المايسترو ألبير شفو أول مدير لموسيقى الجيش وقائد أوركسترا

 

حكايات من التراث الثقافي والفني العراقي الحديث

رياض محسن المحمداوي

كثيرون هم مبدعوك ياعراق الذين اتحفوك بابداعهم ووفائهم وملأوا ارضك فرحآ وزهوآ.ولكنهم قضوا وهم يحلمون بخيرك وامنك .. فقد كنت بخيلآ عليهم وهم الكرماء.

رغم اني مؤمن ان الوطن هوالمكان الذي نعيش فيه وتحس من خلاله بانك انسان حر. لك حقوق وعليك واجبات. تاكل من خيراته وتنعم بامنه. فهذا هو وطنك الذي يستحق ولاءك له.

لاازال اتذكر ان لي في الوطن الام شجرة وغيمة وظلا . ولاازال اتذكر ان لنا شمسا تتوقد لاتشبهها الشموس ولاازال احس برذاذ غيومه التي تمطر الخصب… ولاازال آآمن ان وجذور وطني تستعصي على القلع. فلم أكن أعرف أن للذاكرة عطراً يفوح وطن .. فجميل أن يموت الانسان من اجل وطنه، ولكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن .

غادر الموسيقار آلبير شفَّو العراق ،وهو في عزِّ شبابِه، تاركاً وراءَه ما قامَ وأسهَمَ ببنائه.في بلده العراق الذي عاش فيه واسهم في بناء صرحه الموسيقي فهو من مؤسسين فرق الاوركسترا السمفونية العراقية وموسيقى الجيش العراقي.

لقد ترك شفو العراق في العام 1952 ولم يرجع إليه نهائياً. مُرجِعاً أسباب ذلك إلى إختلافه مع الأميرالراحل عبد الإله الوصي على العرش وولي العهد؛ وذكر شفو لاحدى الصحف العراقية فقال: مما يؤسف له أن علاقتي بالوصي ماكانت في أفضل أحوالها. فهو يرغب في الموسيقى العربية، وأنا ليس لي مَيل في ذلك. لذلك كان قراري مغادرة البلاد.. ومع ذلك، إن الطريقة التي قُتل بها الأمير كانت بشعة، وكان أسفي كبيراً على مقتله. ففي العام 1951 – 1952 إلتقيتُ في لندن بوزير المعارف العراقي آنذاك خليل كنّة. الذي طلب منِّي العودة للعراق لتسلُّم إدارة معهد الفنون الجميلة إضافة إلى عملي الأصلي. فكَّرتُ مليّاً بالعَرض الذي تقدم به الوزير: أعلمتُه موافقتي على العودة. لكن الوزير، حين عاد للعراق وبحث الموضوع مع وزير الدفاع بحكم عملي في موسيقى الجيش، أعلن الأخير رفضه، نتيجة حادثة “عابرة” جرت في السابق. إستمر الوزير على رفض التعامل معي. قررتُ أنه من الأفضل أن اعود إلى لندن. وهذا ما حصل فعلاً.

ويحدثنا هنا عن إنفتاح أبواب المستقبل في بلاد الغرب

في العام 1953 كان صديق يعمل في محطة الإذاعة البريطانية BBC الذي دعاني لتسلُّم مهام قائد أوركسترا الإذاعة والتلفزيون في نيوزيلندا، بحكم كونه رئيس هيئة الإختيار. بعد دراسة الموضوع بعقلانية قررت أني لن أُقبرأُدفَن نفسي في هكذا مكان بعيد جداً عن لندن. وبهذا رفضت العرض.

مناخ مزعج

كما حصلت على وظيفة للعمل مع أوركسترا هاله، تحت يد السر جون باربيروللي في مانشستر، بمناخها المزعج. كان تصرفي ذاك خطاً كبيراً برفض العمل مع السر جون.

لأكثر من 15 عاماً، عمل آلبير شفّو قائداً أولاً لفرقة سالزبوري السمفونية، مدربّاً ومديراً فنيّا لها. عند مغادرته مدينة سالزبوري عام 1982 أشار قائلاً: أعتقد أني قد أنجزتُ ما كنتُ أرغب بإنجازه هنا؛ إني أترك لمدينة سالزبوري فرقة سمفونية أعتز وأفتخربها.

