عقبات تجابه التقدم الاقتصادي في دول الشرق الأوسط العربية

محمد رضا عباس
فشلت دول الشرق الأوسط في بناء اقتصاد متقدم غير معتمد على صادرات بضاعة واحدة او عدد محدود من البضائع. دول الشرق الأوسط مازالت تعاني من نسبة بطالة عالية , اقتصاد متمارض , وبنى تحية فقيرة . هذه الدول , ولاسيما الكبيرة منها , لا تفتقر الى الموارد الطبيعية والبشرية , العمود الفقري لأي تقدم وازدهار اقتصادي , ولا القوانين الداعمة للإنتاج الوطني , وانما تفتقر الى ثقافة التنمية الاقتصادية والتي تشمل درجة المواطن في قبول التغيير , درجة تحمله للجهد البدني والعقلي , الإخلاص ودقة العمل , درجة صبره في التعامل مع المشاكل التي تصاحب العمل , تعرفه على التكنلوجيا الحديثة , احترامه للوقت , درجة انفتاحه على الاخرين , قبول الارشاد والنصيحة , درجة الخبرة والتدريب , التعايش السلمي مع الاخرين , وقبول الرجل للمرأة كشريكة له بالعمل , لا في بيت فقط .
في الدول العربية الكبرى مازال المواطن يخشى التعامل مع الأجنبي خوفا من ان يوصف بالعمالة. في الدول العربية يحترم المستورد (التاجر) , ولاسيما أولئك الذين يستوردون البضائع الغربية والأمريكية ويقومون له بالاحترام والتبجيل , ولكن نفس هذا التاجر أذا تعاقد مع شركة أمريكية بتأسيس مصنع لإنتاج البضاعة المستوردة داخليا , فان المواطن العربي سينظر الى هذا التاجر نظرة الريبة والشك وسوف ينسج له الف قصة حول هذا الرجل وكيف خان وطنه وامته و دينه باستقدام الشركة الأجنبية الى بلده . انها ثقافة خمسين عام من الفكر الاقصائي والتحذير من التعامل مع الغرب الذي كانت تثقف به الأحزاب اليسارية المواطن الوطن العربي. هذه الأحزاب بقيت تثقف المواطن العربي ان الغرب هو عدو العرب وان أي تعامل معه انما هو خيانة للقضية الفلسطينية و خيانة للطبقة العاملة المحلية , وقبول الهيمنة الأجنبية على مقدرات الوطن . نشرات الأحزاب اليسارية كانت لا تنقل عن الغرب الا القصص المرعبة عن تعاملها مع تطلعات الشعوب , وان شركاتها عبارة عن شركات تأسست من اجل مص دماء الشعوب , وان أي تعامل معها لا يجلب الا الفقر والاحتكار و نهب الخيرات . وهكذا , فان القوى اليسارية في الوطن العربي كانت المسؤولة الأولى عن خلق الفجوة العريضة بين دول الغرب والمواطن العربي , وبالتالي عدم دخول الشركات الغربية الى الوطن العربي. الشركات الغربية وجدت نفسها غير مرحب بها , العرب يبغضونها ولم تجد من المناسب دخول بلد لا يحبهم .
