أسباب الانتصار في معركة تلعفر

محمد رضا عباس
خرجت أصوات تدعو الى ان تنظيم داعش لم يقاتل في قضاء تلعفر، وانما قرر التنظيم الهروب الى ناحية العياضية في الشمال من تلعفر ومن هناك الى تركيا او سوريا , وان من وقف في وجه القوات المسلحة في تلعفر كانوا افراد من عناصر التنظيم من لم يصله قرار الهروب . أصحاب هذه الدعوة يذهبون بالقول ان ” اتفاق إيراني –تركي ” سمح لتنظيم داعش بالهروب من تلعفر وان ” تلعفر كانت تقريبا خالية من المسلحين ” . هذه الدعوة لا تقف على ارض صلبة و منافية للحقائق , بل دعوة الى الانتقاص من بطولات القوات العراقية بكل صنوفها و واستهانة بدماء الشهداء والجرحى واستهانة بالقيادات العسكرية والحشد الشعبي الذي شهد العالم ببطولاتهم ودقة خططهم . تنظيم داعش قاتل وقتل منه على الأقل 1000 عنصر من مجموع 2000 مقاتل في تلعفر حسب تقديرات معظم الخبراء , وعندما وجد التنظيم انه لا قدرة له في الوقوف امام القوات المحررة , قرر الهروب الى ناحية العياضية او الى أي مكان اخر يستطيع ان يحتمي به من ضربات القوات المحررة . معركة تلعفر انتهت بفترة أسبوع واحد وهو اقل بكثير من توقعات أكثر المحللين المتفائلين بالانتصار. السؤال هو ما سر انهيار دفاعات تنظيم داعش في تلعفر بهذه الفترة الوجيزة؟ لا يوجد جواب واحد وانما مجموعة أجوبة او أسباب أدت الى انهيار تنظيم داعش في قضاء تلعفر وهي:
1. قلة عدد سكان مدينة تلعفر مقارنة مع حجم سكان قضاء الموصل والذي كان يقارب المليونين من السكان , وصغر مساحة قضاء تلعفر مقارنة مع الموصل و اختلاف تضاريس القضاءين . ضيق ازقة مدينة الموصل لم يسمح لأليات القوات المسلحة بالدخول اليها مما اضطر القوات المسلحة العراقية الترجل لمقاتلة عناصر التنظيم والذين اتخذوا المدنيون دروعا بشرية. طبيعة جغرافية تلعفر لم تشكل تحد للقوات المحررة , وان الأرض المنبسطة في قضاء تلعفر كانت ” تصلح لتقدم الاليات والعجلات المدرعة , وسمحت بفتح محاور القتال من عدة اتجاهات ” , كما جاء في تصريح المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة العميد يحيى رسول.
2. تقدم القوات المشتركة من ثلاث محاور , الشرق , الغرب , والجنوب تسبب في تشتت قوة عناصر التنظيم ولاسيما وانه كان يقاتل قوات من مختلف الصنوف وبأعداد تفوق عدده المقدر 2000 مقاتل و بتسليح حديث مثل المدفعية و الدروع وأجهزة استطلاع , وطائرات مسيرة , وطيران جوي من القوة الجوية العراقية والجيش العراقي إضافة الى طيران التحالف الدولي والذي نفذ 75 طلعة جوية وسبب بقتل 102 إرهابيا خلال الأيام الأولى لمعارك في تلعفر.
3. تطور أداء القوات المسلحة العراقية وزيادة خبرتها القتالية بعد ان دخلت هذه القوات في معارك عديدة ابتدأ من معركة تحرير جرف الصخر الى معارك الموصل. أربعة سنوات من المعركة مع عناصر تنظيم داعش جعلت من المقاتل العراقي يختلف اختلافا جذريا من قدرة المقاتل العراقي في صيف 2014 , تاريخ دخول داعش الى الموصل وبقية المدن العراقية. الخبير العسكري وفيق السامرائي كتب معلقا على انتصارات القوات المسلحة في معركة تلعفر يقول ” النصر في تلعفر ما كان ليحدث بهذه السرعة الخاطفة لولا مناورات العزل والتطويق التي فرضتها قوات الحشد وفي المقدمة منها فرقة العباس والمرجعية والامام على وقوات بدر…”.
4. تحرير مطار تلعفر و ما يقارب 127 قرية محيطة بقضاء تلعفر ومن ثم تطويق المدينة من كل الجهات منذ بداية عمليات تحرير قضاء الموصل من قبل الحشد الشعبي منع دخول وخروج قوات عناصر تنظيم داعش , ومنع دخول قيادة جديدة له او تجهيزات عسكرية إضافية . إضافة الى ذلك ان حصار تلعفر من قبل الحشد الشعبي لفترة ستة أشهر أدى الى نقص شديد في المواد الغذائية والأدوية وعلى معنويات المقاتلين وبدء عليهم الانهاك.
