تاريخ نظرية التطور ! (*)

تاريخ نظرية التطور ! (*) بقلم د. رضا العطار

التطور هو النظرية السائدة في العلوم الان وهي الصفة التي اصطبغت بها عقول جميع المفكرين في عصرنا الراهن. وهي تتلخص في ان الحيوان والنبات على تعدد انواعهما
التي تبلغ الألاف، نشأت في الأصل من نوع واحد. وان الجماد نفسه بما فيه من ذرات وجزئيات وعوالم وعناصر ترجع ايضا الى اصل واحد. فالتطور قانون شامل يسري على عالم الجماد وعالم الحيوان على السواء. وهو يقضي بأن الحي او الجماد دائم التطور لا يلبث على حال واحدة.

يُعتقد ان الأنسان انحدر من الخلية الأولى قبل الف مليون سنة. وهكذا يكون الحال في سائر الكائنات في الارض. والجماد نفسه في تطور مستمر فالرصاص مثلا لم يكن رصاصا منذ الأزل وانما كان في الارجح ( رديوما ) وهكذا الحال في سائر العناصر الفلزية. وهذه النظرية ليست جديدة، فقد لمح اليها الاغريق واومأ اليها العرب ظنا وحدسا، لكن الجديد فيها كثرة الشواهد التي استقرأها العلماء للتدليل على صحتها.

وكان – ارسطو طاليس – يشير الى هذه النظرية ويؤمن بوجود قوانين طبيعية ثابتة لا تتغير بمشيئة الالهة وقال عن النباتات، انها نشأت قبل ان تنشأ الحيوانات.
وكان – لوكريتيوس – الذي عاش قبل الميلاد بخمسين عاما، أجرأ القدماء وابعدهم نظرا في التطور. فكان يقول ان التحول هو سنة الكون وان ما تقوله الاديان الاغريقية عن اصل العالم خرافات. وان الانسان كان وحشا ضاريا هذبته المدنية وانه عرف النحاس ثم عرف بعد ذلك الحديد وان اللغة نشأت نتيجة الاجتماع والحضارة.

وكان علماء الاسكندرية في مصر يعرفون هذه الاراء ويقولون بها قبل ظهور القرون الوسطى، حيث قام فيها النقل في اوربا مقام العقل وترك العلماء الأستقراء والبحث واخذوا بالاساطير والعقائد الغيبية مكان البحث العلمي والمنطق. لكن علماء العرب في هذه الفترة كانوا يشتغلون بالعلوم. وبحوثهم في الكيمياء كانت تستند على التجارب العلمية، فصارت نزعتهم في العلوم تفوق نزعة الاغريق وتمتاز عليها في الدقة والمصداقية.

فقد كان الاغريق يفضلون النظر الفلسفي على المنطق السليم وكأنهم كانوا يتجاهلون حقائق الحياة كما تدل على ذلك – جمهورية افلاطون – حيث قال فيها بشيوعية النساء والاموال. ولم يقف لينظر لحظة هل تنطبق مبادئه على احوال الحياة الراهنة في زمانه.
وقد لمح عدد كبير من علماء العرب الى نظرية التطور فكان الكيميائيون يقولون بتطور العناصر وامكان تحول معدن خسيس كالرصاص او الزئبق الى معدن نفيس كالذهب، ثم توسعوا في النظر فصاروا يقولون بوحدة الاصل في انواع النبات والحيوان.
وربما كان احسن ما كتبوه في هذا الرأي قصة – حي بن يقظان – التي وضعها ابن طفيل ولخص فيها آراء المشارقة واومأ الى نظرية التطور. وفي هذه القطعة التي ننقلها عن كتاب – عجائب المخلوقات – للقزويني ايماء الى هذه النظرية. حيث قال:
( اول مراتب هذه الكائنات تراب، وآخرها نفس زكية طاهرة. فإن المعادن متصلة اولها وآخرها بالنبات. والنبات متصل اوله بالمعادن وآخره بالحيوان. والحيوان متصل اوله بالنبات وآخره بالانسان، والنفوس الانسانية متصلة اولها بالحيوان وآخرها بالنفوس الملكية ).

وقال ابن مسكوية في – الفوز الاصغر – عن مراتب الانسان انها:
( مراتب القرود واشباهها من الحيوان الذي قارب الانسان في خلقته الانسانية وليس بينها الا اليسير الذي اذا تجاوزه صار انسانا )
لقد بقيت نظرية داروين موضع استقراء من قبل آلاف العلماء حتى بدأ البحث عنها زمن ( لامارك ) العالم الفرنسي عام 1829 فإنه قال: بان جميع انواع النبات والحيوان قد نشأت من اصول قديمة متحجرة.

وجاء العالم الانكليزي – سبنسر – فعمم النظرية حتى جعلها تشمل الهيئة الاجتماعية الانسانية وكيف انها انتقلت من الوحشية الى المدنية.
فنظرية التطور تشمل كل شئ حتى اخذ العلماء يفكرون في كيفية انشاء انسان تكون نسبته الينا كنسبتنا نحن الى القرد وهم يطلقون عليه اسم – السبرمان – اي الانسان الاعلى وأجرأهم بالعمل في منع ذوي العاهات والأمراض الخبيثة الموروثة والبلهاء من التناسل بتعقيمهم. وكثير من الامم الراقية فعلت ولا زالت تفعل ذلك.

يقول كاتب السطور : خلال سنوات عملي في مستشفى الرمد لأمراض العيون في بغداد في القرن الماضي كنت اشخص احيانا مرض التهاب الشبكية الصباغي retinitis pigmetosa عند بعض المراجعين من المراهقين. كان سبب مراجعتهم هو انحسار محيط الرؤيا لديهم، والمعروف عن المرض انه صفة غالبة خبيثة ينتقل بالوراثة ويسبب العمى للمصاب مع تقدم العمر، يتعذر معه العلاج. وعندما كنت انصح آبائهم بالكف عن الانجاب، كانوا يقابلون نصحي بالازدراء والغضب. انهم كانوا لا يعلمون بان طبيب العيون زمن النازية في المانيا كان ملزما باخبار السلطة اذا ما اكتشف عند احد مراجعيه هذا المرض، ليلقى القبض عليه ويعدم، لكيلا ينتقل الوباء الى الاجيال القادمة.

لقد فتحت نظرية النظرية ميادين العلوم امام الانسان، فقد كان المأثور قديما في كتب السلف ان الانسان خلق كما هو الان وسيبقى كذلك الى الابد ولكن النظرية قد بسطت لنا الماضي فجعلتنا نرى الانسان في غير حاله وبسطت لنا الافاق الرحبة فملأنا تفائلا بانه سيكون افضل مما هو الان. فنظرية التطور هي نظرية الرجاء والرقي وهي المفتاح الذي يفتح لنا مغاليق الماضي المبهم ويرسم لنا مصير انسان المستقبل.
الحلقة التالية في الاسبوع التالي !

* مقتبس من كتاب نظرية التطور واصل الانسان لسلامة موسى، مع تعليق الكاتب.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close