هؤلاء في حياتي (٢٤) أحمد العبايجي.. لا يجف عرق جبينه

هؤلاء في حياتي (٢٤)
أحمد العبايجي.. لا يجف عرق جبينه
سليم الحسني

يحفر الصخر بأظفاره، يكسر الحجر بأصابعه، يحمل الأثقال على ظهره، لكنه لا يمدّ يده للآخرين، فحياته ممزوجة بعرق جبينه. قضى سنوات عمره على هذا الحال، وحتى عندما سقط نظام الحكم الطاغوتي عام ٢٠٠٣، ومعظم أصدقائه ورفاق دربه من أصحاب السلطة والقرار، فانه لم يقترب منهم، لم يطرق أبوابهم، لقد قرأها مبكرة بفطرته السليمة، بتجربة الرجل المكافح، فلا يريد أن يخرج عن أطواره التي اعتادها في ضمان معيشته بكدّ يمينه.

أجبرته ظروف المطاردة على الخروج من العراق، فهرب في شاحنة لنقل البضائع من العراق الى الكويت، وهناك قضى فترة قصيرة في منزل الدكتور (عباس العبودي/ أبو غفران) وفي منزل مخصص للشباب، ثم انتقل الى سوريا، ومنها الى ايران، حيث مارس الأعمال المتنوعة ليعيل عائلته في ظروف معاشية صعبة، مثل بقية المهاجرين العراقيين.

تنقل الحاج (أبو إيمان) على عدة مهن، عمل في مركز أبحاث، وسائق أجرة، وفي تنضيد الحروف، وفي وظيفة مع الأسرى العراقيين، ثم قرر أن يلجأ الى عمل آخر، فظروف الحياة الصعبة تحتاج الى مزيد من الجهد، فافتتح محلاً صغيراً في طهران (منطقة دولت آباد) لتصليح العجلات الهوائية، واشتهر هناك بـ (أبو ايمان البايسكلجي).

كنت أجلس على دكة محله الصغير، بين فترة وأخرى وقت العصر، فأرى الأطفال والكبار يبادلونه المودة والمحبة، لقد دخل قلوب المنطقة السكنية الخليطة من العراقيين والإيرانيين، وذاع صيته هناك، فأخلاقه الجميلة، والبسمة التي ينثرها على الجميع، جعلته يدخل قلوبهم، لا يسمعون منه إلا الكلمة الطيبة، والنكتة الظريفة، فيما يختزن قلبه معاناة المعيشة وصعوبة الحياة.

وحين أبدل مهنته الى تصليح الدرجات النارية، ساد الحزن أطفال دولت آباد، فلم يكن مثله من أصحاب المهنة، على مرحه وتسامحه وتودده اليهم.

ذات يوم كنت اتبادل معه الحديث، فأخبرني أنه لا يرى حرجاً في ممارسة أي مهنة شريفة، وقال لي: لا تستغرب إذا وجدتني احمل الصندوق، واعمل صباغاً للأحذية. فأرتفع في عيني أكثر من قبل، تضاعف حجمه أمامي، وأحسست أنني أمام إنسان من نمط خاص، إنسان يعيش الكرامة بكل معانيها، فهو لا يريد أن يكون عالةّ على أحد، ولا يمكن أن يخضع لأحد من أجل المال.

هاجر الحاج (أحمد العبايجي) الى الدنمارك، ومضى على نفس منهجه في مواجهة الحياة، يعمل من عرق جبينه، ينشر الفرح والسعادة حيثما يحل، تنفتح له القلوب، لصراحته وطيبته وصدقه مع نفسه ومع الآخرين.

لا أحد من أصدقائه يعرف متى يحزن (أبو إيمان) فهذه من أسراره الخاصة، لأنه يبادلهم الابتسامة والنكتة الظريفة، وقد يكون مهموماً بشؤون الحياة، لكن أخلاقه تمنعه أن يتحدث معهم بغير الابتسامة وخفة الدم.

بأخلاقه وظرافته يستطيع أن يجمع قلوب المختلفين، بل هو يفعل ذلك دائماً. وحين عاش نكران الجميل مع رفاق الدرب عندما تسلموا السلطة، لم تصدر منه كلمة عتب واحدة، فهو يجد أن ما يكسبه من رزق حلال بعرق جبينه، أفضل بكثير من أن يطلب وظيفة أو منصباً. إنه مستعد للخدمة دائماً، وإذا ما أرادوا خدماته فهو جاهز لذلك، لكنه لا يبدأ بطلب، فمن يملك كرامته ونظرته للعمل، لا ينحني رأسه أمام الآخر مهما كان منصبه.

في محل عمله في كوبنهاكن/ الدنمارك، زاره أحد أصدقائه وأخبره بأنه أدرج اسمه في قائمة المشمولين بقرار المُنح والراتب التقاعدي الذي يشمل كل من هرب من نظام المقبور، رفض (أبو إيمان) العرض بشدة، وقال له بالحرف:

ـ هل أشبعتم أيتام العراق وأرامله ومن ذاق ويلات الحروب والحصار، ثم جئتم لأوروبا توزعون خيرات العراق لمن لا يستحقها؟ احذف اسمي ولا تكرر هذه المحاولة ثانية.

هذا هو (أحمد العبايجي) ينطق بضمير الانسان المؤمن الذي يحس بمعاناة غيره، يشعر بالفقراء والمساكين، ويرى فيهم الحاجة الأولى التي يجب أن تنصبّ الجهود لخدمتهم وتوفير لقمة العيش والتعليم والخدمات لهم. لكن ظنّه خاب بالكثير من رفاق الأمس حين رآهم يحتجبون في المنطقة الخضراء، ويسقط بعضهم في إغراء النفوذ والسلطة، فقرر أن لا يدخل المنطقة الخضراء، ولم يدخلها حتى الآن.

حين أشعر في بعض الأوقات بشيء من الضيق أو الحزن، أزيحه بمكالمة هاتفية معه، انتقل عبر المحادثة القصيرة الى جو نديّ يفوح بالطيبة والمودة والصدق.
تحياتي عزيزي (أبو ايمان).

لإستلام مقالاتي على قناة تليغرام اضغط على الرابط التالي:
https://telegram.me/saleemalhasani

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close