في الدول العربية , مازال الأجنبي ( عربي او غير عربي) يعامل معاملة الغرباء حتى لو عاش بين ظهرانهم قرن من الزمن . لا ينظر الى هذا الفرد الى درجة علمه و خبرته وانه اختار هذا البلد لأنه قد وجده المكان المناسب له ولعائلته , وانما ينظر اليه بعين الريبة والحذر , وانه جاء الى هذا البلد ليعتاش منه , لا ان يقدم خدماته له. من عاش في العراق في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي سوف يفهم ما أقول. عندما يتشاجر الأطفال فيما بينهم , كان اول ما يبدون به من شجار هو اتهام الواحد الاخر على وزن ” عجمي” , “كردي” , “بربري”, “مصري” , وهلما جرى . انها تربية متأصلة في كل بيت. ان هذا العداء الى الغرباء او الأجانب هو الذي سهل على الحكومات بطردهم من أراضيهم مع كل خلاف سياسي مع بلدانهم الاصلية. معمر القذافي طرد جميع العمال المصريين وكانوا بالملايين عندما اندلع حرب في زمن أنور السادات , صدام حسين طرد المواطنين من الأصول الإيرانية قبل حرب السنوات الثمان على الرغم من ان بعض المواطنين يملكون الجنسية العراقية ولهم اعمال واملاك في العراق . وقامت دولة الكويت بطرد جميع العمال الأردنيين والفلسطينيين من أراضيها بعد تحرير الكويت من قبضة قوات صدام حسين. ان هذا التعامل السيء مع الأجانب (عرب وغير عرب) حرم الدول العربية خبرات وقدرات هائلة التي يمتلكها هؤلاء المهاجرين. سوف لن أكون مغالا من القول , ان سبب تقدم الغرب وامريكا هو قبولهم للأخرين وبكل ود واحترام . في واشنطن ستجد 80% من سواق التاكسي هم من أصول غير أمريكية , حوالي 25% من الأطباء في أمريكا هم من ولد خارج أمريكا , وكذلك أساتذة الجامعات والمعاهد العلمية , عمال القطاع الزراعي , قطاع البناء, بل حتى في القوات المسلحة الامريكية. اغلب علماء أمريكا هم من أصول غير أمريكية. التنوع في أمريكا والغرب سمح للمواطن في هذه المناطق التمتع بفن الاخرين , مواهبهم , طعامهم , , والتعرف على حضارة الاخرين .
في دول الشرق الأوسط خاصة الكبيرة منها , مازال رجل الاعمال لا يستثمر أمواله التي يجنيها من بلده داخل بلده , وانما يختار بلدا اخر, في اغلب الأحيان دولة اجنبية . هذه الحقيقة كتب عنها المئات من المقالات , ولكن ما زالت تمارس تقريبا في معظم الدول العربية. صاحب رأسمال العربي يخاف من قوانين بلاده , غياب قوانين حماية المستثمرين , قلة خبرته في إدارة المشاريع صناعية والزراعية , كثرة الإجراءات الحكومية لبدء عمل جديد , خوفه من المنافسة , وعدم رغبته بالتعامل مع العمال , او بدقة اكثر, المشاكل العمالية . وهكذا , فان رجل الاعمال في الوطن العربي لديه الخبرة الكافية في شؤون التجارة , لان التجارة تضمن له الربح السريع مع قليل من المشاكل . وعندما يتراكم الأرباح لديه , لا يفكر بتأسيس مشروع صناعي او زراعي في بلده , وانما يستثمرها في احدى المؤسسات الاستثمارية الكثيرة في الغرب . وعندما تسأله عن السبب , يقول , لا اريد خسارة كل ما عندي عندما احيل نفسي على التقاعد . هذا هو الشعور العام عند أصحاب رأسمال العرب. التمتع بما جمعوه بعد التقاعد. أصحاب رأسمال العرب لم يحصلوا بعد تطمينات من حكوماتهم تؤمن أموالهم. الكل يستذكر ما جرى في مصر وسوريا والعراق في سنوات الستينيات القرن الماضي , عندما قررت نظم الدول الثلاث تأميم جميع الشركات الصناعية والزراعية والبنوك والتجارة , وفي يوم وليلة اصبح من كان تاجرا او صناعيا , تاجر مفرد يقف في طابور طويل ينتظر رحمة موظف مؤسسة المبايعات الحكومية.
