قصة الثري الذي عاش فقيرا

قصة الثري الذي عاش فقيرا

د.معتز محيي عبد الحميد
كان الرجل صاحب محل لتصليح السيارات في شارع الشيخ عمر، وكان له الكثير من المعارف وزبائن يأتون اليه خصيصا لتصليح سياراتهم، حتى تكونت لديه الأموال والثروة التي لا يعرف أحد عنها شيئا لانه ظل على ملابسه الوسخة الملطخة بالدهون ولحيته الكثة من دون زيادة أو نقصان، وفي سرية تامة..

فتح الرجل الذكي محلا آخر في منطقة الكرخ بعيدا عن عيون جيرانه ومعارفه، والأهم بعيدا عن عيون أبنائه، حتى لا يتطلعون الى حياة مرفهة! ولكن السر انكشف أخيرا وبالصدفة، كان الرجل الحريص قد وقع في شباك محتال محترف اقنعه بان يطور نفسه ويشاركه في شركة كبيرة لاستيراد المواد الاحتياطية من الصين! قال الرجل في نفسه (هذه هي المشاريع التي تسوي واهس) وعلى الفور سحب من البنك أكثر من (50) مليون دينار دفعة واحدة واعطاها الى النصاب المحترف، مرت الأيام واكتشف (ر) انه وقع في شباك ذلك النصاب، زادت همومه أكثر لانه لا يستطيع ان يخبر أولاده بالقضية التي اقامها ضد شريكه النصاب.. لكن أوراق القضية وقعت بالصدفة في ايديهم وكشفت القضية!
البداية درامية، في ذلك المساء عاد (ر) الى البيت متجهما حزينا، القى بجسده المنهك على اقرب كرسي متجاهلا وجود زوجته وأولاده وكأنهم مجرد اشباح لا يراهم. لم تكن هذه الحالة تقلق أفراد الأسرة الذين اعتادوا ان يقابلهم أبوهم بهذا الوجه العبوس كلما قدموا طلبا لشراء حاجيات جديدة، حتى وان كانت ضرورية وفي حدود المعقول، ساعتها يتصنع العصبية والنرفزة ويتأفف حتى يغلق باب الطلبات نهائيا! قالت له زوجته تمازحه (لم انت عابس الوجه وشارد الذهن؟!) رد بصوت مبحوح : لو تعلمين أني اكد واتعب يوميا من أجلكم، وفي النهاية، لا أسمع منكم كلمة ساعدك الله! ظل الرجل على حاله مكتئبا لعدة أيام، ما أثار ريبة وشكوك زوجته، قالت له: (احجي لي اشبيك صارلك اسبوع على هذه الحالة)! رد باقتضاب (لا ماكو شي.. العمال في المحل مسوين مشاكل مع الجيران).
كان الحاج (ر) رجلا عصاميا نشأ في أسرة بغدادية فقيرة جدا، فلم يلحقه والده بالمدرسة وارسله يعمل وهو صغير في ورشة لصديقه في تصليح السيارات في شارع البياع، ليتعلم منها صنعة وينفق منها على نفسه ويساعد اسرته! حاز الطفل الصغير على رضا الاسطة محمد فقد كان نشيطا وذكيا ويتحرك بسرعة ولا يكل ولا يمل حتى يعرف كل شيء، وكأنه يسابق الزمن.. وبالفعل اكتسب خبرة كبيرة وعرف المهنة مبكرا، وكانت جينات الحرص والبخل تجري في دمه فقد كان مثل (الملقاط) في سحب الدنانير من جيب الزبون واذا دخلت جيبه فانها لا تخرج ابدا! كان الحاج (ر) صاحب هدف واضح قال لنفسه: لماذا لا اصبح اسطة وامتلك محلا لنفسي، الصنعة حلوة ما تحتاج الا الى محل صغير بالايجار وعدد متنوعة، والأهم ان أصحاب السيارات يعرفونه ويطلبونه بالاسم، لم يمض من الوقت الكثير حتى تحقق الحلم وبعد سنوات تزوج وانجب الأولاد والبنات، لكنه ظل على حالة التقشف التي أخذ نفسه بها منذ ان ولدته أمه وشاف الدنيا !