الصحف العراقية تصارع الموت

محمد رضا عباس
لقد توقعت الكارثة التي تمر بها الان الصحافة المحلية منذ عام تقريبا , عندما زرت العراق في تشرين الثاني 2016, و قد كتبت مقالة في هذا الخصوص. الانهيار المالي الذي تعاني منه الصحف المحلية كان متوقعا لان إدارة هذه الصحف أصبحت هي الأخرى مثل مشاريع القطاع العام التي لا تستطع حتى تغطية رواتب موظفيها الشهرية بدون المساعدات الحكومية. الصحافة العراقية هي الأخرى أصبحت تعتمد على الإعلانات الحكومية , وبما ان الحكومة العراقية تعيش في حالة تقشف مالي منذ منتصف عام 2014 بسبب انهيار سوق النفط العالمي , فقد أصاب الصحف المحلية ما أصاب معظم المشاريع الحكومية , التلكؤ او التوقف . الحالة كانت متوقعة , وكان من المفروض بإدارة هذه الصحف الانتباه قبل وقوع الحدث لكونها قريبة عن الاخبار الاقتصادية والسوق.
وانا صغير من اهل مدينة الكاظمية , كان في باب الدروازة وحدها ثلاث أماكن لبيع الجرائد , أتذكر واحدا منها كان مقابل عمارة المرحوم علي الحمداني ( مكتبة أبو فوزي), والمكان الثاني كان مقابل جامع باب الدروازة (جامع السيد الحيدري) , والأخر بجوار مركز شرطة الكاظمية , إضافة الى رجل ضرير من اهل الجنوب يدعى أبو كاطع. اتحدث عن شارع باب الدروازه وهو شارع لا يتجاوز طوله عن كيلو متر واحد , ولكن كان هناك من يبيع الجرائد وكان هناك من يشتري ويقرأ الجرائد .
افهم ان هناك التليفون , الفضائيات , و الانترنيت ينافسون الجرائد المحلية , ولكن أصحاب الجرائد المحلية هم أيضا شاركوا في انهيار المؤسسات الإعلامية , وذلك لتخلفهم من مواكبة سوق الصحف المتراجع والذي تمر به جميع صحف العالم , بما فيها كبار الصحف العالمية . دعني اعطي مثل حول هذا الموضوع. انا من المهتمين بالشأن العراقي واقرأ عن اخبار العراق من خلال الصحف الامريكية , الفضائية العراقية و “صوت العرق” كل يوم . وعند زيارتي الأخيرة للعراق أصبحت تماما مقطوع عن اخبار العراق , ولم تنقذني الا الفضائية العراقية , حيث ان اخوتي من يطمئن لأخبار وتحاليل هذه الفضائية . لقد سألت الاخوة عن محل بيع جرائد , ولكن اندهشت عندما ذكر اخي ان حي العدل القريب عن الكاظمية يخلو من مكتبة لبيع الجرائد . و زاد من دهشتي ان مدينة الكاظمية هي الاخرى تخلو من مكتبة لبيع الجرائد , حيث لم اجد الا كشك صغير في محلة الشوصة يبيع صحف عراقية محدودة . وهكذا , أصبحت الجريدة سلعة نادرة لا تجدها في مكاتب بيع وشراء العقارات , المقاهي , عيادات الأطباء , وربما حتى دوائر الدولة . لقد اكتشفت سريعا , ان قطاع الصحافة ليس في حالة صحية جيدة وان من يدير هذه الصحف جاهلا تماما بفن بيع الصحف وبقاء صحيفته شامخة تحكي مصائب وافراح العراق لجيل الحاضر والمستقبل.
لا يقبل عذر ادارة الصحف العراقية , إدارة الصحف العراقية المحلية لم يقوموا بدورهم الإداري والتسويقي وبقوا متخلفين ,ينتظرون عطف الحكومة . الحكومة ليست كل شيء , ومن ينتظر عطف الحكومة , يجب ان يعطيها بالمقابل الولاء والسكوت عن الخطأ وتصبح ذيل للحكومة وتفقد استقلاليتها . كان من المفروض بإدارة الجرائد المحلية البحث عن طرق جديدة لتوزيع جرائدهم وجعلها مادة لا يستغني عنها المواطن العراقي. ان تخلف إدارة الصحف المحلية في توزيع صحفهم على أكبر عدد ممكن من العراقيين ساهم بشكل كبير بإفلاسهم وفي الفراغ الفكري لشباب العراق.
مؤسسة الصحافة العراقية مدعوة الى نشر ثقافة قراءة الجرائد ولاسيما بين شباب وشابات العراق وهذا يتم من خلال العمل الحثيث الذي يقوم به جهاز التسويق , حيث ان من مسؤولية هذا الجهاز هو الاتصال بأصحاب الاعمال , الجامعات , الحكومات المحلية , مكاتب العقارات , عيادات الأطباء , وشرح فوائد قراءة صحفهم . لا توجد صحيفة واحدة في العيادات الطبية التي زرتها في حين ان جميع عيادات الأطباء في الولايات المتحدة الامريكية تحتوي على عدد كبير من الصحف والمجلات يقرأها المراجع وهو في انتظار دوره لزيارة الطبيب. الصحف المحلية استطاعت اقناع إدارة الجامعات والمعاهد في الولايات المتحدة الامريكية بشراء صحف بعدد طلابها وتوزيعها مجانا على الطلاب. جميع المكاتب العقارية , مكاتب المحاماة , و باعة المفرد تصلهم الجرائد صباح كل يوم عن طريق الموزعين والذين يبدأ يومهم في الساعة الخامسة صباحا . وعندما تغلق أحد مكاتب بيع الجرائد لسبب او اخر في احدى المدن ,تقوم إدارة الصحيفة بأرسال الصحف بريدينا الى عنوان القراء وبأسعار زهيدة.
أصحاب الصحف المحلية مدعوون الى احياء عادة قراءة الصحف بين العراقيين والضغط على الحكومات المحلية بمنح مكاتب بيع الصحف أماكن في شوارع المدن المهمة مكان او كشك لبيع الصحف والجرائد العراقية والعالمية مجانا , وبقانون حتى لا تكون الصحيفة او الجريدة ذيل للحكومة المحلية تكتب لكسب ودها ورضاءها . ان غياب الصحف المحلية سوف يساهم في جهل المواطن العراقي حتى عما يدور في محافظته وبلده وهذا شيء خطير , والأخطر من ذللك غياب التنافس بين الصحف في المدينة الواحدة , حيث ان غياب المنافسة بين الصحف ذات التوجهات المختلفة يعني احتكار حزب واحد او فكر واحد عقول اهل المدينة , وهذا بالضبط ما حدث في الولايات المتحدة الامريكية في الانتخابات الأخيرة والتي جاءت بالرئيس دونالد ترامب . اليمين الأمريكي نجح نجاح كبير باحتكار ساعات طويلة من البث الإذاعي والتلفزيوني , إضافة الى الصحف المحلية ونجحت في تحفيز من لا يشارك في العادة في الانتخابات العامة المشاركة , اغلبهم من المناطق البعيدة من المدن الرئيسية والمحسوبين على المحافظين , وكانت النتيجة صعود رئيس يعاني من سياسته الداخلية الخارجية قطاعات كبيرة من الشعب الأمريكي بضمنهم من جاءوا به .

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close