ومع النشاط الموسيقي الكبير الذي كان يقام من قبل معهد الفنون الجميلة والفرقة السمفونية المشكلة فيه، كانت أجواق الموسيقى العسكرية تعنى أساساً بموسيقى “المسير” بحكم إختصاصها.

لقد إختفى شفو فجأةً عند مغادرته البلاد بشكل نهائي لم يعد بعدها سوى مرة واحدة شكَّل خلالها الفرقة السمفونية إجتمع فيها عازفون من معهد الفنون الجميلة، ومن موسيقى الجيش، إلى جانب عازفين أجانب، قادها في حفلتها الوحيدة التي أقيمت عام 1952 على مسرح قاعة الملك فيصل الثاني الكائنة في الباب المعظم من بغداد قاعة الشعب فيما بعد. اختفى بعدها عن الساحة العراقية، وكانت تلك خاتمة حضوره عراقياً.

يقول الموسيقار شفو: عندما اصبح الموسيقار شفو مديراً لموسيقى الجيش؛ في العام 1939  وكان لديه عدد من الأجواق بامرته  لكنها كانت غير متطورة. لذلك أول ما قام به هو تحديث الأجواق  الموسيقية على شاكلة أجواق الجيش البريطاني الموسيقية.  فقدم اول برنامج للموسيقى الكلاسيكية في محطة الإذاعة. كذلك ربط جوق موسيقى الشرطة تحت ادارته وشمله بمنهاج موسيقى الجيش  .

اسس الموسيقار شفو فرقة بغداد السمفونية مطلع الأربعينات والتي قدمت الفرقة حفلة على قاعة الملك فيصل الثاني.

قاعة الشعب حاليآ في مطلع الأربعينات1943 – 1941  وقد اخذت الموسيقى السمفونية في العراق بالإنتشار رويداً رويداً عبر الأسطوانات الفونوغرافية للكرامفون ، التي كان يقتنيها محبّو هذا النوع من الموسيقى، ومن ثم تأسيس المعهد الموسيقي العراقي عام 1936 معهد الفنون الجميلة فيما بعد حيث أخذ المعهد على عاتقه تدريس الموسيقى بشكليها الشرقية والغربية؛ والغربية تعني الموسيقى الكلاسيكية السمفونية.

فرق موسيقية

كما جرى من خلال المعهد تشكيل فرق موسيقية إما على شكل جوق موسيقى الآلات الهوائية والقارعة التي تولاّها إدارةً وتدريباً وقيادةً مدير المعهد، الموسيقار العراقي الراحل حنا بطرس. ومن ثم قاد أول فرقة سمفونية عراقية قدمت حفلتها على حدائق الكلية الطبية الملكية العراقية في العام 1941.

إستمرت الموسيقى السمفونية بالإنتشار ضمن مساحة محدودة من الجمهور المتلقي لها. ويعود الفضل في ديمومتها، إلى أساتذة وطلبة معهد الفنون الجميلة الذي إحتضن بداياتها ومن ثم تأسيس جمعية بغداد الفيلهارمونيك التي ارتبطت بها الفرقة السمفونية منذ العام 1948 – 1949. والتي صارت فيما بعد ربطها رسمياً بوزارة الإرشاد وزارة الثقافة والإعلام فيما بعد والتي اصبحت تعرف بالفرقة السمفونية الوطنية العراقية. أما على الجانب الآخر فلقد كان لموسيقى الجيش دور مهم في إستقطاب الكفاءات الموسيقية التي برزت من بين صفوفها من الأفراد ضباطاً وضباط صف وجنود ضمن تشكيلات أجواق الموسيقى العسكرية .كانت هذه الأجواق تؤدي القطع الموسيقية ذات الطابع الكلاسيكي الخفيف، بالإضافة إلى موسيقى المسير March المستخدَمة في الإستعراضات العسكرية. وهكذا كان إهتمام مدير موسيقى الجيش، آلبير شفو، شخصياً، في تشكيل فرقة سمفونية أخرى موازية للفرقة السمفونية الوطنية، لتعمل على نشر الموسيقى الكلاسيكية كثقافة للمجتمع العراقي الذي فيما بعد اصبح يعشق هذا النوع من الموسيقى والذي اصبح له جمهور عراقي عريض يتابع حفلاته وانجازاته الموسيقية .فلقد تطور هذا النوع من الموسيقى التي تعنى به عدة مدارس عراقية واولها موسيقى الجيش هذه المدرسة العريقة ذات الجذور التاريخية العملاقة والتي لاننسى دور قادتها من الموسيقيين الكبارفي تطوير الأجواق الموسيقية ومناهجها التي واكبت الفرق العالمية وتطوير كفاءاتهم العزفية والثقافية.

