وساق . الاختناقات المرورية أصبحت تزعج الذاهبين والمغادرين قلب المدينة , حيث يحتاج المسافر قضاء ما يقارب 15 دقيقة لعبور جسر Champlain . وهكذا، فان أسباب الاختناقات المرورية في مدينة مونتريال تختلف عن أسباب الاختناقات المرورية في بغداد. في بغداد يتأخر سير العربات بسبب ضيق الشوارع , قلتها , وكثرة نقاط التفتيش , بينما التأخير في مونتريال سببه البناء والتعمير الكثيف .الحكومة المحلية والفدرالية قررتا رفع جميع المجسرات القديمة وبناء بدلها مجسرات جديدة.
ولكن ليس من العدل والانصاف مقارنة بغداد مع مونتريال او العراق مع كندا , لان العراق لم ينعم بالسلام منذ أوائل السبعينيات القرن الماضي ولحد الان , بينما تتمتع كندا بالسلام والأمان منذ اكثر من 300 عام . هذا الاستقرار السياسي نتج عنه استقرار أمنى واقتصادي. الاستقرار السياسي خلق شعور عند المواطن ان حقوقه محفوظة , وعندما يحاول أحدا اخذ هذه الحقوق منه غصبا , هناك محاكم تدافع عن حق المظلومين وهناك شرطة تلاحق المجرمين وهناك سجون مكان لهم . المواطن الكندي يشعر بالاطمئنان بالعيش على طول وعرض مساحة كندا والتي تشكل قارة لوحدها. المواطن لا يشعر بالخوف من جيرانه بسبب هويته الدينية او المذهبية او العرقية. المواطن حر في اختيار معتقداته الدينية , وهكذا وانت تسير على ارصفة شارع Sante Catherine يصادفك مجموعة من البوذيين بملابسهم المعروفة وهم يقرعون الطبول , وتصادفك مجموعة أخرى وهم يلبسون ملابس الشانتو اليابانية والكورية , ويصادفك مجموعة من الشباب المسلم يلبسون الدشاديش والطاقيات وهم يحملون القران , وهناك الكنائس التي تفتح أبوابها للزائرين من كل الأديان لمشاهدة النفائس الفريدة داخلها . الكل محترمون ما داموا يحترمون القانون. و بالمناسبة فان عراق الستينيات لم يكن مختلف جدا عن مونتريال اليوم , حيث تجد من يمشي على شوارعه جميع الاجناس و يتعاش فيه جميع الأديان , ولعنة الله على من كان السبب في تأجيج الصراع الديني والطائفي في هذا البلد الكريم والذي احبه الله وكرمه بالتعددية .
شوارع مدينة مونتريال نظيفة وذلك بسبب انتشار حاويات النفايات وتعود المواطن الكندي عدم رمي النفايات الا في اماكنها المخصصة. المواطن الكندي لا يخالف إشارات المرور , حيث ينتظر الإشارة الخضراء قبل عبور الشارع . لقد جلب انتباهي كثرة المزروعات على الأرصفة وفي الجزر الوسطية , واغلب ما جلب اهتمامي هو كثرة زراعة الخضروات ( معدنوس , كرفس , كراث , نعناع , ريحان , زعتر , و اكليل الجبل ). بل وجدت كنائس المدينة قد زرعت في حدائقها الباذنجان , الطماطة , الشجر (القرع) , الفلفل الأخضر , والخيار . وعندما سئلت صاحبي عن سبب قيام الكنيسة بزرع هذه المحاصيل , اجابني بان ليس جميع أطفال المدينة سوف يكون لهم الفرص بزيارة المزارع ومشاهدة المزروعات تنمو , وان الكنيسة تحاول تعريف الأطفال بهذه المزروعات بدون زيارة مزرعة بعيدة عن المدينة . لقد وجدت الجواب مقنعا , وكم تمنيت ان يأتي ذلك اليوم السعيد الذي يعم فيه السلام والوئام في العراق الجريح , ويستنسخ مسؤولي المحافظات هذه التجربة الجميلة , وبذلك يتعرف الأطفال (والكبار) على هذه المحاصيل ذات الخضرة الجميلة , بينما يجلس الإباء على مقاعد مخصصة لهذا الغرض يشربون القهوة والشاي.