5. ان خسارة التنظيم لقضاء الموصل افقد عناصره الرغبة في القتال , خاصة بعد ان لاحظوا كثرة قتلاهم , وإصرار القوات المسلحة العراقية بكافة مسمياتها على النصر . النصر يقود النصر , والخيبة تجر الى خيبة أخرى . الانتصارات المتكررة للقوات العراقية رفعت من معنوياتهم وتفوقهم الساحق في كل منازلة مع تنظيم داعش .
6. على ارغم من دقة القوات المحررة في تحقيق أهدافها , الا ان هذه الانتصارات لم تكن بهذه السرعة لولا مشاركة القوات الجوية بضمنها قوات التحالف الدولي . القوة الجوية ساهمت مساهمة فعالة في تدمير مواقع التنظيم وتسهيل دخول القوات العراقية نحو أهدافها. سلاح الجو كان له الفضل في فتح السواتر , تدمير مخازن الأسلحة والعتاد , معامل تفخيخ العجلات , مقرات القيادة والسيطرة , إضافة الى قتل اكثر قادة التنظيم .
7. وفرة المعلومات عن تحركات عناصر التنظيم في قضاء تلعفر , نوع السلاح الذي في حوزته , عدد المقاتلين , ومواقع تجمعاتهم . حيث كشف القيادي في الحشد الشعبي حسن فدعم ان ” قيادة العمليات المشتركة كانت تقيم مسك محيط تلعفر من قبل الحشد الشعبي حيث ولدت معلومات غزيرة لاستخبارات الحشد ولدينا معلومات دقيقة عن حركة الدواعش وأماكن تواجدهم “.
8. ظهور خلافات حادة بين عناصر التنظيم داخل مدينة تلعفر بسبب سقوط الموصل. أعضاء التنظيم الأجانب حملوا أعضاء التنظيم من العراقيين بسقوط الموصل , هذه الخلافات اثرت تأثيرا كبيرا على معنويات المقاتلين وادى الى اندحارهم بوقت قياسي .
9. انقطاع الاتصالات اللاسلكية بين مقاتلي التنظيم في تلعفر بعد ان استطاعت القوات الجوية من تدمير مراكز الاتصالات قبل يوم من بدء العمليات العسكرية , حيث ذكر مصدر امني في محافظة الموصل ان ” شبكة اتصالات داعش الداخلية في تلعفر توقفت بشكل تام “. هذا التوقف سبب عدم وصول التعليمات الى المقاتلين من قادتهم , مما اضطر الكثير منهم بترك مواقعهم والهروب الى داخل القضاء .
10. دخول القوات المسلحة العراقية معركة تحرير تلعفر كانت بدون تعقيدات سواء كانت دولية او محلية او إدارية. تركيا تنازلت عن معارضتها بمشاركة الحشد الشعبي دخول تلعفر وذلك لانشغالها بمشاكل من الحجم الكبير مثل علاقاتها المتدهورة مع اوربا , الخلافات الخليجية , و تواجد حزب العمال الكردستاني في العراق. الولايات المتحدة والعالم معها اضطرت بدعم العراق لان داعش أصبح ليس عدوا للعراق وحده كما كان يشاع عنه وانما للعالم اجمع. فقد جاء في تصريح المتحدث باسم التحالف الدولي ريان ديلون خلال مؤتمر صحفي في مقر وزارة الدفاع في بغداد ان ” قوات التحالف مستمرة بدعم القوات العراقية التي تقوم بهزيمة داعش الإرهابية”. داخليا , أصبحت معركة القضاء على تنظيم داعش قضية وطنية وادت الى الوحدة الوطنية اكثر من أي وقت مضى . إداريا , دخل القادة العسكريون تلعفر وهم يعرفون وظيفتهم و حدود مسؤولياتهم , حيث تمت تحديد مسؤولية كل قائد عسكري قبل يوم من بدء المعارك. تحديد واجبات كل قائد في الميدان سهلت التنسيق بينهم وعجلت من احراز النصر.
11. معركة تحرير الموصل قضت على اغلب قيادات تنظيم داعش العسكرية , وان الحصار العالمي ضد هذا التنظيم منع من ظهور قيادات جديدة تقود المعارك . بالمقابل , فان انتصارات القوات العراقية المتلاحقة والدعم الدولي لها خلق قيادات عسكرية من الطراز الأول مثل القائد عبد الغني الاسدي , ومعن السعدي , و عبد الوهاب الساعدي , و وعبد الأمير شغاتي , وأبو مهدي المهندس و ورائد جودت وعبد الأمير يار الله . ان المعارك المتكررة التي خاضتها القوات المسلحة العراقية وقوات الحشد الشعبي وانتصاراتهم في جميعها جعلتها قوات ينظر لها العالم بالاحترام والتقدير.
12. يبقى الأهم وهو الإصرار العراقي على النصر او الشهادة , و مشاركة جميع العراقيين بصناعة النصر . ان مشاركة أبناء تلعفر مع القوات المحررة سهل على القوات المسلحة التعرف على جغرافية المدينة , أماكن تجمع الإرهابيين , و دعم المقاتلين , ومن ثم مسك الأراضي المحررة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close