حفلات الفرقة

فقد كان في مدرسة الموسيقى ثمانين موسيقياً؛ إختير أفضلهم للعزف في حفلات الفرقة على قاعة الملك فيصل الثاني. إضافة إلى الإستعانة بهم في الفرقة السمفونية. مماشجع شفو بتاسيس فرقة بغداد السمفونية مطلع الأربعينات وقدمت هذه الفرقة عدة حفلات على قاعة الملك فيصل  واماكن اخرى في بغداد والبصرة والموصل .

فقد تولى الفنان العراقي الكبيرالموسيقار البير شفو مهام عديدة اذكر منها.؟

1- مديراً لموسيقى الجيش، 2- مديراً لمدرسة الموسيقى العسكرية، 3- منظماً لبرامج إذاعية للموسيقى الكلاسيكية، 4- قيادة الفرقة السمفونية، 5- مسؤولية الاشراف على جوق موسيقى الشرطة.

وقد نجح في ادارة جميع هذه المسؤوليات بكل شفافية ونزاهة ولاننسى دوره في كيفية نشوء اولى التكوينات التربوية الموسيقية الرسمية في العراق، فترة ما بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة المملكة العراقية -1921. والتي كانت بمبادرات شخصية منه ومن لدن من عملوا معه في التأسيس. في زمن  لم يكن فيه اثر للتربية الموسيقية بمستوى الدولة. فكان تشكيل أول جوق لموسيقى الجيش العراقي في الموصل عام 1923 الذي تولَّى الموسيقار الراحل حنا بطرس إدارته وقيادته. في زمن كان جوق الموسيقى العسكرية في بغداد بإدارة ضباط من موسيقى الجيش البريطاني، وعلى رأسهم الميجور كولفلد ملحن السلام الملكي العراقي. في العام 38 – 1939 تم إختيارالبير شفو ليكون مديراً لموسيقى الجيش العراقي. وهذا كان شرفا عظيما في تاريخ موسيقى الجيش العراقي .ولد العراقي البير شفو عام 1916 في الموصل. وهو من الطائفة المسيحية العراقية. أضطر آلبير شفّو لمغادرة العراق عام 1952  لخلاف حصل بينه وبين الأمير عبد الإله، ولي العهد والوصي على العرش، حيث كان الأمير يميل إلى موسيقى التراث العراقي ولا يهتم للموسيقى الغربية الاوركيسترا السمفونية والكلاسيكية منها بوجه الخصوص. توجه آلبير إلى بريطانيا ليستقر فيها قائداً لفرق سمفونية عديدة قبل إنتقاله بشكل دائم إلى الولايات المتحدة الأميركية. بعد ان تزوج من سيدة انكليزية عام 1952 وله ولده الوحيد يعمل طبيبا ويقيم في امريكا لقد أنجز هذا المبدع من مؤلفاته 119 قطعة موسيقية.عندما بلغ سن 93 عاماً من العمر وقد توفاه الله في احدى المدن الامريكية .رحل المبدع العراقي الكبير آلبير شفو بصمت غريبآ بعيدآ عن اهله ومدينته التي احبها والذي كان وفيآ لها ولوطنه والحركة الموسيقية العراقية والذي لم يكافئه هذا الوطن كما هو حال جميع مبدعين العراق وحتى لم تتناول ذكراه وسائل الاعلام العراقية . رحم الله هذا الفنان العراقي الكبير الاستاذ الموسيقار البيرشفو الذي ترك وراءه ارثا موسيقىا كبير اسسه وعمل من خلاله بكل شرف واخلاص ونزاه  لبلده وللفن والانسانية.لقد كان هذا الانسان مدعاة للفخر ومثلا للنزاه والاخلاص والابداع يجب ان يحتذى به. وانني اليوم اهدي هذا التحقيق لذكراه وروحه النقية التي لاتزال تحوم على اسوار بغداد.

متابعة صوت العراق

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close