العشائرية مازالت قوية وفي صحة عالية في اغلب الدول العربية , واصبح المواطن يقدم الولاء للعشيرة قبل الولاء للوطن , وخير دليل هو ما جرى في الربيع العربي , حيث ان العشائر وليس منظمات المجتمع المدنية من وقف ضد النظم العربية في سوريا , ليبيا , و اليمن . ان استفحال العشائرية لا يخدم التنمية الاقتصادية , لان لا تنمية بدون قوانين داعمة لها , وان بعض القوانين من الضروري ان تخالف عادات وتقاليد العشائرية . على سبيل المثال , الخلاف ما بين العمال وإدارة المشاريع حالة طبيعية , وتوجد قوانين لحلها , ولكن بعض العمال لا يذهبون الى القانون وانما الى عشائرهم . في العراق , بدلا من ان يشتكي اهل المريض الى السلطات الصحية عند تخلف الطبيب عن أداء واجبه , اصبح ابن العشيرة هو القانون و يقتل الطبيب في الحال . العشيرة في العراق أصبحت تقطع الطرق الرئيسية او الطاقة الكهربائية عند حدوث أي شجار بين عشيرتين! تصور , كيف ستتعامل هذه العشائر مع الشركات والمصانع الجديدة على أراضيها .
أصبحت دوائر الدولة المصدر الأكبر في استيعاب العاطلين عن العمل ولا سيما خرجوا الجامعات والمعاهد. الدول أصبحت تضطر الى حشو دوائرها بأكثر من طاقتها الاستيعابية , لأنه لا توجد مؤسسات اقتصادية جديد تستطيع استيعاب الاعداد المتزايدة من الخرجين كل عام . وهكذا , أصبحت دوائر الدولة مكان لقضاء الوقت وتبادل الاحاديث لا مكان لتخريج القيادة الإدارية والعلمية . في مصر على سبيل المثال , الدولة تضمن العمل لجميع خرجوا الجامعات والمعاهد حتى وان كانت هذه الدوائر ليس بحاجة لخدماتهم , حالة خلقت انهيار الإنتاجية وعدم المبالات في انجاز المعاملات , حيث يعلم الموظف الحكومي انه سيستلم راتبه الشهري سواء عمل بإخلاص او لا . وطالما وان راتبه الشهري لا يكفي تغطية تكاليف معيشته , فان الموظف لا ينظر الى وظيفته باحترام , ويصبح عرضة الى الفساد المالي والإداري.
في دول الشرق الأوسط ما زال الرجل هو المهيمن في البيت و على أولاده , على بناته , اخواته , وزوجته . هذه الهيمنة تكلف الذكور المال والجهد. ان الهيمنة الرجل على المرأة تفرض عليه العمل الطويل والشاق من اجل توفير ما تحتاجه العائلة له. ان مشاركة المرأة في العملية الاقتصادية لا تقلل على الرجل الأعباء المالية عليه فحسب , وانما ترسم الثقة بنصف المجتمع . ان تغييب المرأة عن المشاركة في العملية الإنتاجية انما يحرم نصف المجتمع من حق العمل ,و يقلل من حجم الإنتاج الوطني ويخلق حالة من الاتكالية و عدم ثقة لمرأة بنفسها. اكثر من ذلك , ان تغييب المرأة في ممارسة حقها الطبيعي في الإدارة والإنتاج هو الذي سبب هيمنة الرجل في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية المهمة والتي في اغلب الأحيان جاءت خاطئة او ناقصة . في هذا المعنى كتب صباح المدني في الرأي يقول ” ومما لاشك فيه اننا في عالمنا العربي عانينا كثيرا من الارتجالية في التخطيط والعشوائية وفجائية القرارات التنموية حيث انها لم تكن تراعي في كثير من الأحيان الأوضاع الاجتماعية وخاصة لم يكن للمرأة نصيب من هذه الخطط, وان كان ذلك قد حدث في بعض المجالات , الا انها بكل صراحة لم تكن تشارك في رسم الجوانب السياسية والاقتصادية والتنموية في مجتمعاتنا لظروف موضوعية و ذاتية وتهميش ودورها في هذه الجوانب جر على المجتمع بأكمله مصاعب كثيرة , وخلق أزمات حادة كنا في عوض عنها لو أتيح للمرأة ان تؤدي دورها كاملا في السياسة التنموية الشاملة في بلادنا “.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close