يكثر المحتاجون في مونتريال وتجدهم في كل زاوية من زوايا شارع Sante Catherine ولكنهم لا يستجدون المارة وانما يمتعون المارة بآلاتهم الموسيقية , مقابل رمي دولار ( طوعا) في سلة معدة لهذا الغرض. لقد وجدت أحد العراقيين جالسا على أحد عتبات البنايات وهو يغني أغاني المرحومة زهور حسين مستخدما العود العراقي. ووجدت في شارع اخر عراقي هوايته الرسم , ويضع في حانوته الصغير قطعة كتب عليها ” كولوا اشلونك أبو تحسين” . طلبت من أبو تحسين رسم وجهي ودفعت له 20 دولارا. بنايات مونتريال جميلة , ولكن الاجمل هو انتشار الفنانين مع أعمالهم في كل شارع . انهم يجعلون من شوارع مونتريال مفعمة بالحياة والدهشة. أتمنى على الفنانين العراقيين ان يستنسخوا هذه التجربة الحضارية ولو في الأماكن الامينة , حيث اعلم ان الإرهاب الداعشي ما زال له افراد لا يريدون رسم الضحكة على وجوه العراقيين.
كان شارع Sante Catherine والشوارع المجاورة له مكتظة بالمطاعم من كل الاحجام والانواع والاكلات. هناك مطعم صغير لا يكفي الا لعدد محدود من الافراد , وهناك مطاعم كبيرة تكفي لكثر من مئة زبون , هناك مطاعم تقدم المشروبات الروحية وهناك مطاعم تكتفي بتقديم القهوة والشاي والعصائر على اختلاف أنواعها . لا يفتقد الزائر طعام بلده , لان في مونتريال كل مطاعم الدنيا , الصيني , الياباني , الماني , الفيتنامي , الهندي , المكسيكي , اللبناني , الإيراني , و نعم العراقي . لقد وجدت مطاعم عراقية تقدم الكباب العراقي (لحم حلال) بجودة تفوق الجودة العراقية , وكمية اكبر , وبأسعار تقل عن أسعار العراق . زيارة واحدة الى مطعم ” قصر الكباب” في شارع Guy يكفي لأثبات ما أقول. هذا المطعم يقدم لزبائنه ما يقارب 50 اكلة عراقية وشرق أوسطية , وبسعر 15 دولار يستطيع الزبون شراء طبق رز بسمتي وعليه شيشين من الكباب مع سلطة و مرق حسب الطلب . ولكن الشيء الذي اعجبني كثيرا ان شيش الكباب كان يعادل اثنين من الكباب العراقي , ولا تشم رائحة تسد النفس او تشاهد الاوساخ وهي متكدسة امام المطعم . أتمنى على وزارة الصحة العراقية او أي جهاز اخر بمراقبة المطاعم ونظافتها ونوع اللحوم التي تستخدمها ونظافة المطبخ والصحون.
الإنتاجية العالية للمواطن الكندي في عمله (عدم ضياع الوقت) تفرض عليه استغلال كل دقيقة من أيام عطله الأسبوعية والرسمية بكل عناية وكفاءة. في أوقات العطل يقوم المواطن الكندي بممارسة الرياضة و خاصة ركوب الدراجات الهوائية , المشي , الركض , السباحة , وكرة القدم . في اغلب شوارع المدينة هناك شارع محاذي مختص للمشي والدراجات الهوائية. المواطن الكندي يهتم بزيارة المتاحف و دور السينما والاوبرا , وهو فخور جدا بتاريخه وانجازاتها العلمية والثقافية , حيث ان الحكومة الفدرالية والمحلية تقومان بتقديم كل أنواع الدعم الى أصحاب العلم والفن . والاجمل هو خروج الشباب (الفتيات والفتيان) الى شوارع المدينة وهم بأحسن ملابسهم من اجل تناول وجبة العشاء , تناول المرطبات , شرب القهوة , او الذهاب الى احد أماكن الرقص . والاجمل في كل هذا , لا يوجد احد المعتوهين يطالب بنت بلبس الحجاب او صبغ رجلها الغير مغطى بالون الأصفر كما كان يجري في مدينة الكاظمية بالنساء المارة بشوارع المدينة في الستينيات القرن الماضي , او صفع شاب بسبب قص شعره او لون لبسه . شارع Sante Catherine كان جميلا و يوحي الى السلام والتأخي بين الكتل البشرية التي تمر به , حيث تجد من يمشي عليه الفتاة المحجبة والغير محجبة , المسلم وغير المسلم , الأسود والأبيض , في الليل والنهار . الكل يتحدث بالفرنسية إضافة الى لغة الام , الهندي , الصيني , الافريقي , العربي , الفارسي , والفيتنامي . والان هل تتعجب لماذا ينتعش سوق اللغة مثل الفرنسية والصينية واليابانية والإنكليزية , وتموت لغة القران , العربية . لعنة الله على داعش .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close