هؤلاء في حياتي (٢٩) حسن الساعدي/ أبو مهدي.. بطل خذله رفاقه

هؤلاء في حياتي (٢٩)
حسن الساعدي/ أبو مهدي.. بطل خذله رفاقه
سليم الحسني

تضيق به الحياة في صعوبات المعيشة، لكنها لا تظهر على وجهه، تحيط به المتاعب والهموم والمشاكل وكأنها تتضامن أجل إضعاف عزيمته، لكنه ينتصر عليها بالصبر والتوكل على الله. ليست مشاكل الحياة خصماً نداً له، إنه (أبو مهدي) ابن الطين ومدرسة النضال وتلميذ الكبار، على ساعديه يحمل متاعب الدهر فيلقي بها بعيداً عن دربه ودرب رفاقه، تتكالب على ظهره ذئاب الزمان، تنهش لحم كتفيه لكنه لا يصرخ بالوجع.
قضى أوائل شبابه مجاهداً معارضاً لنظام الدكتاتورية، مع اشقائه، وتعرض للمطاردة والملاحقة لبطولته، فاضطر الى الهجرة، لكنها هجرة الكفاح والمواصلة، فمثله لا يعيش إلا هموم قضيته.
في مرابطته وحركته في المناطق الشمالية الحدودية بين العراق وإيران، تعرض للاختطاف من قبل ميليشيا (قاسملو) المعارضة للحكومة الإيرانية، وقضى ما يقرب من أربع سنوات في معتقلاتها وسط الكهوف والظروف الصعبة ما بين (الأول من نيسان ١٩٨١ وحتى ٢٠ كانون أول ١٩٨٤) مع الشيخ الرسالي جميل الربيعي والبطل (أبو عباس التركماني) وقد كانت حياتهم مهددة بالموت في أي ساعة طول فترة الاعتقال.
حين تم الإفراج عنه من معتقله، وعاد الى الحرية والحياة، لم يتحدث عن معاناة الاعتقال.
كنتُ في أوقات متفرقة أترك مكتبي في الطابق الثاني من جريدة الجهاد، واتداول الحديث مع الموظفين والعاملين، أرتشف معهم الشاي والاحاديث الجميلة. وحين يجمعني المكان مع الحاج (حسن الساعدي/ أبو مهدي) أسأله عن ظروف اعتقاله في تلك الكهوف الجبلية، وهي أحاديث ومشاهد كنت أتوق لسماع أدق تفصيلاتها، لكنه كان يمر عليها عابراً، وكأنها رحلة من مكان الى آخر، وكأنها وقفة سريعة في محطة انتظار. فيزداد تعاظماً في عيني. فأي نوع من الرجال هذا الذي يمر على الموت وينام بجنبه في أتعس الظروف، وينظر اليها على أنها لا تختلف عن أي موقف بسيط من مواقف الحياة؟

كان يؤدي عمله في قسم التصوير بكل هدوء وانضباط ودقة، ويؤدي أي عمل يُكلف به بحماسة الفائز لحرصه على خدمة العمل الاسلامي، حتى وإن كان في أشد حالات التعب والإرهاق. وكانت تشع من عينيه رغبة قوية لخدمة الآخرين، نظرة أعرفها بدقة، بل هي نظرة تتحدث بصوت مسموع، فهو يبحث عن خدمة يقدمها لاخوانه من الموظفين والعاملين، بصمت وهدوء، صمت الانسان القنوع، وهدوء الضمير المرتاح.
بذكائه الفطري وبنباهة أبناء الطين، يشخّص الأمور بدقة، ويزن الرجال والأشخاص، لكنه يكتم ذلك في نفسه، حتى الذين يسيئون اليه، لا يبادلهم إلا المعروف والتسامح والتغاضي، فلديه خزين من الصبر يغطي من حوله الآخرين ويفيض عليهم بعدة أضعاف، ويزيد منه ما يفيض على مجاميع أخرى.

عاد بعد هجرته الطويلة الى العراق بعد سقوط الصنم عام ٢٠٠٣، ليواصل عمله الحقيقي في خدمة أبناء شعبه، ويعيل أهله المفجوعين بالشهداء وصعوبات الحياة، فعمل موظفاً في قناة (آفاق) لحزب الدعوة الإسلامية، وتولى عدة مهام منها مسؤول الشؤون الأمنية، وكان حريصاً في عمله على عادته، فوجد فساد بعض الموظفين وسرقاتهم وسوء تصرفاتهم، وهم الفئة التي توغلت في كيان الدعوة ومؤسساتها، او بعبارة أصح الفئة التي استعان بها بعض المسؤولين من حزب الدعوة حين تسلموا مناصبهم الحكومية، وهو الجرح الذي ينزف من قلب كل مخلص على هذا السلوك الشاذ.
ذات يوم كان يجلس في مكان استراحته في قناة (آفاق)، أقتحم مجموعة من العاملين في القناة يحملون أسلحتهم، فاعتدوا عليه وهددوه وأخرجوه بالقوة، لم تتدخل إدارة القناة على هذا التجاوز ضد الحاج (حسن الساعدي/ أبو مهدي) صاحب التاريخ النضالي المشرف ورجل التضحية والصدق والإخلاص.

كان سبب الاعتداء عليه أنه يحافظ على استقامته وتاريخه والتزامه، بينما الفاسدون والعابثون والسرّاق لا يروق لهم ذلك، ففعلوا فعلتهم لتجري عمليات السرقة والفساد بدون اعتراض. وبلغ الخبر مسؤول المكتب الإعلامي لحزب الدعوة الشيخ (عامر الكفيشي) فلم يتدخل، وربما كان مرتاحاً لما لحق بالبطل (حسن الساعدي)، لكي لا يزعج ولي نعمته الذي يملك القناة.
بعد الحادثة، اضطر الى ترك العراق، والعودة الى غربته ليوفر لقمة العيش لعائلته، صابراً محتسباً كما هو شأنه. عاد الى غربته ولم يحصل في وطنه حتى على حقوقه القانونية كونه من السجناء السياسيين.
في حديث رمضاني قال الشيخ محمد مهدي الآصفي رحمه الله، في كلامه عن نضال وجهاد الدعاة وتضحياتهم: (لو لم يكن من عمل غير صبر وجهاد ومعاناة الحاج أبو مهدي لكفى) في إشارة الى دوره الرسالي البطولي وشخصيته المستقيمة وصبره وتضحياته.
الفارق كبير بين موقفين: فالشيخ الآصفي عالم دين يعرف معنى التضحية، بينما الشيخ الكفيشي رجل دين يعتاش على تضحيات الأبطال.
عزيزي الحاج (أبو مهدي) أحبك جداً، حفظك الله ورعاك.

لإستلام مقالاتي على قناة تليغرام اضغط على الرابط التالي:
https://telegram.me/saleemalhasani

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close