، في صمت وتكتم شديد طور (ر) نفسه.. ترك محله القديم على حاله وافتتح ورشا أخرى للسمكرة والصباغة في مناطق شارع الكرادة والبياع ومناطق بعيدة أخرى لا يعرف احد عنها شيئا!.. تحسنت أحوال الرجل المالية بصورة كبيرة لكنه ظل يردد لكل من حوله ان (الشغل واكف) ويتصرف وكأنه في حاجة الى الصدقة والمعونة والمساعدة ويقول لاولاده ردا على تذمرهم من ضيق الحال: (احمدوا الله.. تأكلون وتشربون … شتريدون بعد!). استسلم الاولاد للأمر الواقع، فليس في الامكان افضل مما كان، وبذلك انطلق الحاج (ر) ليشرف على املاكه ويكدس الأموال في حسابه في البنك.. ولا احد يعرف ذلك، ذات يوم وقفت أمام ورشة تصليح السيارات الحديثة التي فتحها في شارع الصناعة، سيارة فخمة وهبط منها رجل انيق. وطلب صاحب السيارة الكشف على المحرك.. اثناء الانتظار دار بينهما حديث عرف منه الحاج (ر) ان الزبون صاحب شركة للاستيراد والتصدير وصاحب معامل لشيش التسليح.. لمعت في عقل (ر) فكرة، لماذا لا يستثمر امواله في مجال آخر ارباحه بالدولارات.. ومن دون تعب أو مجهود.. فتح باب الحديث مع الزبون الذي رحب جدا به.. قال: أنا فعلا عندي مشروع جديد وكبير وأريد شريكا يدخل معي.. هل عندك المال اللازم لتدخل شريكا معي.. قال له: طبعا، أنا معي شركاء أيضاً.. فالرجل حتى آخر لحظة ما زال يتبع سياسة اخفاء املاكه.. بعد أيام كان الحاج (ر) في المكتب الفخم لرجل الأعمال الكبير.. اتفق على التفاصيل ودفع له (50) مليون دينار حصته من الشركة واخذ عنها صكوكا لضمان حقه.. مرت أيام واشهر ولا أثر للشركة المزعومة.. حاول لقاء شريكه فتهرب منه عندما منعه (البودي كارد) الذي استأجرهم ليحرسونه من الدخول الى مكتبه.. قالوا له: الاستاذ عنده شغل.. (ميكدر يقابلك).. كاد قلب (ر) يتوقف من الغيظ والغضب زادت من نقمته انه يواجه الازمة بمفرده.. ولا يستطيع ان يقول كلمة.. (شسويت بنفسي) فكيف سيخبر اولاده انه كان يمتلك الملايين.. بينما يعيشون في ضنك وتحت خط الفقر؟ اسرع (ر) الى احد المحامين ليرفع دعوى ضد النصاب وبدأت المحاكم والمرافعات بصورة سرية لا تعرف حتى زوجته بذلك! كان الحاج (ر) يحتفظ باوراقه الخاصة في صندوق مغلق داخل الدولاب ويحظر على أي شخص الاقتراب منه.. لكن الهموم التي سقطت على رأسه كالصاعقة جعلت عقله (يدور) فنسي صورة الدعوى التي اقامها في المحكمة في جيب سترته.. اكتشفتها زوجته وقدمتها لابنها الأكبر ليعرف هل هي مهمة أم لا؟ فهي لا تجيد القراءة والكتابة.. فانكشف المستور! قامت الدنيا في البيت تحول البيت الى ساحة للجدل والنقاش والعصبية والصراخ الذي لا ينتهي، قالوا له: ((ليش.. مسوي بينه هيج… عندك الملايين وتركتنا نعيش على بساط الفقر.. وفي النهاية جاء الحيال وباكهن منك.. متخاف الله.. حيل بيك خلي النصاب يستمتع بالفلوس صحيح يقول المثل:

(ناس تنام على جرباية
وناس تتلكه البلاية)

متابعة صوت العراق

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close